ما هي حقيقة البيئة الحاضنة لريادة الأعمال؟‎

اقرأ بهذه اللغة

سبق ونُشر على "هارفرد بيزنس ريفيو" Harvard Business Review

في وقتٍ أصبح تعزيز ريادة الأعمال عنصراً أساسيّاً في تنمية اقتصاد المدن والبلدان حول العالم، تُعتَمَد تسمية "البيئة الحاضنة لريادة الأعمال" كإسمٍ لهذه العملية على أنّها استراتيجيّةٌ لتنمية الاقتصاد. يجب ألّا يكون ذلك مفاجئاً، لأنّه عندما تنتشر أيّة فكرةٍ مبتكِرة تنتشر معها المفاهيم الخاطئة والأساطير.

فيما يلي نعرض اختباراً للصواب والخطأ، يصلح ليكون تدقيقاً في واقعيّة البيئات الحاضنة لريادة الأعمال والتواصل بين ريادة الأعمال والنموّ بشكلٍ عام. ومن المهمّ الحصول على هذا الحقّ، لأنّ ظهور ريادة الأعمال كأولويّةٍ في السياسات العامّة، جاء بالتوازي (واستجابةً) مع خيبة الأمل من السياسة الصناعية المتّبعة والاستراتيجيات العقيمة لـ"تطوير المجمّعات الاقتصادية" Cluster Development، وأيضاً لفشل التركيز المحدود على مجموعةٍ من الظروف في إطار الاقتصاد الكلّي (ما يُسمَّى أيضاً "إجماع واشنطن" Washington Consensus). وإذا أردنا بالتالي أن نُجنّب الحماسة للبيئات الحاضنة لريادة الأعمال الإخفاق أيضاً، فسنحتاج إلى حصر المفهوم بمعناه الحقيقيّ.

يمكنك أن تعرف أنّ البيئة الحاضنة لريادة الأعمال قويّةٌ عندما يكون هناك المزيد والمزيد من الشركات الناشئة.

خطأ. لأنّه لا يوجد أيّ دليلٍ على أنّ زيادة عدد الشركات الناشئة بحدّ ذاته، أو إيجاد شركاتٍ جديدةٍ، يحفّز التنمية الاقتصادية. فهناك بعض الأدلّة التي تشير إلى أنّ الأمر مغاير، أي أنّ النموّ الاقتصاديّ هو ما يحفّز على إيجاد أعمالٍ وشركاتٍ ناشئةٍ جديدة. وهناك سببٌ آخر يدعو للاعتقاد بأنّ عدد الشركات الصغيرة يرتبط سلبياً بصحّة الاقتصاد الوطني، حيث أوردت مؤخّراً منظّمة "كوفمان" Kauffman Foundation أنّ اقتصاد الولايات المتّحدة يتحسّن وعدد الوظائف الجيّدة يزداد، فيما يشهد عدد الشركات الناشئة انخفاضاً. في الواقع، إنّ تشجيع الشركات الناشئة قد تكون سياسةً سيّئة.

تقديم الحوافز المالية (مثلاً الإعفاءات الضريبية للمستثمرين التأسيسيّين) للاستثمارات في المراحل المبكرة والاستثمارات المخاطِرة في روّاد الأعمال، تحفّز بوضوحٍ البيئة الحاضنة لريادة الأعمال.

خطأ. لأنّه في الواقع، وتقريباً في كلّ مكان، لا يوجد إلّا القليل من التقييمات الجيّدة لأثر الاعفاءات الضريبية للمستثمرين التأسيسيين. وفي هذا الإطار، تشير دراسةٌ لواحدةٍ من أقدم هذه المخطّطات، "خطّة الاستثمار للشركات" Enterprise Investment Scheme التي بدأت في إنجلترا عام 1994، إلى أنّها قامت بتحفيز زيادةٍ كبيرةٍ في الاستثمارات الصغيرة (أقلّ من 10 آلاف دولارٍ أميركي) من خلال مستثمرين عديمي الخبرة اعتقدوا أنّهم تلقّوا عوائد أسوأ من البدائل. وفي الواقع، تتواجد معظم استثمارات رأس المال المخاطر في كاليفورنيا ونيويورك وماساتشوستس، بالرغم من عدم وجود حوافز مالية مباشرة فضلاً عن خضوع الأرباح للضريبة بشكلٍ كامل.

خلق فرص العمل ليس الهدف الرئيسيّ لتعزيز البيئية الحاضنة لريادة الأعمال

صحيح. لأنّ لا أحد يملك أو يمثّل بيئةً حاضنةً لريادة الأعمال، حيث لا يمكن أن يكون هناك هدفٌ واحدٌ يعمل على تحفيز جميع الأطراف الفاعلة. فالدافع للعمل على تعزيز ريادة الأعمال، يعتمد تماماً على من هو الطرف الفاعل أو صاحب المصلحة في ذلك؛ بالنسبة للموظّفين العموميين، قد يكون خلق الوظائف والعائدات الضريبية (الصحّة المالية) الأهداف الرئيسية لهم. والمصارف من جهتها، ستعتبر محفظة القروض الأكبر والأكثر ربحيّةً هي ما يصبّ في صالحها. أمّا الجامعات، فقد يكون جيل المعرفة والسمعة والتبرّعات من مصلحتها. وبالنسبة لروّاد الأعمال والمستثمرين، قد يكون خلق الثروة من مصلحتهم أيضاً. وبالنسبة للشركات، فقد يكون الابتكار واقتناء المنتجات واحتكار المواهب وتنمية سلسلة التوريد، هي ما يفيدها. إذاً من أجل أن تكون البيئة الحاضنة لريادة الأعمال مكتفيةً ذاتيّاً، يجب أن يستفيد العديد من أصحاب المصلحة.

من أجل تعزيز البيئة الحاضنة لريادة الأعمال في منطقتك، فمن الضروري إنشاء مساحات العمل المشتركة وحاضنات الأعمال وما شابه ذلك

خطأ. فلا يوجد دليلٌ منهجيٌّ يشير إلى أنّ مساحات العمل المشتركة، تساهم إلى حدٍّ كبيرٍ في المشاريع المتنامية. هناك الكثير من الحكايات عن مشاريع ذات نموٍّ مرتفع في جميع القطاعات كانت قد انطلقت من حاضنات الأعمال، ولكن هناك أيضاً العديد من الأمثلة، ربّما أقلّ وضوحاً، عن مشاريع ناجحةٍ جدّاً لم تستخدم مساحات العمل المشتركة. وفيما يرى بعض روّاد الأعمال أنّ مساحات العمل هذه تقلّل من إبداعهم أو تجعلهم يفقدون تركيزهم، يشعر آخرون أنّ شبكات العلاقات تتيح لهم الحصول على المعلومات والأفكار. ولكنّ هذا النوع من آليات الدعم المعتمدة، سواء كانت تشكّل عوناً أو عائقاً، ما هو إلّا قسماً صغيراً من البيئة الحاضنة لريادة الأعمال. وفي حين أنّها قد تكون مفيدةً، فهي في الوقت نفسه ليست ضرورية.

إذا أردنا بيئةً حاضنةً قويّةً لريادة الأعمال فإنّنا نحتاج لتعليمٍ قويٍّ عن ريادة الأعمال

خطأ. ما يمكن أن يثير الدهشة، أنّه لا يوجد سببٌ للتصديق بأنّ التعليم الرسميّ عن ريادة الأعمال يمكن أن يحقّق الكثير، أو يقود إلى ريادة أعمالٍ أكثر نجاحاً؛ إذ تشير بعض الأدلّة إلى أنّه غير ذي صِلة. أمّا المناطق المعروفة بريادة الأعمال فيها، مثل "روت 128" Route 128 و"وادي السيليكون" Silicon Valley و"أوستن" Austin و"أيسلندا" Iceland وسواها، فهي شهدت بروزاً كبيراً بريادة الأعمال قبل أن تخصّص دروساً عنها. هذه الأخيرة نشأت أوّلاً وقبل كلّ شيء، بسبب القدرة على الوصول إلى العملاء وعلى توظيف المواهب، إضافةً لقدرتها على الوصول إلى رأس المال. وهذا لا يعني أنّ تعليم ريادة الأعمال ليس مفيداً، بقدر ما يشير إلى أنّها ليست من ضمن "المسار الحرج" critical path للبيئة الحاضنة لريادة الأعمال الإقليمية.

روّاد الأعمال هم من يقودون البيئة الحاضنة لريادة الأعمال

خطأ. بالرغم من أنّ هذه المقولة غالباً ما تتكرّر، إلّا أنّه يوجد فرقٌ كبيرٌ بين أن تكون عنصراً مهمّاً بين عدّة عناصر، كما هي حال روّاد الأعمال، وبين أن تكون أنت القائد. فلا يوجد قائدٌ واحدٌ للبيئة الحاضنة لريادة الأعمال، لأنّ هذه الأخيرة من حيث التعريف هي شبكةٌ ديناميكيّةٌ حيويّة قادرةٌ على تنظيم ذاتها من خلال الأطراف الفاعلة على أنواعها. وفي المناطق التي تنشط فيها ريادة الأعمال، يوجد العديد من الأشخاص الذين يملكون العلاقات والأشخاص المؤثّرين الذين يمكن أن لا يكونوا روّاد أعمال. ففي السبعينات والثمانينيات من القرن الماضي، شكّل عددٌ من المصرفيّين والأساتذة عوامل تحفيزٍ حاسمةٍ في بوسطن. أمّا في الأسواق الناشئة، فالمنظّمات غير الحكومية مثل "إنديفور" Endeavor و"ومضة" Wamda تٌعتَبَر عوامل تحفيزٍ رئيسية.

الشركات الكبيرة تسفّه البيئات الحاضنة لريادة الأعمال لأنّها تفترس روّاد الأعمال ومشاريعهم

خطأ. فبالرغم من أنّ العديد من الشركات الكبرى تأخذ إجراءاتٍ مضادّةٍ لروّاد الأعمال الذين ينافسونها في أسواقها، إلّا أنّه ليس ممكناً الحصول على بيئة حاضنةٍ نابضة دون سلسلةٍ واسعةٍ من الأعمال، تماماً مثل "سلسلة النبات والحيوان". وفيما يبدو هذا الأمر حقيقيّاً لعدّة أسباب، نذكر هنا اثنَين منها: (1) الشركات الكبرى هي زبائن ذات أهمّيةٍ بالنسبة لروّاد الأعمال كما أنّها قنواتٌ تسويقيّةٌ لهم. (2) تدفّق المدراء التنفيذيين من الشركات الكبرى وإليها، يغذّي نجاح ريادة الأعمال. إذاً، فريادة الأعمال وروّادها لا يَنشأون قطعاً في فراغ الأعمال.

التحدّيات الثلاثة الأهمّ في كلّ مكانٍ بحسب روّاد الأعمال، هي الوصول إلى المواهب، البيروقراطية المفرطة وندرة رؤوس الأموال للمرحلة المبكرة

صحيح. ولكنّ هذا لا يعني بأنّهم محقّون. ففي كلٍّ من بوسطن وريكيافيك وميلووكي وسانت بطرسبرج وجوهانسبرغ وبوينس آيرس وريو وبوجوتا (الأماكن التي أجريت فيها ورش عمل ودراساتٍ غير رسميّةٍ بشأن هذا السؤال)، كان الحصول على رأس المال وإيجاد المواهب والتغلّب على البيروقراطية، ثلاثةً تحدّياتٍ من تلك التي ينسبها روّاد الأعمال إلى بيئاتهم. وكما كتبتُ سابقاً، يبدو الأمر كأنّه ظاهرةٌ منتشرةٌ تعكس أمراً أساسيّاً يتعلّق بالعملية العامّة لريادة الأعمال، أكثر ممّا يبدو أنّه نقصٌ في البيئة الحاضنة. وعملية ريادة الأعمال هذه، تولّد في جوهرها شعوراً بأنّه من الصعب الحصول على رأس المال المخاطِر، إضافةً إلى النقص في العرض.

لا علاقة للمصارف بالبيئة الحاضنة لريادة الأعمال لأنّها لا تقرض الشركات الناشئة

خطأ. ففيما يبدو أنّ المصارف لا تفعل هذا الأمر، عليها ألّا تقوم بإقراض الشركات الناشئة، لأنّ هذا العمل ليس ما يجب أن تقوم به. وحتّى إذا كانت المصارف لا ترتبط بروّاد الأعمال أو تتفاعل معهم بشكلٍ مباشر، فهي تساعد الأسواق المالية على النضوج وتؤثّر بشكلٍ غير مباشرٍ على سلسلة القيمة الاستثمارية بأكملها. في الواقع، تمكّن المصرفيّون من جمع الكثير من المال عبر الاستثمار في بعض شركات التكنولوجيا في مراحلها المتقدّمة. وهذا الأمر زاد بدوره من ثقة المستثمرين في المرحلة المبكرة، بحيث إذا نمت استثماراتهم، سيجدون رأس المال اللازم لتغذية توسّعها.

الشركات العائلية تقمع المبادرة الريادية من أجل حماية "امتيازاتها"

خطأ. فلقد سمعتُ من أحد المروِّجين لريادة الأعمال المعروفين، أنّه في وقتٍ تتوسّع الشركات العائلية أو تزيد حجم مساهمتها في الأسواق المفتوحة، فهي تبقى شركاتٍ عائليةً، لأنّ القسم الأكبر منها يحقّق نموّه من خلال العلاقات الخاصّة والحماية. ومع ذلك، فلقد أثبتت التجربة حتّى في الاقتصادات الأكثر تقدّماً (مثل الدنمارك)، أنّ الشركات على اختلاف ملكيّتها من الأسرة إلى الجمهور إلى التعاونية، ضروريّةٌ للبيئة الحاضنة لريادة الأعمال كما أنّها تسهّل لها الكثير من الأمور.

كيف كانت نتيجتك؟ إذا حصلتَ على أكثر من 50% من الأجوبة الصحيحة، فأنتَ في شركةٍ استثنائيةٍ جدّاً. أمّا اختبار الواقع في الأعلى، هو مجرّد نقطة بداية. بدورها، استطاعت ريادة الأعمال في الواقع خلقَ العديد من الآثار غير المباشرة الإيجابية اقتصادياً واجتماعياً. وليتمكّن صنّاع القرار والمجتمع المدنيّ وقادة الشركات وروّاد الأعمال أنفسهم من تحديد سياق التنمية الاقتصادية الناجح، عليهم أن يفصلوا الأسطورة عن الواقع وأن يتحرّروا من العديد من المفاهيم الخاطئة. عندها فقط سوف نكون قادرين على تسريع تشكيل البيئات الحاضنة لريادة الأعمال، وهو أمرٌ أهمّ من أن يُترَكَ للصُدَف.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة