هل يفيدُ الكذبُ روّادَ الأعمال؟

اقرأ بهذه اللغة

نُشرَت سابقاً على "هارفارد بيزنس ريفيو" Harvard Business REview

قال لي مدير صندوقٍ لرأس المال المُخاطِر أعرفه منذ سنوات، إنّه إذا لم يعرف الشخص كيف يحرّف الحقيقة من وقتٍ لآخر، فلن يستطيع أن يصبح رائد أعمال.

ضمن العديد من النقاشات التي خضتُها مع روّاد الأعمال عن الكذب، كان الجميع ضدّ هذه الآفة نظرياً. ولكن في الحقيقة، فإنّ الممارسة تقترب منها إلى حدٍّ ما. كما أنّ كلمة "كذب" لم تُعجب البعض، ففضّلوا تسميتها "تضخيم الحقيقة"، أو حتّى "تسويق". ولكن يبدو واضحاً أنّ العديد من روّاد الأعال يشعرون بأنّ عليهم تجميل الحقيقة أو تحريفها، أو قد يختلقون بصراحةٍ بعض "الوقائع" الودّية لمساعدتهم على تسهيل الطريق أمام أعمالهم.

هل يمكن التغاضي عن تحريف الحقيقة الذي يقوم به روّاد الأعمال؟ هل قول الحقيقة بدقّة هو ترفٌ لا تقدر عليه الشركات الناشئة؟ فإذا كان الأمر كذلك، هل يجب أن نعلّم روّاد الأعمال متى وكيف يكذبون، أو أن نعامل الشركات الناشئة بالمعايير نفسها التي تُعامَل بها الشركات العامّة الناضجة؟

عملتُ قبل بضع سنين مع رائد أعمالٍ في وقتٍ كان يحصل فيه على استثماره الأوّل من رأس مال مُخاطِر بقيمة 10 ملايين دولارٍ أميركيٍّ Series A، والذي من دونه لم يكن ممكناً لشركته أن تُكمِل. وأحد العناصر الأساسية في هذا العرض الاستثماريّ، كان علاقةً استراتيجيةً للشركة مع زبونٍ متعدّد الجنسيات. ولكن في اليوم الذي يسبق وضع اللمسات الأخيرة على الصفقة، أعلن الزبون أنّه يريد الانسحاب.
نصحتُ صديقي بأن يُعلِم المستثمرين بالأمر، ولكنّه اختار إعلامهم بعد الاجتماع الإداريّ الأوّل، أي بعدما يصبح المال في حساب الشركة المصرفيّ. لم أعرف كيف أَخبَرَهم بذلك، ولكن لم يكن هناك أيّ تداعياتٍ سلبيةٍ واضحة. هل كنتُ ساذجاً إلى هذا الحدّ؟ إذ لم أفهم ما قاله صديقي، "كنتُ سأخسر الشركة لو أثرتُ ضجيجاً حول الزبون الذي فقدتُه." واليوم يحصل هذا المشروع على عائداتٍ قوية وبات مشروعاً من الدرجة الأولى، وهو مرشّحٌ بقوّةٍ للاكتتاب العام أو الاستحواذ. هل كان مقبولاً أن يكذب رائد الأعمال هذا لكي ينقذ مشروعه؟

وفي تجربةٍ أخرى مع رائد أعمالٍ سبق لي العمل معه، رأيتُ كيف عمد فريقه التسويقيّ إلى طباعة منشوراتٍ عن منتَجاتٍ جديدة باستخدام لغةٍ تشير إلى أنّ هذه المنتَجات قد تمّ تركيبها واختبارها ميدانياً، في حين أنّها كانت لا تزال قيد التطوير. تفهّم العملاء من الشركات الكبرى الأميركية الأمر، ولكنّ العملاء اليابانيين أصابهم الذعر بعد اكتشاف أنّ مواصفات المنتَج كانت افتراضيةً، ممّا أدّى إلى أزمةٍ في الثقة. ولكن في نهاية المطاف، ذهبت الشركة إلى بورصة "ناسداك" NASDAQ. هل الكذب والطريقة التي نكذب فيها يعتمدان على الثقافة التي نعمل فيها؟

يقوم الكثير من روّاد الأعمال عن سابق علمٍ بتضخيم توقّعاتهم، لأنّهم يعتبرون أنّ المستثمرين سيعمدون إلى "قصّ" نصف هذه التوقّعات تقريباً، ممّا يجعل الروّاد متأكّدين من أنهم سيُعاقَبون إذا لم "يلعبوا هذه اللعبة". وفي السياق، أخبرني رائد أعمالٍ طليعيٌّ وناجحٌ (شركته ضمن لائحة الاكتتاب العام لدى "ناسداك") أنّ مبيعاته الفعلية كانت أقلّ من توقّعاته الأوّلية بمُعاملٍ يقارب 50. وممّا قاله، "لم يكن لدينا فكرة: هذا السوق كان جديداً كلّياً، لذلك وضعنا الأرقام التي يحبّ المستثمر أن يراها." هل يكون تضخيم الحقيقة مباحاً إذا كان الطرف الثاني يتوقّعه؟

أعرف رائد أعمالٍ من مؤسّسةٍ اجتماعيةٍ ربحيّةٍ في أفريقيا، اعتمد سياسة "لا تسأل ولا تقُل" Don’t ask, don’t tell. وهو لا يُعطي الرشاوي بنفسه، ولكنّه يقول إنّه "بهذه الطريقة يمكن حلّ الكثير من المشاكل في الوقت عينه؛ لا أحبّ ذلك، ولكن هذه هي الطريقة التي تعمل بها بعض الدول هنا." وينظّم صديقي الأسعار للموزّعين بحيث يصبح لديهم هامشٌ واسعٌ يمكّنهم من دفع "الإكراميات" عند الحاجة. إنّ سياسة "لا تسأل ولا تقُل" كانت سياسةً عسكريةً على مدى سنوات: هل هي مناسبةٌ للشركات الناشئة؟

وفي غضون ذلك، عندما أطلقتُ مع شريكيَّ الإثنَين شركتنا "تراينجل تكنولوجييز" Traingle Technologies عام 1990، قمنا بتضخيم الحقيقة حول عدد المشاريع التي أنجزناها فعلياً وحول نجاحها. وعلى مرّ السنين، نجحنا فعلياً في مشاريع تكفي لأن نتوقّف عن الكذب. كان ذلك مصدر ارتياحٍ كبير. فبينما كان مغرياً أن نبقي دعايتنا التسويقية غير واقعيةٍ، بتنا نشعر تدريجياً بأنّه يمكننا تحمّل أن نكون صارمين جدّاً تجاه الحقيقة. هل الكذب مقبولٌ إذا التزمتَ التوقّف عنه عندما تستطيع؟

لا أمتلك الأجوبة الصحيحة، ولكنّني أعرف أن الكذب في ريادة الأعمال (سواء أسميناه تسويقاً أو عملاً على زيادة رأس المال أو تفاوضاً أو بيعاً للرؤية) منتشرٌ أكثر مّما نرغب في الاعتراف به. وحتّى الآن، لم أرَ بعد مناقشاتٍ جادّةً حول هذا الشأن لا في الأوساط الأكاديمية ولا حتّى في العالم الحقيقيّ.

لذلك دعونا نبدأ من هنا: ما رأيكم؟

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة