أين المنطقة العربية من الموسيقى الرقمية؟ جولة أفق مع 4 لاعبين

اقرأ بهذه اللغة

لا شكّ أن الموسيقى، باختلاف أنواعها، تأخذ حيّزاً كبيراً من حياتنا. ولا شكّ أن الاستماع الى الأغاني المحببة على قلبك اختلف على مرّ السنوات وأحدث الإنترنت وتطبيقاته ومواقعه ثورة في قطاع الموسيقى الذي لم يعد مرتبطاً بشركات الانتاج والموزّعين فقط. ولعلّ أهم ما تغيّر في القطاع الموسيقي هو بثّ الموسيقى المباشر. فعام 1999، أطلق "نابستر" هذه الثورة عبر ادخال طريقة جديدة لعملية مشاركة الموسيقى والاستماع اليها وتلقيها. وعلى الرغم من عدم شرعيتها (في البداية)، سمحت منصات سماع الموسيقى للمستمعين بتخطّي قنوات التوزيع التقليدية.

فقد نشرت  شركة "نيلسين" Nielsen لبيانات صناعة الموسيقى تقريرها عن قطاع الموسيقى في الولايات المتحدة لعام 2014 الذي كشف أنّ بَث الموسيقى ما زال ينمو بشكل كبير عام 2014 مع أكثر من 164 مليار أغنية تمّ بثّها عند الطلب عبر المنصات البصرية والصورية في حين تراجعت مبيعات الأقراص المدمجة.

لا نجد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بيانات أو معطيات محدّدة عن قطاع الموسيقى "الجديد". الا أنّ الأكيد هو الاهتمام المتزايد من قبل الشركات ورواد الأعمال في الغوص في هذا المجال لاسيما أنّ المنطقة تتمتّع بإرث كبير من الأغاني وتشهد تسجيل نحو 250 أغنية يومياً. وشهد قطاع الموسيقى الرقمية وصول العديد من اللاعبين لتقديم مختلف الخدمات على المحمول أو الويب لمحبّي الموسيقى الذين لبّوا هذا النداء وساهموا في نجاح العديد من هذه المنصات.

أحدثت الموسيقى الرقمية الكثير من التغييرات في القطاع التقليدي وما زالت تواجه الكثير من التحديات في المنطقة العربية. وفي محاولة للقيام بجولة أفق على هذا القطاع، التغييرات التي طرأت عليه والتحديات التي تحول دون تطوّره، التقينا بأربعة لاعبين عرب في هذا المجال للمزيد من التوضيحات: إيلي حبيب، المؤسس الشريك لـ"أنغامي" التي تأمل ببلوغ 11 مليون تحميل قبل نهاية كانون الثاني/ يناير 2015 ومصطفى بخيت، ورئيس "مزيكا" التي كانت من أولى المواقع العربية وشاهدت العديد من التغييرات لتصبح منصة للاستماع الى الموسيقى ومعرفة آخر أخبار الفنانين، وتامر أحمد مدير التسويق في "تريفكس" التي تريد أن تكون محرك بحث كـ"جوجل" لكل أنواع الملفات الصوتية، وشريف منتصر الرئيس التنفيذي لـ"دوزان" التي تلبّي حاجات كل أطراف القطاع الموسيقي.

ما هي أبرز التغييرات؟

  • الفنانون يعتمدون الرقميّ.
    يشير حبيب الى أنّ المزيد من الفنانين العرب باتوا يعتمدون الموسيقى الرقمية قائلاً "أطلقنا على "أنغامي" أغانٍ حصرية عام 2014 أكثر بعشرين مرة من عام 2013 منهم أغانٍ لفنانين مشهورين. وعلى سبيل المثال، خلال ليلة رأس السنة، أكثر من نصف مليون مستخدم استمع الى الموسيقى عبر أنغامي." واعتبر حبيب أنّ العلامات التجارية ركِبت هذا القطار وأدركت أهمية الانترنت وباتت تخصّ المزيد من الميزانيات الإعلانية للمحمول والموسيقى.

  • مقياس نجاح أو فشل الأغنية.
    يشرح بخيت انه "في السابق كان الفنان يُصدر شريطاً ويقول إنه باع مليون نسخة. ولكن اليوم، المنصات والتطبيقات باتت مؤشر الأغنية الجيدة أم الشعبية"؛ نقطة تعيدنا الى التغيير الأول ألا وهو أنّ الفنانين الكبار وشركات الانتاج بدأت تغيّر استراتيجياتها وتهتمّ بجيل الشباب وتتفاعل مع المنصات الموسيقية الرقمية، على حدّ قول بخيت. ويضيف أنّ ذلك "يُسهّل ظهور مواهب جديدة لأنّ تكلفة الانتاج لم تعد مرتفعة كالسابق. فبات من السهل وصول المنتج من المصنّع الى المستهلك."

  • الانترنت قلب المقاييس.  
    يعتبر أحمد أن الانترنت بالنسبة للموسيقى في العالم العربي كان "أشبه بقبلة الحياة. فمن دونه، كانت لتختفي الكثير من الأغاني لاسيما أنّه بات وسيلة لأرشفة وحفظ التراث الموسيقيّ العربي." ويضيف "هناك الكثير من الأغاني التي كنت أستمع اليها في الأفلام العربية القديمة أو لمطربين كبار. قد لا تكون مطلوبة كثيراً الا أنّ الانترنت ساهم في حفظها."

    من جهة أخرى، يرى أن الانترنت ساهم في ادخال مصدر ثانٍ للموسيقى لاسيما أن صناعة الأسطوانات والألبومات شبه انتهت وتراجعت المبيعات كثيراً. ويقول "الجيل الجديد لا يعرف شيئاً عن "الكاسيت" والانترنت بات المجال الذي يمكن من خلاله ايصال الموسيقى الى أكبر عدد من الناس."

…والتحديات كثيرة

  • القرصنة.
    اتّفق الجميع على أن القرصنة هي أكبر مشكلة تواجه قطاع الموسيقى. ويشير أحمد الى أنّها "تحدٍّ كبير لأنها تشكّل خطورة على الانتاج ونحاول ايجاد طرقاً قانونية للتوزيع والحفاظ على حقوق الملكية." ويضرب مثالاً بستيف جوبز عندما أطلق خدمة "آي تيونز" iTunes قائلاً "جمع جوبز كل شركات الانتاج الكبرى كـ"سوني" Sony و"يونيفوريسل" Universal وقال:  تخسرون 20 مليار دولار سنوياً بسبب القرصنة. فماذا لو أعدت لكم 5 مليارات أي تقريباً 25% وأخذت منها 30% أي مليار ونصف دولار تقريباً. هل هذا مناسب؟ بالطبع وافقت الشركات لأنها كانت تخسر الأموال أصلاً."

    أما بخيت فاعتبر أنّ "القرصنة تأخذ محتوى بملايين وتجني الملاليم والجميع خاسر." من جهتها، جعلت منصة "أنغامي" من "قرصنة القراصنة" شغلها الشاغل. ويقول حبيب إنه من أجل مواجهة القرصنة تسعى "أنغامي" الى تقديم قائمة واسعة من الأغاني."سنقترب من عتبة 10 ملايين أغنية منتصف 2015 ونقدم تجربة مستخدم رائعة وخدمة بث موسيقي سريعة ونوعية صوت جيدة بالاضافة الى خدمات مجانية ومدفوعة." ويشدد على أنّ "القرصنة أصبحت عادة لدى المستخدمين في هذه المنطقة والتحدث عن توقيفها يُعتبر جنون والطريقة الوحيدة للتصدي لها هي بتقديم تجربة أفضل لجذب المزيد من المستخدمين."

  • سرعة الانترنت.
    تختلف من دولة الى أخرى في المنطقة العربية الا أن أحمد يضرب مثلاً بمصر حيث سرعة الانترنت لا تدعم التحميل والبث الموسيقيّ أبداً. الا أنّ منتصر يرى أن "سرعة الانترنت باتت أفضل بكثير عمّا كانت عليه قبل خمس سنوات وبات المستخدمون يتمتّعون بقدرة على الاستماع لأي موسيقى على الانترت."

    تبقى المشكلة، بالنسبة له، أنه في مصر (20% من سكان الشرق الأوسط) لا يستطيع المستخدمون تكبّد تكلفة بث الموسيقى على هواتفهم. ولهذا السبب، "تطبيقات كـ"أنغامي" أو "يَلا" أو حتى "يوتيوب" لا تعمل إلا متى المستخدم يستعمل الانترنت اللاسلكي أو أي خدمة مجانية.

    ويرى أنّ الحلّ هو أن "تتعاون المنصات مع شركات الاتصالات والاعلانات من أجل توفير خدمة أفضل." ويؤكد بخيت على ذلك مشدداً على أنّ المشكلة ليست في البنى التحتية لا بل في الأسعار الخيالية للاشتراك بالانترنت.

  • تردّد الفنانين.
    يرى أحمد أنّه من الضروريّ التركيز على توسيع قبول "الأغنية الالكترونية" لاسيما من الجيل الكبير الذي ما زال غير مقتنع تماماً بأن الأغنية على الانترنت ستكون بنفس النوعية من تلك التي يستمع اليها على أسطوانات؛ من دون أن ننسى اقناع الفرق الموسيقية أو الفنانين الجدد بأنّ الانترنت فرصة كبيرة غير مكلفة "ولا بدّ من التواجد عليها لأنّ الأمور تتغيّر."

  • غياب البيانات الموسيقية.
    تحدّ أسهب في الحديث عنه منتصر الذي يعتبر أنّه أساس مشكلة القطاع الموسيقي الرقمي لأنك "تحتاج الى بيانات الأغاني من أجل تصنيفها." ويقول إن "دوزان" صنّفت 110 ألف أغنية خلال السنوات السبعة الماضية الا أن المهمة لم تنتهِ بعد.

    ولا يعني منتصر بالبيانات حول الأغاني المعلومات العامة فحسب لا بل كلّ ما قد يتعلّق بها من قريب أو بعيد. ويعي أنّ هذه المهمّة تحتاج الى العمل المضني مما جعل الكثير من المنصات العالمية على غرار "إكونيست" Echonest و"روفي" Rovi  و"غرايس نوت" Gracenote أو حتى العربية منها في عدم اعتمادها لأنهاّ غير مربحة على المدى القصير لا بل اعتمدت "البصمات" fingerprinting أي التعرّف على الأغنية وبعض المعلومات العامة عنها؛ وحدها "باندورا" Pandora  اعتمدت جمع البيانات ( مليون أغنية حتى الآن). ويعتبر أنّ جمع البيانات تساعد في حلّ مشكلة أخرى ألا وهي تلبية حاجات وتفضيلات المستخدمين.

  • فرص الاكتشاف أو discoverability.
    وهنا يضيف منتصر أنّ الجميع يريد الاستماع الى قائمة تشغيل موسيقية playlist تتماشى مع مزاجهم أو حتى تسمح لهم باكتشاف أغانٍ أو مواهب جديدة. ويرى منتصر "لن يكون ذلك ممكناً الا إذا كنت تملك بيانات لأنها الحمض النووي للموسيقى." ويضيف أنّ المستخدم لن يستعمل أو يلجأ الى تطبيق مجدداً الا إذا وجد موسيقى تحاكي أذنيه أو موسيقى جديدة.

    ويقدمّ الحل: "مطابقة الأغاني في ما بينها لئلا يتكّبد المستخدم عناء البحث. فإذا كان يستمع الى أغنية ما، لا شك أنه لا يريد أن يدخل مجدداً الى التطبيق أو يوقف ما يقوم به من أجل تغيير الأغنية أو اختيارها."

    الا أن المشكلة تكمن، بنظر منتصر، في أن مطابقة الأغاني على معظم المنصات العربية تعطي نتائج سيئة جداً. فعلى سبيل المثال، إذا كنت تستمع الى نانسي عجرم، ستحصل بعدها على جورج وصوف أو أحمد علوية!" ويضيف "الشركات اليوم مهتمّة بجني الأرباح لا بجمع البيانات ولكنها لا تعي أنها لن تجني الأرباح الا إذا كان المستخدم راضياً."

  • غياب المواهب الفنية والتقنية.
    قبل الغوص في هذه النقطة، يعتبر بخيت أنّ المحتوى العربي نادر مقارنة بدول أخرى كالهند وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة. ويشرح ذلك قائلاً "هنا، يصدر الفنان ألبوم كل سنة أو ثلاثة أما في الخارج، فالمطرب مواظب على اصدار ألبوم سنوياً وتصوير 5 أغاني على الأقل. وبالتالي، لديهم محتوى متنوّع مما يساهم في العرض والطلب خلافاً للمنطقة العربية."

    ويضيف أنّ المشكلة الأخرى تكمن في التطبيقات. "معظم المطوّرين ليسوا مؤهلين أكاديمياً للابداع. بصراحة، عندما أذهب الى وادي السيليكون، أرى فكراً مختلفاً في التطوير التكنولوجي الاً ان الابداع في منطقتنا ضعيف جداً ولا نقوم الا بتقليد ما نجح في الخارج." ويختم أن الحصول على مواهب على الرغم من المسابقات والفعاليات ما زال مهمة صعبة ونحتاج الى توجيه البيئة الحاضنة لتطوير القطاع تقنياً."

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة