11 عاماً من الصعوبات والنجاحات سبقت استحواذ ‘روكيت إنترنت‘ على ‘طلبات‘‎‎

اقرأ بهذه اللغة

talabat kuwait abdulaziz alloughani

سبق ونُشرت هذه المقالة على "لينكد إن" Linkedin.

عنما لمح عبد العزيز اللوغاني، رائد العمال الكويتيّ الذي يبلغ من العمر 33 عاماً، فرصةً سانحةً في شركة توصيل الطعام المحلّية "طلبات" Talabat، لم يؤمن به أحدٌ. في ذلك الوقت، لم يكن يستخدم الإنترنت من بين الكويتيين الذي يبلغ عددهم أكثر من 600 ألف نسمة، سوى 23% فقط. والشركات الناشئة التي أُطلِقَت، بما فيها شركته الخاصّة، شهدت بداياتٍ صعبةً للغاية. وخلال عمله في شركةٍ للأسهم الخاصّة في ذلك الوقت، لم يتمّ قبول تصوّره الذي كان لديه عن الفرص الضخمة في رأس المال المخاطِر الذي يُستخدَم في مجال التقنيات.

ويمكن لروّاد الأعمال في الشرق الأوسط أن يشكروه على إرادته الصلبة، كونه عمل على شراء وتوسعة الشركة في أيّامها الأولى. وذلك لأنّ عملية الاستحواذ التي قامت بها "روكيت إنترنت" Rocket Internet على "طلبات" بمبلغٍ يناهز 170 مليون دولارٍ أميركيّ، التي تُعتبَر بمثابة الشراء الأكبر لشركة إنترنت في الشرق الأوسط لغاية اليوم، عملَت على زرع أملٍ جديدٍ في قطاع الشركات الناشئة التقنية. يمكن أن تكون بعض خصائص "روكيت إنترنت" مسبّبةً للخسارة، ولكن بما أنّ هذا العملاق الألمانيّ عمل على توحيد شركات توصيل الطعام العشرة التي لديه في إطار تكتّل شركاتٍ واحد، وجمع تمويلاً إضافياً بقيمة 650 مليون دولارٍ بهدف التوسّع، فإنّ هذه الصفقة ستضع شركة "طلبات" ومنطقة الشرق الأوسط كدرّةٍ في تاج "روكيت إنترنت".

abdulaziz alloughani

يأمل اللوغاني أن تغيّر هذه الصفقة من الطريقة التي يرى بها الخليجُ ريادةَ الأعمال. فقبل عقدَين من الزمن، عندما كانت شركة "صخر" الكويتية رائدةً في السوق الإقليمية مع "حاسوبٍ لكلّ بيتٍ في العالم العربيّ،" شعر الكويتيون بالفخر بسبب هذه البراعة التكنولوجية، بحسب اللوغاني. ثمّ يضيف أنّ عملية بيع "طلبات" أعادَت إحياء هذا التأثير الذي يمكن أن يتمتّع به المقيمون في هذه البقعة من الأرض."

من جهتها، تقوم الحكومة الكويتية بتقديم المساعدة أيضاً. فاللوغاني الذي يشغل منصب نائب رئيس مجلس الإدارة في صندوق الكويت الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة ذي 7 مليارات دولار، سيعمل حالياً على تمكين روّاد الأعمال ومساعدتهم على إنشاء مشاريعهم وتوسعتها، وذلك من خلال الاستفادة من المشاكل التي واجهتها "طلبات" سابقاً خلال مسيرتها لعشرة أعوام. وبعدما يُطلق الصندوق تسعة برامج هذا العام، يبدو أن بناء شركةٍ ناشئةٍ سيصبح أمراً مألوفاً في الكويت.

في شخص اللوغاني، ستجد الشركات الناشئة قائداً متواضعاً. فهذا الأخير سرعان ما يعترف بفضل فريقه والعوامل الخارجية التي جعلَت من النجاح ممكناً، إذ يشير إلى أنّ نموّ "طلبات" توقّف على معدّلات اختراق الإنترنت والهواتف الذكية في الكويت. ولكن إذا لم يكن اللوغاني مقتنعاً بشركة توصيل الطعام هذه، لما كان للاستحواذ الذي جرى الأسبوع الماضي أن يتمّ.

هذه قصّته الصعبة.

"قلتُ إنّني أفعل هذا الأمر، حتّى لو اضطررتُ للاقتراض كي أشتري هذه الشركة."

بالعودة إلى عام 2005، فإنّ عدداً قليلاً من الشركات الناشئة كان يدخل هذا المجال في الكويت. كانت "كيو8كار" Q8car كسوقٍ لبيع السيارات المستعملة، و"كوتبو9.كوم" Koutbo6.com كموقعٍ إلكترونيّ للألعاب، ومنصّة صيدلانية عبر الإنترنت كان اللوغاني وأصدقاؤه أطلقوها، إضافةً إلى "طلبات" التي أنشأها عددٌ من الطلّاب الكويتيين الذين كانوا يدرسون في مصر.

اتّضح للوغاني أنّ المنصّة الصيدلانية التي أنشأها لم تكن السوق جاهزةً لها بعد، ولكنّه لاحظ أنّ أصدقاءه في "طلبات" "لم يكتشفوا واحداً على عشرة ممّا يمكنهم أن يكونوا عليه،" كما يذكر.

شركة "أطلب" Otlob التي ألهمت في إنشاء "طلبات"، كانت تنمو بخطى ثابتة في القاهرة. أمّا اللوغاني الذي كان يعمل في شركة أسهمٍ خاصّة تسمّى "بيت الاستثمار العالميّ" Global Investment House، قدّر أنّ شركة "طلبات" لا تحيل سوى 1% من عملائها المسجّلين إلى المعاملات. وهكذا، مع استراتيجية النموّ الصحيحة، فإنّ الفرصة أمام "طلبات" وأمام رأس المال المخاطر في الفضاء الرقميّ في الكويت كانت كبيرةً.

جاءه الردّ سريعاً من رئيس اللوغاني في العمل، "لا تضيّع جهودك هباءً."

كما أنّ والده عبّر عن مخاوف مماثلة، فيذكر أنّه عندما أبلغه بوجود فرصةٍ للاستثمار إذا أراد، أجاب والده "بقلق": "في موقعٍ إلكترونيّ؟"

وأخيراً، اقترب اللوغاني من مها الغنيم، رئيسة مجلس إدارة "بيت الاستثمار العالميّ" ومديرته العامّة. ويشرح قائلاً، "كنتُ سعيداً كوني المحلّل الأصغر الذي أوجد ممارساتٍ تتعلّق برأس المال المخاطر."

وعن تلك الأيام يقول اللوغاني، "أذكرها عندما قالَت لي ‘إسمع، أنت ما زلتَ شابّاً وأمامك مستقبلٌ عظيم، كما أنّك عنصرٌ مهمٌّ لشركتنا، لذا يجب أن تركّز‘." ويتابع مضيفاً، "قلتُ لها مباشرةً إنّني أحترم ما قالته، ولكن بما أنّني أفعل هذا فسأشتري الشركة حتّى لو اضطررتُ للاقتراض."

وبدورها، كانت الغنيم داعمةً له بشكلٍ كبير. فهي قالَت له بحسب ما يذكر، "إذا لم تحصل على القرض يمكنك العودة إليّ."

في مطلع عام 2007، تمكّن اللوغاني من تأمين القرض، حيث اشترى مع شريكَين في الاستثمار 90% من الشركة، سامحاً لأحد المؤسِّسين أن يحتفظ بنسبة 10% من الأسهم. ويذكر أنّه قال للمؤسِّسين، "لستُ هنا كي أبيع الشركة، بل إنّ رؤيتنا تكمن في أن نصبح لاعباً كبيراً على الساحة في دول مجلس التعاون الخليجيّ." في ذلك الوقت، كانت "طلبات" تعود بنحو 10 آلاف دولارٍ شهرياً، فيما غرق اللوغاني في الديون.

"أذكر أنّني كنتُ أفكّر بإمكانية وجود أموالٍ تدعم المشاريع."

حالما تمّ توقيع الصفقة بصيغتها النهائية مطلع عام 2007، دأب اللوغاني وفريقه على تحويل الشركة.

في ذلك الوقت، كانت "طلبات" تدير نحو 200 طلبٍ في اليوم عبر 30 مطعماً وبفريقٍ من خمسة أشخاص. وعمل اللوغاني على تحسين امتثال محرّكات البحث SEO واستثمر في "جوجل آدوودز" Google AdWords وفي تسويق المحتوى الأساسيّ من خلال صحيفةٍ إخبارية. كما عملت "طلبات" التي استلهمَت الكثير من المواقع الأوروبية والأميركية، على البدء في تقديم خدمة "طلباتك" لأعياد الميلاد والذكرى السنوية.

عام 2009، بدا أنّ الأمور تتحسّن. فالسيولة المالية للموقع بدأت تتحسّن مع زيادة 70% عمّا كانت عليه الميزانية، كما يذكر اللوغاني. ولمدّة عامَين، دأب الموقع على إطلاق مميّزاتٍ جديدةٍ كلّ شهر، من ضمنها عنصر الألعاب الذي تضمّن توزيع نحو 100 ألف دولارٍ أميركيٍّ كجوائز من ضمنها سيّارة "أودي" Audi A4. ويقول إنّ "هذا الأمر بدأ عندما راح الناس يقولون ‘يبدو أنّ هذا عملٌ حقيقيٌّ ومربح‘."

وما إن أقبل شهر آب/أغسطس، حتّى شهد مجال الشركات الناشئة دفعةً قويّةً شهيرةً، حيث استحوذت "ياهو" Yahoo على "مكتوب" Maktoob، البوّابة الإلكترونية التي تتمركز في الأردن، بمبلغٍ ناهز 165 مليون دولار. وفي الفترة نفسها، أطلقّت "طلبات" فرعاً لها في السعودية، عبر بيع امتيازٍ لشريكٍ محلّيّ. ويذكر اللوغاني قائلاً، "بعد عملية الاستحواذ هذه، تذكّرتُ أن أقوم بجولةٍ لجمع الأموال، فتحدّثتُ مع بعض الأشخاص الفاعلين في المنطقة، ورحتُ أفكّر أنّه لا بدّ من وجود الأموال التي تدعم المشاريع."

من جهةٍ أخرى، فإنّ شيئاً لم يتغيّر. هناك شريكٌ سعوديّ لفته أنّ شركةً لتوصيل الطعام قد تكون عملاً تجارياً خاصّاً بنمط العيش، كما استخلص فريق "طلبات". ولهذا، عمل الفريق على عقد صفقةٍ لاسترجاع الامتياز في السعودية.

كما يذكر اللوغاني أيضاً، أنّ المستثمرين الذين تحدّثوا معهم، والذين بمعظمهم يأتون من مكاتب وشركاتٍ عائلية، كانوا يفعلون ذلك "بدافع الشفقة." ويضيف أنّ "التقييمات التي كانوا يقومون بها، كانَت تُشعرني بالإهانة. أذكر أنّني كنتُ أقول لهم، اسمعوا، إذا لم تضيفوا صفراً إلى هذا فلن نأخذه بعين الاعتبار."

وعندما جاءه عرضاً مغرياً من دون أيّ حقوقٍ للمستثمر فيما يتعلّق بالتصرّف إفرادياً بالشركة أو بإرغامها على فعلٍ شيء، قرّر اللوغاني اتّخاذ قرارٍ يسمّيه "قرار العمر الحاسم." لقد قرّرَت "طلبات" أن تكمل مسيرتها وحيدة.

وأخيراً عام 2010، وجد فريق اللوغاني المشتري الأنسب فكان محمد جعفر، الذي يمتلك مطعماً مسجّلاً مع "طلبات". ويقول اللوغاني إنّه "في ذلك الوقت كنّا ننمو بشكلٍ أبطأ ممّا أردناه. لم يكن هناك تمويلٌ للمشاريع في تلك المرحلة، والأرقام التي طُرحَت في عملية البيع كانَت مهمّةً جدّاً."

باع اللوغاني شركته بأربعة أضعاف المبلغ الذي كان قد استثمره فيها بدايةً، ممّا جعله قادراً على تسديد القرض الذي استحصل عليه، ومن ثمّ بقي مشاركاً في الشركة بناءً على إصرار جعفر. ولكنّه في الوقت الحاليّ لا يبدو نادماً، إذ يقول، "أشاهد ‘طلبات‘ اليوم وقد أصبحت أكبر بعشرة مرّات." وفي الوقت الحاليّ، فإنّ الموقع الذي سيستمرّ جعفر وفريقه في إدارته، قد أجرى أكثر من 8 ملايين عملية طلبٍ للطعام، ويحظى بأكثر من 25 ألف مشاهدةٍ لصفحاته في اليوم، ولديه ما يزيد عن 400 ألف مستخدِمٍ مسجّل.

"دعوة للاستيقاظ"

هذا العام، سيعمد صندوق الكويت الوطني لتنمية وتطوير المشروعات الصغيرة على تمويل بدايات عدّة شركاتٍ مشابهةٍ لـ"طلبات"، وذلك في إطار دعم روّاد الأعمال ضمن ثلاث مراحل وفي ثلاثة قطاعات؛ الصناعات الخفيفة، تكنولوجيا وسائل الإعلام والتصميم، وتكنولوجيا المعلومات والاتّصالات ICT. في مرحلة التدريب، ستعمل الشركة الناشئة على تطوير نموذج العمل الخاصّ بها؛ وفي مرحلة التأسيس والتسريع سيعمل الفريق على تطوير النموذج الأوّليّ والتوجّه به إلى السوق، بمساعدة "تك ستارز" TechStars مسّرِعة الأعمال العالمية. والمشاريع التي ستصل إلى مرحلة النموّ، ستكون مؤهّلةً للحصول على تمويلٍ من أحد أصحاب رأس المال المُخاطِر.

في نهاية الأمر، يبدو أنّ اللوغاني قد حقّق حلمه ربّما بالعمل على تحفيز قطاع رأس المال المُخاطِر في الكويت. وهو يشير إلى أنّ "أفضل الخصائص التي تتوافر على الإنترنت يتمّ التقاطها من قبل الأجانب." فعملية الاستحواذ التي قامَت بها "روكيت إنترنت"Rocket Internet  على "طلبات"، هي بمثابة "دعوةٍ لاستيقاظ" المستثمرين في العالم العربيّ لكي يستثمروا أكثر في الشركات الناشئة التقنية.

ولكن في الوقت الحالي، إنّ المشهد يتغيّر؛ ففي وقتٍ يتواجد فيه مسرِّعاتُ أعمالٍ (مثل "فلات6لابز" أبز ظبي Flat6Labs) وشركاتٌ لرأس المال المخاطر وللتمويل التأسيسيّ، إضافةً إلى مستثمرين إقليميين يتّجهون نحو المراحل الأخرى للشركة، فإنّ روّاد الأعمال اليوم يقفون أمام خياراتٍ متعدّدةٍ للتمويل لم تكن متاحةً أبداً أمام "طلبات" سابقاً. ويقول اللوغاني، "أتمنّى لو كان نموذج الدعم والتدريب ‘لين ستارتب‘ Lean Startup متاحاً عام 2006، لأنّه كان سيجعل من هذه المسيرة أسهل بكثير."

واليوم يبدو روّاد الأعمال في الكويت متحمّسين وحذرين في الوقت عينه إزاء عملية الاستحواذ هذه (فكما يفعل اللوغاني، يشير المصمّم ومطوّر البرامج حمد مفلح، إلى القيمة التي توجد في المكان المناسب وفي الوقت المناسب مع نموذج العمل المناسب).

ربّما لا يمكن لأيّ استثمارٍ أو تدريبٍ أن يعطوا رائد الأعمال القدرات الفطرية التي جعلَت من اللوغاني شخصاً مميّزاً: الاستعداد للذهاب عكس التيّار، العناد الذكيّ، الحيطة، وإدراك المستقبل بشكلٍ مطلق. ولكن على أقلّ تقدير، يمكن لهذه الصفقة أن تساعد روّاد الأعمال على التعامل مع أصعب منتقديهم: الأهل.

"بعدما تمّ الإعلان عن هذا الاستحواذ، اتصل بي أبي وقال ‘أعتقد أنّك في الطريق الصحيح، تابع عملك ولا تستسلم‘،" كما يذكر عبد الله الشلبي، مؤسِّس السوق الخاصّة برحلات صيد الأسماك "فِش فِش مي" Fishfishme.

"إنّ هذا التغيّر الكبير مشجّعٌ جدّاً،" يقولها الشلبي مضيفاً أنّ "الناس في الكويت يقولون إنّني مجنون."

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة