مؤسِّس ‘تنمو‘ البحرينية: من شركةٍ ناشئةٍ فاشلة إلى شركة استثمارٍ ناجحة

اقرأ بهذه اللغة

عندما كان "نيتفليكس" Netflix يقدّم عام 2009 مجموعةً متنوّعةً من 100 ألف عنوانٍ لأفلامٍ على أقراص دي في دي DVD وتجاوز 10 ملايين مشترك، كان حسن حيدر يعمل مع مجموعته المؤلّفة من 6 آلاف عنوانٍ وبقائمةٍ تضمّ 700 مشتركٍ في خدمات شركته الناشئة "فيلم2جو" Film2go. واليوم تُقَدَّر قيمة "نيتفليكس" بحوالي 27 مليار دولارٍ أميركيّ، بينما "فيلم2جو" لم تعُد موجودةً أصلاً.

من هنا بدأت قصّة شبكة الاستثمار التأسيسيّ الأولى في البحرين.

حيدر الذي اعتقد في بداية الأمر أنّه يحتاج فقط إلى المال، يقول "لم أدرك أنّ الإرشاد كان أمراً مهمّاً للغاية." وبعدما تمّ رفضه من قبل عدّة شركاتٍ لرأس المال المخاطر في المنطقة، لجأ أخيراً إلى سامي جلال، رجل الأعمال البحرينيّ من عائلةٍ بارزة. وفي وقتٍ لم يبدِ هذا الأخير اهتماماً للاستثمار في الشركة الناشئة التابعة لحيدر، قدّم له نموذجاً مختلفاً من المساعدة: النصيحة. "لقد قال إنّنا نجني ما يكفي من المال ولسنا بحاجةٍ للمزيد" من شركات رأس المال المُخاطِر، كما يقول حيدر. ويضيف أن جلال لفت نظره إلى ضرورة الانتباه لنَفَقات الشركة الناشئة، التي استطاعت بعد عدّة دقائق خفضَ إنفاقها بنسبة 80%.


حسن حيدر وسامي جلال.

يقول حيدر إنّ "سامي ركّز على نقطةٍ أنّه لو كنتُ في الولايات المتّحدة الأميركية، لما كان الحصول على الاستثمار بالأمر الصعب." ولكن في الواقع، بدا في ذلك الوقت أنّ الحصول على الاستثمار فضلاً عن النصح والإرشاد في الشركات الناشئة، كمفهومٍ غريبٍ إلى حدٍّ كبير. وحيدر نفسه قال في ثلاث مناسباتٍ إنّ "أشخاصاً من أسَر بحرينيةً كبيرة" كانوا في طريقهم للاستثمار، ولكن عندما وصلنا إلى التوقيع على اللمسات النهائية للصفقة فإنّهم اختفوا.

مع مرور الوقت وفي عام 2009، كانت "نيتفليكس" تبلغ 5 ملايين دولارٍ فيما كانت "فيلم2جو" بالكاد تغطّي نفقاتها، وحلم حيدر بتوسعة المشروع لم يكن يتحقّق. ولكن بعد إدراكه أنّه يجب على الشركات الناشئة أن لا تقع في الأخطاء نفسها التي وقع فيها مع "فيلم2جو"، بدأ حيدر مع جلال بتطوير نموذج عملٍ لمشروعهما الجديد، "تنمو" Tenmou.

بناء "تنمو"

تأثّر حيدر ومعه جلال، رجل الأعمال ذو الخبرة الذي يتحدّر من عائلة أعمالٍ معروفةٍ، بنشاطات حاضنة الأعمال "تيكستارز" TechStars وبعمل بول جراهام الذي عمل على تنمية الشركات الناشئة عبر نموذجه "واي كومبينايتور" Y Combinator. ويقول حيدر عن هذا الأمر، إنّ "هؤلاء كان لهم يدٌ في النهج الذي يتّبعونه مقارنةً مع الكثير من المستثمرين التأسيسيين، وهذا ما كنّا نحتاجه في المنطقة."

الحصول على مشاركة أشخاصٍ في هذا المشروع كان هذه المرّة بمثابة تحسّنٍ كبير، وحصل في غضون فترةٍ قصيرةٍ من الزمن. لقد حصلوا على دعمٍ من بنك البحرين للتنمية الذي قال إنّه سيعاونهم في 20% من أيّ استثمارٍ يقومون به، ولكنّه لن يتدخّل في العمليات وسيتمّ التعامل معهم على أنّهم منشأةٌ من القطاع الخاصّ.

لجأ حيدر وشريكاه مرّةً أخرى إلى العائلات البحرينية التي تتشكّل منها البيئة الحاضنة للأعمال في البحرين ويصل عددها إلى 50 عائلة، وذلك لطلب نحو 50 ألف دينار بحرينيٍّ (132 ألف دولارٍ أميركيٍّ تقريباً) من كلٍّ منها. ويقول إنّه وفريقه حصلوا على 14 وعداً بالاستثمار، من أشخاصٍ أبدوا حرصهم على دعم البيئة الحاضنة لريادة الأعمال بدلاً من جني المال وحسب. وهكذا تمكّنوا من جمع تمويلٍ أوّليٍّ بقيمة مليون دينارٍ بحرينيّ (نحو مليونين و650 ألف دولار أميركي).

رياح التغيير

لقد تغيّر الكثير منذ عام 2011، حيث عملوا على تغيير برنامج مسرّعة الأعمال الخاصّة بهم إلى مبادرةٍ تركّز بشكلٍ بحتٍ على الإرشاد. وعن هذا الأمر يقول حيدر، "لم نكن نقوم بعملية التسريع كما هو مطلوب، ولذلك انتقلنا للتركيز على الإرشاد." وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ حيدر الذي تزوّج وأصبح لديه طفلٌ، عمل جاهداً على جعل "الاستثمار التأسيسيّ" مفهوماً عامّاً في مجتمع ريادة الأعمال. ويقول إنّه "سعيدٌ جدّاً لأنّ ‘الاستثمار التأسيسيّ كخيارٍ‘، بات من الكلمات العامّة والمألوفة."

وفي حين شهد الكثيرون في عالم ريادة الأعمال أنّ الفشل أمرٌ شائع، إلّا أنّه لا يزال من المحرّمات في منطقة الشرق الأوسط. وبالنسبة إلى حيدر، فهو يقول إنّه تعلّم الكثير، الأمر الذي ساعده في تقديم نصائح واقعيةٍ وعمليةٍ للآخرين، "فهو أمرٌ يصعب التعامل معه ولكنّني دائماً ما أتحدّث عن فشلي وعن خبراتي." إنّه أمرٌ يدخل ضمن عملية الاستثمار، "حيث خطّطنا دائماً على أساس أنّ 50% من الشركات ستلقى الفشل،" وفقاً لحيدر. ويضيف هذا الرائد، "أنّك كمستثمرٍ تأسيسيٍّ يجب أن تملك نهجاً واضحاً لمحفظتك الاستثمارية، إذ لا يمكنك الاستثمار في مشروعٍ أو اثنَين وتأمل بنجاح الكلّ."

بالنسبة إلى حيدر، فإنّ إنفاق مليون دولارٍ أميركيّ على استثمارٍ واحدٍ ليس جيّداً بقدر تخصيص 100 ألف دولارٍ والرهان على نجاحها في 10 استثماراتٍ مختلفة، ويقول "إنّ الأمر يتعلّق بما هو محتمل." ويضيف أنّه "حتّى بعض الأفكار أو روّاد الأعمال الذين نعتقد أنّهم سينجحون، قد لا يكونون موفّقين بعدما نعمد إلى الاستثمار فيهم. إذاً لا يتعلّق الأمر بالدراسات الإعدادية التي نقوم بها في مراحل الأفكار، فقد لا يسير الأمر على ما يرام دائماً. فالأمور تتغيّر بسرعة، وفي بعض الأوقات قد يفشل الأفضل."

من بين الشركات الثماني عشرة التي استثمرت فيها "تنمو"، لاقت خمسةٌ منها فشلاً ذريعاً، في وقتٍ حقّقت ثلاثةٌ منها "نجاحاً باهراً." ولكن حتّى لو فشلَت هذه الشركات جميعها، فنموذج العمل ليس كذلك بالتأكيد. فالبنك الدوليّ World Bank وجامعة "بابسبون" Babson College، اعتمدا "تنمو" كمثالٍ عن كيفية تطوير جماعات الاستثمار التأسيسيّ في الأسواق الناشئة. 

المضيّ قدُماً

تمكنّت كلٌّ من "إيت آب" eatapp.co و"يوتراك" utrack.tv من إنشاء فروعٍ لهما من تلقاء نفسَيهما، بعد العبور عبر أبواب "تنمو". فالأولى كانت الشركة الأولى من محفظة "تنمو" الاستثمارية التي استطاعت أن تجمع المال من حملة تمويلٍ خارجية، والثانية تتواجد حالياً ضمن برنامج "500ستارتبس" 500Startups في وادي السيلكون (الشركة الناشئة الأولى من دول مجلس التعاون الخليجيّ التي تدخل هذا البرنامج).

تعلّم حيدر أنّ إطلاق عملٍ يحتاج إلى ما هو أكثر من مجرّد التمويل، فهو يحتاج حقاً إلى التوجيه والإرشاد والرعاية. وبعدما يقول إنّه في كثيرٍ من الأحيان يشعر وكأنّه طبيبٌ نفسيّ، يضيف أنّه "علينا أن ندعمهم، فهذه الشركات الناشئة يحرّكها الشغف والروح المعنوية والعزم." ويتابع قائلاً إنّه "إذا خسروا كلّ ذلك وبدأوا بالشكّ في أنفسهم، عندها يبدأ أداء الشركة بالانخفاض، وهذا ما شهدناه مراراً وتكراراً."

من جهةٍ ثانية، فإنّ "فيلم2جو" التي بالرغم من وصولها للاكتفاء الذاتيّ والاستقرار، أغلقت نهائياً عام 2011، وذلك بعدما وصلت إلى 50 مستخدِمٍ نشطٍ فقط [سابقاً في 2009 بلغوا أكثر من 250 مستخدِمٍ نشط]. هل شعر بالحزن عندما أنهاها؟ "نعم، لقد كانت مشروعاً يعبّر عن شغفي، ولا زلتُ أؤمن بالفرصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ما زلتُ أفعل ذلك."

في الوقت الحاضر، يجد حيدر نفسه ككشّاف مواهب للمستثمِرين في الخارج.

فهو بالإضافة للدور الذي يقوم به في "تنمو"، يشغل الآن منصب شريكٍ في المشاريع Venture Partner في "500ستارتبس"500Startups، حاضنة الأعمال التي تتّخذ من وادي السيلكون مقرّاً لها. وكونه الشخص الوحيد الذي يعمل مع هذه الحاضنة، قال لـ"ومضة" إنّهم يريدون الاستثمار في 10 إلى 20 شركةً في السنة. ومنذ أن انضمّ إليها في تشرين الأوّل/أكتوبر 2014، وصلوا إلى خمسة شركات.

شارك لتربح

ماذا عن الاستثمار الشخصيّ؟ يجيب حيدر قائلاً إنّه خسر كلّ ماله الشخصيّ جرّاء مشروعه "فيلم2جو" الذي لم يحقّق نجاحاً فيما سبق. فيبدو أنّ هذا كان مشروعه الأوّل، وحتّى الآن يبدو أنّه سيكون الأخير.

بالطبع لم يُصَب حيدر بخيبة أملٍ تماماً بالنسبة للقيام باستثماراتٍ ما على حدّ قوله، على الرغم من خسارة ماله الخاصّ كلّه على شركته الناشئة. وهو مؤخّراً، يأمل أن يستثمر في شيءٍ يتعلّق بـ"تنمو". ولدى سؤاله عمّا تعلّمه وما يمكن أن يشاركنا فيه، أجاب أنّ "الأمر يتعلّق بالإيمان بالشركات الناشئة." وأضاف أنّه "إذا أردتَ أن تكون مستثمراً تأسيسياً أو صاحب رأس مال مخاطِر، عليك أن تجازف."

هذا المصرفيّ السابق الذي وُلد ونشأ في البحرين، يعرب خلال اتّصالنا معه عن إصابته بالإرهاق، ولكنّه لا يريد إنهاء المكالمة دون إضافة بعض الكلمات التي يمكن أن يستفيد منها أولئك الذي يهتمّون بمجال الاستثمار:

"أكتب شيكاتٍ صغيرة، نوّع محفظة الاستثمار الخاصّة بك، وقم بالاستثمار. فإذا لم تستثمِرْ لن تجني المال."

هذه النصيحة ليست سيئةً من رجلٍ لم يصِلْ حتّى الآن إلى عمر الثلاثين، وهو الذي قال لزوجته مؤخّراً إنّه يشعر بأنّه لم يحقق الكثير... فكان ردّها أن قالت له: "هل فقدتَ عقلك؟" ويبدو أنّ حيدر الذي يذكر أنّه تعبٌ جرّاء السفر لمسافاتٍ وأوقاتٍ طويلة، يحتاج للراحة والهدوء.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة