خيارات التمويل في البحرين: بين الشركات الناشئة والمستثمرين‎

اقرأ بهذه اللغة

يقول المدير التنفيذي لشركة الاستثمار التأسيسي في المنامة "تنمو" Tenmou، حسن حيدر، إنّ "البحرين مثل طبق الـ‘بتري‘ المسطّح، الذي يُستعمَل في المختبرات. أو بمعنى آخر، هي بيئةٌ حاضنةُ تتمتّع باكتفاءٍ ذاتيٍّ، مدعّمةٌ بوفرةٍ من الرأسمال البشري". ويرى حيدر أنّ هذه الجزيرة التي تحكمها مملكةٌ صغيرة، هي بمثابة نقطة انطلاقٍ عظيمةٍ للشركات الناشئة التي تريد التوسّع نحو دول مجلس التعاون الخليجي. فالبحرين تمتلك بنى تحتية فعّالة وتنظيماً متقناً، وتكاليف التشغيل فيها منخفضة. ولكن إذا ما نظرنا إلى المشهد التمويلي في الجزيرة، فسيبدو الأمر أكثر تعقيداً عمّا هو عليه. 

 التمويل الفعّال: العام بمواجهة الخاص 

إنّ فرص التمويل في البحرين محدودة، ولكنّ  بنك البحرين للتنمية BDB يتعاون حالياً مع "تمكين" Tamkeen. وهذه الأخيرة عبارةٌ عن هيئة شبه حكومية، تقدّم مجموعةً واسعةً من الخدمات الاستشارية لروّاد الأعمال وللشركات الناشئة. وبالتالي، فإنّ هاتين المؤسّستين تساهمان سويّاً في تأمين عددٍ كبيرٍ من الخدمات التي تشملُ التخطيط لمشاريع الأعمال والموارد البشرية، بالإضافة إلى الخدمات القانونية والمساعدة في دراسة الجدوى الاقتصادية. كما تجدر الإشارة إلى أن القروض والإعانات المالية تتراوح بين 5 آلاف دينار بحراني (حوالي 13 ألف دولار أمريكي)، وما يزيد عن 30 ألف دينار بحراني (حوالي 80 ألف دولار أمريكي). في المقابل، توفّر "نمو" Tenmou، أوّل شركة استثمارٍ تأسيسيٍّ في البحرين، استثماراتٍ تأسيسيّة للشركات الناشئة فضلاً عن الإرشاد اللازم لها.

وبالحديث عن التجارب الناجحة، نذكر تطبيق الهواتف الذكية لحجز الأماكن في المطاعم، "إيت" eat، الذي يُعتبَر نسخةً شرق أوسطية من "أوبن تايبل" OpenTable. وعند ذكر مرحلة البحث عن التمويل، "ثلاثة موارد تخطر في البال،" كما يقول مؤسِّس التطبيق نزار كاظم. ويضيف إنّ "الأقارب والأصدقاء وحتّى المجانين يعشقون المال، لكنّني قررتُ أن لا أتعامل معهم." ويبدو أنّه يقول هذا خشيةً من تبديد أموال أحبّائه، الذين يبدو أنّهم لم يكونوا على علمٍ بما يُقدِمون عليه.  ولهذه الأسباب، قرّر أن يستعين باستثمارٍ تأسيسيٍّ من قِبل "تنمو".

في وقتٍ سابق، تقدّم فريق "إيت" بطلبٍ ليكون جزءاً من المخطّط الأوّلي في بنك البحرين للتنمية، إلّا أنّ النتيجة كانت إنفاقُ المال دون طائل. ويشرح كاظم عن هذه التجربة بقوله، "لقد خسرنا المال في الواقع. من جهةٍ، تتوفّر موارد أخرى للتمويل، ولكنّها لا تستحقّ الوقت الذي يقضيه رائد الأموال في البحث عنها." كذلك يشير إلى أنّ معظم المشاريع التي يستثمر فيها البنك، هي مشاريع موجّهة اجتماعياً. 

  ولكنّ الأمور اختلفت مع "تنمو"، حيث حصلوا في شهر كانون الأول/ديسمبر عام 2013 على قرضٍ بمبلغ 100 ألف دولار أمريكي، تمكّنوا من سداده في شهر شباط /فبراير عام 2014. ويقول كاظم عن العملية إنّها "كانت سريعةً جداً، وكنّا بغاية السعادة."

والآن يحوز التطبيق الذي لا يزال في نسخته الأولى على 30% من الحصّة السوقية في البحرين، استناداً فقط إلى نظام إدارة الحجوزات الخاصّ به. في هذا الوقت يخوض "إيت"  للمرّة الثانية جولةً تمويلية جديدة بقيمة 250 ألف دولارٍ، بينما يعتزم الفريق الانتقال إلى دبي في الربع الأوّل من عام 2015.

من جهتها، تعمل "تمكين" Tamkeen منذ انطلاقها عام 2006 على هدفَين رئيسيّيَن؛ تدريب روّاد الأعمال في البحرين على تطوير رأس المال البشري، والثاني يقوم على دعم الأجور. وعن عملية الإصلاح في الآونة الأخيرة، تقول لـ"ومضة" مسؤولة التسويق في "تمكين"، أمل طلال الصوراني، إنّ "من أهمّ التغييرات التي أحدثناها كانت في "برنامج دعم المؤسّسات" الخاصّ بنا، الذي أعدنا تصميمه وإطلاقه ليكون قادراً على دعم الشركات الناشئة بشكلٍ أفضل." وتشرح الصوراني أنّه يمكن للمشاريع التي ليست مسجّلةً تجارياً بعد أن تتقدّم إلى البرنامج، علماً أنّها سوف تحتاج لتسجيل نشاطها لدى الأجهزة الحكومية فيما بعد.

"إنّ المعرفة بشأن الدعم المالي الذي تقدّمه "تمكين" والمنظّمات الأخرى تشكّل دفعةً لنا كشركاتٍ ناشئة." تقولها مؤسِّسة متجر ملابس السباحة الإلكتروني "ميزون دو مايو" Maison du Maillot، فيفي فايز فخرو، بالرغم من أنّها وفريقها اعتمدوا على التمويل الشخصي.

تقوم بعض الشركات الناشئة لتحقيق مصالحها، بالاعتماد في تمويلها على الكيانات الحكومية والخاصّة. وكذلك فعلت "فيش ترانسبورتر" Fish Transporter الشركة الناشئة التي تهتمّ بتوزيع ونقل الأسماك، فاستفادت من موارد الدعم المتاحة للجمهور. وبحسب مؤسِّسها محمد طريف، فإنّ فريق شركة "فيش ترانسبورتر" الذي لا يزال يعمل من مكتبٍ توفّره شركة الاستثمار التأسيسي "تنمو"، كان ضمن الدفعة الرابعة التي تخرّجت بعد سبعة أشهرٍ من هذه الأخيرة عام 2013.

وهم بالإضافة إلى ذلك، يقومون حالياً بالاستعانة بموارد "تمكين" وبالأخصّ خدماتها التسويقية. ويقول طريف عن هذا الأمر، "يمكنك الحصول على حسمٍ يصل إلى 50%، إذا كان الأمر عن طريقهم." ويضيف، "تقدّمنا عبر الإنترنت، وبعد ثلاثة أسابيعٍ فقط بدأنا بالعمل مع شريكهم "يونيسونو" Unisono." وما تقدّمه "تمكين" لكلّ شركةٍ ناشئةٍ من 20 ألف دينارٍ بحرانيّ (نحو 53 ألف دولار أميركي) لتستعملها في عملياتها التسويقية وتجهيزاتها والخدمات القانونية، يعتبره طريف مفيداً جداً من حيث السيولة.

واستفادت شركة "فيش ترانسبورتر" من "تمكين" في المقام الأوّل، عندما ساعدتها على الحصول على المعدّات اللازمة لعمليات النقل. إذ اشترت الشركة الناشئة آلات التبريد لشاحنات النقل خاصّتها، بسعر أرخص بـ50% جرّاء الحسم الذي توفّره "تمكين".

وهكذا تُعتبَر "تمكين" مناسِبةً للشركات الناشئة التي تمتلك بضع سنواتٍ من الخبرة، أكثر من الشركات التي لا زالت تعمل على تطوير فكرتها.

من جهته، فإنّ موقع "يوتراك" utrack.tv الذي يقوم ببثٍّ مباشرٍ لعروضٍ مختلفةٍ من سباق السيارات إلى عرض الأزياء في المنطقة وأوروبا، استفاد من خدمات "تمكين" أيضاً، ولكن كان عليه الانتظار حتّى يحين الوقت المناسب. إذ لم يتمكّن الفريق من العمل مع "تمكين" إلّا بعد حصوله على 4 آلاف دينارٍ بحراني (نحو 10,500 دولار أميركي)، وذلك بعد فوزه في مسابقة "أسبوع الشركات الناشئة في البحرين" Startup Bahrain Weekend. "لم يكن ينقصنا إلّا المال، أمّا ‘تمكين‘ فهي ستعمل على دفعنا بقوّة نحو الأمام". يقولها أحد مؤسّسي موقع "يوتراك" مضيفاً إنّ "العملية مع ‘تمكين‘ وبنك البحرين للتنمية قد تأخذ وقتاً طويلاً، مع العلم أنّ الوقت مهمٌّ جدّاً بالنسبة للشركة الناشئة."

هذا ويستغرق بنك البحرين للتنمية 16 يوماً لدراسة الطلبات المقدّمة إليه، كما يعتبر أنّ الوقت يمكن أن يكون منطقة رمادية. وبحسب مساعد نائب رئيس الوحدة الاستشارية للأعمال، عريجي الشقار، فإنّه "كلّما عمل رائد الأعمال أو الشركة الناشئة على تأمين الأوراق اللازمة، يمكن للعملية أن تكون أسرع. فنحن نعمل على أساس دراسة كلّ حالةٍ على حدى، فمن الممكن إذاً أن يشهد الوقت تفاوتاً." وبعدما حرص الشقار على التذكير بأنّهم مؤسّسةٌ مموّلةٌ من الحكومة، قال " نريد أن نعرف بالظبط أين يذهب المال."

دعم المجتمع

إذا ما توافر التمويل، فإنّ إطلاق عملٍ تجاريٍّ في البحرين يتمتّع ببعض المزايا، لا سيّما بالنسبة للأعمال ذات الحجم الصغير. وتقول فخرو التي لا تزال تعمل في وظيفتها بدوامٍ كامل (أختها ليلى تعمل لدى "ميزون دو مايوه" بدوام كامل)، إنّ حجم دولة البحرين الصغير عمل لصالح الأعمال التي تعتمد على التسليم والشحن: فالخدمات اللوجستية في هذا البلد تبدو صغيرةً جداً، مقارنةً بتلك التي في لندن حيث نشأ الاثنان.

ومن المزايا الأخرى التي يملكها إطلاق شركةٍ ناشئةٍ في البحرين بحسب فخرو، هي سهولة التنقّل في المشهد الرياديّ. وتشرح أنّ "الجوّ داعمٌ جدّاً، بحيث إذا احتجتُ السؤال عن أيّ شيء، يمكنني الحديث مع الآخرين بسهولة." ومن خلال حضورها المنتظم لفعالية "ستارتاب مورنينج" Startup Mornings التي تنظّمها "ستارتاب بحرين" Startup Bahrain، استفادت فخرو من توسيع شبكة علاقاتها التي تساعدها في الحصول على مزيدٍ من النصائح.

وكما يقول الشقّار، تمكّن بنك البحرين للتنمية BDB مع مرور الوقت من تحسين نهجه، بالتزامن مع تطوّر الاحتراف والكفاءة لمجتمع الشركات الناشئة الذي يشهد مزيداً من الاعتراف الدولي. وخير مثالٍ على هذ الأمر فوز الطالبان علاء محمد ومروة بحيلة بجائزة الابتكار في "كأس مايكروسوفت للإبداع" Microsoft Imagine Cup في سياتل في الولايات المتّحدة، عن اختراعهما "نايل بوليش ميكسر" Nail Polish Mixer، الذي عملوا عليه بالتعاون مع جامعتهما وبنك البحرين للتنمية.

وبالرغم من تقديمه لبعض خدمات الدعم، فإنّ موقع "يوتراك" يبلي حسناً، بحسب ما يقول محمود لـ"ومضة". فموقعه الذي يقدّم نقلاً مباشراً للأحداث عبر العالم، يشهد نحو 120 ألف مشاهد لكلّ حدث. وبعدما أصبحت "تنمو" هذا العام مستثمراً في شركته الناشئة، يقول محمود إنّ "لدينا خطّة توسّعٍ لعام 2015، بحيث سنفتتح فرعين جديدَين في الإمارات العربية المتحدة والسعودية."

وبنظرةٍ إلى المستقبل، يرى طريف أنّ البحرين تحتاج لتغييراتٍ في التعامل مع الشركات الناشئة. وبالرغم من أنّ الموارد الحالية "مفيدة" كما يراها الآن، فهو يؤكّد "الحاجة لأن يكون في البلاد بيئةٌ حاضنةٌ للأعمال تتعامل معنا على أنّنا شركاتٌ ناشئة، لأنّنا اليوم نُعامَل على أنّنا شركاتٌ قائمة وهذا ليس مفيداً أبداً." وختاماً، يقول طريف "أودّ أن أرى الحكومة والقطاع الخاص يقومان بالمزيد."

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة