قطاع الرعاية الصحّية في الشرق الأوسط ينمو ولكن ببطء‎‎

اقرأ بهذه اللغة

سيتسلّم الموقع العربي للمعلومات الطبّية، "الطبّي" AlTibbi، جائزة "مؤتمر القمّة العالمية" للهواتف المحمولة  WSA-mobile كأفضل تطبيقٍ للمحتوى الطبّي على الهواتف الذكية في شباط القادم. وذلك لا يعني بداية عام جديدٍ موفّقةٍ لهم وحسب، بل سيسلّط الضوءَ على الرعاية الصحّيّة، القطاع الأبرز الذي يخلو تقريباً من الشركات الناشئة في الشرق الأوسط.

وكنّا قد نشرنا في أيلول 2013 مقالةً تتناول كيف يمكن للعالم العربي ولروّاده المهتمّين في قطاع الرعاية الصحّية، وخاصّةً في ظلّ انتشار الهواتف النقّالة بسرعة وتطوّر مجال ريادة الأعمال، أن يستفيدوا من هذا القطاع الذي لم يشهد تطوّراً ملحوظاً بعد. والآن نريد أن نلقي نظرةً على الخطوات المُتَّخذة لسدّ هذه الفجوة، من منصّات المعلومات إلى تطبيقات الخصوبة.

سوقٌ غير مستغلَّةٍ بعد

لا تزال الرعاية الصحية من القطاعات التي يصعب نسبياً على الشركات الناشئة دخولها. وإذا أخذنا بعين الاعتبار مئات الملايين من الناس الذين يسكنون المنطقة ومشاكلهم الصحية المختلفة، نجد أنّ هناك عدداً قليلاً نسبيّاً من الموارد الطبية على الإنترنت باللغة العربية. لكنّ هذا الأمر أخذ بالتغيير، إذ شهد هذا العام مزيداً من الاهتمام أكثر من أيّ وقتٍ مضى من خلال تطبيقاتٍ تفاعلية ٍمخصّصةٍ للمنطقة ومواقع متعلّقة بالطبّ والصحّة باللغة العربية.

بدوره، يُعتَبَر فريق المنصّة الطبّية التي توفّر المقالات والمعلومات، "الطبّي" AlTibbi، كشركةٍ ناشئةٍ تعمل على معالجة هذا النقص في القطاع. "يمكن للمستخدِمين أن يعثروا على كثيرٍ من المعلومات الثابتة على الموقع،" بحسب مؤسِّسه جليل اللبدي. "ولكن ليس تلك المعلومات التي تسمح بالحصول على تجربةٍ شخصيةٍ خاصّةٍ وفوريةٍ وجديرةٍ بالثقة،" كتلك التي يحصل عليها المرء من التفاعل وجهاً لوجه مع الطبيب. و"الطبّي" الذي انطلق عام 2010 كقاموسٍ طبّي على الإنترنت، اكتسب منذ انطلاقته 7 آلاف طبيبٍ من العالم العربي. وإذ يصف اللبدي هذا الموقع بـ"السوق"، فإنّ الأطبّاء الذين يساهمون بتقديم معارفهم فيه عبر كتابة المقالات ومراجعة المحتوى يومياً، يفعلون ذلك من دون أجر. ولكن يمكن للأطبّاء الحصول على أجرٍ فقط من خلال العمل في خدمة "الاستشارة الخاصّة".

من جهةٍ ثانية، يزداد الطلب على مواقع مخصّصة لحجز المواعيد. فمنصّة المواعيد التي انطلقت في نيسان/أبريل 2012 وتتّخذ من مصر مقرّاً لها، "دكتور بريدج" DrBrige، تُعتَبَر مستوحاةً بجزءٍ منها من "أميريكان براكتيس فيوجن" American Practice Fusion. وإدراكاً منه لندرة التطبيقات الطبّية، يرى المؤسِّس الشريك أمير برسوم في "دكتور بريدج" كفرصةٍ في الأسواق الناشئة. ويقول إنّ "الأمر بمثابة بناء بيئةٍ حاضنةٍ رقمية للرعاية الصحّية." ومع نحو 1200 طبيبٍ مسجّلٍ و10 آلاف حجزٍ يتمّ شهرياً، يقول برسوم إنّ المستخدِمين متحمّسين لهذه الخدمة.

وفي حين يعمل "دكتور بريدج" حالياً في مصر فقط، يبدو برسوم واثقاً من أنّ هذه المنصّة يمكن أن تتوسّع نحو جنوب أفريقيا والمغرب ودول المشرق العربي والسعودية. ويشرح أنّ "هذه الأمكنة مناسبةٌ لنموذج أعمالنا الذي يمكن أن يُزهر ويعزّز عملية تقديم الرعاية الصحّية، من حيث الجودة وسهولة الوصول والكلفة." ولكن بالرغم من هذه النظرة إلى الأمام، لم يعلن الفريق على نحوٍ صريح عن السوق التي ينوي استهدافها لاحقاً.

إنّ قطاع الرعاية الصحّية عبر الهاتف الجوّال ليس ناضجاً بعد في المنطقة، وهذا الأمر يشكّل فرصةً مهمّةً للشركات مثل "الطبّي" ودكتور بريدج". ولكن يبدو أنّها لا تخلو من التحدّيات، خاصّةً في ظلّ الشراكة مع الحكومات المحافظة المعروفة في المنطقة. من ناحيتها، تواجه الشركة الناشئة الفلسطينية التي تعمل منذ عام 2011 "موبي ستاين" MobiStine، تحدّياتٍ تشريعيةٍ معيّنةٍ ترتبط بمسألة العمل في فلسطين. ويقول المؤسِّس حسني أبو سمرة في اتّصالٍ مع "ومضة"، "إنّ السُلطات وصنّاع القرار يقومون بالأمر ببطء. نحن بحاجةٍ إلى هيئةٍ لمساعدتنا في التواصل والتأثير، ومن ثمّ اعتماد القرارات." ويشير أبو سمرة إلى أنّ فريقه يواجه صعوباتٍ جمّة في التواصل مع المؤسَّسات الحكومية في البلدان العربية، إذ من المستحيل إحداث تغييرٍ ما إذا لم يكن المرء يعرف أحداً من الداخل.

وتطبيقات "موبي ستاين" التي صُمّمت مع عائلاتٍ لم تعد تعيش على مقربةٍ من بعضها البعض، تغطّي مجالاتٍ مختلفةٍ من مراقبة ضغط الدمّ مروراً بالتبوّل في الفراش وصولاً إلى الحمل. والتطبيق الأحدث منها الذي لم يُطلَق بعد، يحمل اسم "جرافي لوج" GraviLog، يساعد النساء الحوال على الوصول إلى سجلّاتهنّ الطبّية. كما يأتي "جرافي لوج" مع خدمة استرجاع الطوارئ الطبّية EMR، نظام سجلّاتٍ عبر الإنترنت للأطبّاء يمكن استخدامها على الحواسيب والهواتف الذكية.

"يمكن [للخدمات الصحّية عبر الإنترنت] أن تكون أداةً ثمينةً بالنسبة للمرضى الذين يسكنون في مكانٍ بعيدٍ عن عيادات الأطبّاء،" بحسب ما تؤكّد مؤسِّسة "دابادوك" DabaDoc، المغربية زينب دريسي. وهذه الخدمة التي انطلقت عبر الإنترنت منذ عام 2013، هي محرّك بحثٍ متعدّد اللغات عن أطبّاء الصحّة العامّة والأسنان والعيون في مختلف مدن وقرى المغرب. وتوفّر هذه الخدمة للمستخدِمين لمحاتٍ عن الأطبّاء، وكذلك القدرة على حجز المواعيد عبر الإنترنت. وهذا ما يشكّل أمراً مفيداً في بلدٍ يصعب فيه العثور على الطبيب المناسب في منطقة واحدة، بحسب يعقوب.

تقول دريسي إنّ المجال الطبّي "منظّمٌ للغاية، وبالتالي فهو يشكّل تحدّياً لأنّه ليس سهلاً كغيره من المجالات بالنسبة للشركات الناشئة. ولكنّه من جهةٍ أخرى، يوفّر فرصةً استثنائية بسبب حجم السوق ومدى أهمّية القطاع بالنسبة للمجتمع."

التعريف بالخدمة

بغضّ النظر عن الإمكانيات، يعتبر أبو سمرة أنّ العقبة الأكبر التي تقف في وجه الشركات الناشئة المماثلة لشركته تكمن في عدم المعرفة بوجودها. وفي حين يُستعمَل نظام "موبيستاين" لاسترجاع الطوارئ الطبّية EMR في مستشفياتٍ مختلفة من الإمارات العربية المتّحدة وفلسطين، يقول أبو سمرة إنّ عدم اهتمام الصحافة المحلّية إعلامياً يؤدّي بالتالي إلى وجود نقصٍ في المعرفة بوجود الشركة.

وبالنسبة إلى اللبدي مؤسِّس "الطبّي"، فإنّ الوعي الصحّي الشامل يتطلّب مزيداً من الاهتمام من الجهات المعنية. ويقول إنّ "ّذلك يتّضح من خلال آلاف الاستفسارات التي نتلقّاها شهرياً من مستخدِمينا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا،" مناقضاً بذلك ما يُشاع عن النقص العام في المعرفة الأساسية بأفضل ممارسات الرعاية الصحّية. ويعتقد اللبدي أنّ حملات التوعية تحتاج للذهاب أبعد من لوحات الإعلانات، وتتحرّك نحو الأساليب التشاركية مثل التعليم.

من جهته، لا يزال الشرق الأوسط يشهد محرّماتٍ حول مختلف المواضيع الصحّية، من بينها تحفّظ الرجال عن مناقشة المسائل المتعلّقة بصحّتهم. وبالنسبة لمستخدِمي "الطبّي"، يقول اللبدي إنّ النساء يشكّلن أغلبيّتهم. ولكن في العام الماضي تحوّلت هذه النسب، إذ انخفضت الأغلبية من النساء من 84% إلى 65%.

ويتابع اللبدي قائلاً، "إنّ النساء والرجال يشعرون بالحرج على حدٍّ سواء، خاصّةً إذا ما تعلّق الأمر بالصحّة الجنسية. ولكنّ أعداد الرجال الذين يستفسرون ويطرحون الأسئلة [ثابتةٌ ومتنامية]." ولكن فيما يخشى بعض المستخدِمين من أن يرى أطبّاؤهم ما يطرحونه من أسئلةٍ على "الطبّي"، يشير اللبدي إلى أنّ الآخرين "لا يهتمّون بمن يراها،" ويطرحون المواضيع الشخصية جدّاً على الصفحة الشعبية للموقع على "فايسبوك".

الاستثمار في الشركات الناشئة الطبّية

قبل الحصول على تمويلٍ من رأس مالٍ مُخاطر أوروبيّ، اعتمد فريق "موبيستاين" على العائلة والأصدقاء والمجانين لتمويل نشاطاته. وهذا الأمر غير مفاجئ، لأنّ النقص في الوعي حول قطاع الرعاية الصحّية المزدهر يمتدّ إلى المستثمرين الإقليميين وكذلك المستخدِمين المحلّيين، ما يسبّب من دون شكٍّ إلى الحيرة والتردّد.

ولكنّ الإمكانات الهائلة لقطاع الصحّة عبر الهواتف لم تغب حتّى عن الأقلّ دهاءً، خاصّةً أنّه من المتوقَّع ان يصل حجم هذا القطاع عالمياً إلى نحو 23 مليار دولارٍ أميركيٍّ.

وهكذا فإنّ "داش فينتشرز" DASH Ventures التي كانت واحدةً من المستثمِرين في الجولة التمويلية الأخيرة لموقع "الطبّي"، يبدو أنّها كانت تبحث عن بعض الوقت للاستثمار في قطاع الرعاية الصحّية. فهي كانت مجرّد مسألة وقتٍ بالنسبة لصندوق التمويل هذا الذي يتبع لأكبر شركةٍ للأدوية في المنطقة، "حكمة فارماسيتيكالز" Hikma Pharmaceuticals [مؤسِّسو ‘داش‘ كانوا جزءاً من الفريق المؤسِّس في شركة ‘نحكمة‘].

ولدى سؤاله لماذا انتظروا حتّى الآن كي يستثمروا في قطاع الرعاية الصحّية في المنطقة، يشير المدير العام في "داش"، عمر صاتي، إلى بعض المشاكل التي وجدها في الشركات الناشئة الأخرى للرعاية الصحّية التي كان له يدٌ فيها كمستثمر. ويقول أوّلاً إنّ عدم التركيز على خدمةٍ واحدةٍ هو مشكلةٌ كبيرة. فمن الشائع لدى الشركات الناشئة أن تفكّر فوراً بجني المال بعد الحصول على مصادر مختلفة للدخل، وبعد ذلك تراها تتحوّل فجأةً إلى موقعٍ للتجارة الإلكترونية وسوقٍ ومكانٍ للاقتصاد التشاركيّ في وقتٍ واحد.

بالإضافة إلى ذلك، فالتجربة في هذا المجال تعود بالمنفعة أيضاً. ويقول صاتي ناصحاً، "إنّ الرعاية الصحّية عبر الهواتف الجوّالة هي مجالٌ عاموديّ، لذلك تحتاج لأن تملك الخبرة فيه. فوالد جليل [اللبدي مؤسِّس ‘الطبّي‘] كان طبيباً أيضاً،" ممّا ساعده بالنسبة للاطّلاع على المجال والخبرة فيه. ويكمل صاتي أنّه إذا لم تمتلك الخبرة، "على الشركات الناشئة أن تمتلك قدرةً للوصول إلى شبكة علاقاتٍ على الأقلّ."

ثمّ أضاف أنّه "في نهاية المطاف، إذا كنتَ تسعى لحلّ مشكلةٍ ما، فأنتَ تحتاج لفهم هذه المشكلة."



من جهتهم، يتّفق كلٌّ من مؤسِّسي "موبيستاين" و"دوبادوك" على أنّ الجهات الحكومية في المنطقة، تبدي عدم الاهتمام أو تعاني من عدم القدرة على التصرّف. وتقول دريسي من "دوبادوك"، "إنّني أؤمن فعلاً بأنّ كلّ ما يتعلّق بالشركات الناشئة يجب أن يُشغَّل ويُدار من قبل أشخاصٍ يفكّرون بالطريقة نفسها. ولكن للأسف، فالبيروقراطية المتجذّرة في الجهات الحكومية غالباً ما تشكّل عائقاً، ممّا يجعل هذا الأمر بغاية الصعوبة سواء في المغرب أو في أيّ بلدٍ آخر."

وتكمل مضيفةً أنّ "التمويل وحده في معظم الحالات لا يكون فعّالاً بالدرجة نفسها عندما يترافق مع التوجيه والإرشاد."

ومن جهته، يقول أبو سمرة إنّ عدم معرفة أحدٍ في الحكومة يشكّل عائقاً حقيقياً؛ "إنّنا نقوم بشيءٍ من أجل الوطن وصحّة الناس. ولكن لا يمكننا الوصول إليهم. أودّ فعلاً الحصول على مساعدةٍ من أحدهم!"

وكنتيجةٍ للجولة التمويلية الناجحة التي قام بها "الطبّي"، سيعمل الفريق في مرحلةٍ ما من عام 2015 على إطلاق قسمٍ للأسئلة والأجوبة باللغة الإنجليزية. كما حصلت هذه الشركة الناشئة على استفساراتٍ من إيران وتركيا، ما قد يؤدّي لاحقاً إلى عمليات توسّعٍ جدّيّ.

إذاً فالقطاع بالنسبة للقسم الأكبر منه يتطلّع إلى الأمام. وفي وقتٍ تحرص الشركات على الدخول إليه ويأمل المستثمرون بالحصول على مشروعهم الطبّي المقبل، ينبغي القيام ببعض الخطوات مثل زيادة اهتمام الحكومة وإبعاد المحرّمات الصحّية، حتّى لو ترافق ذلك مع قلّة درايةٍ بالسوق. وإذا تحقّقت هذه الخطوات، سيجد العرب أنفسهم قريباً وسط فائضٍ من الإمكانات التي يقدّمها قطاع الرعاية الصحّية عبر الهاتف الجوّال.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة