التعليم والعمل الحرّ والدفع عبر الإنترنت: كيف سيغيّرون وجه المنطقة؟

اقرأ بهذه اللغة

سبق ونُشر هذا المقال بالشراكة مع "هافنجتون بوست".

هذه الأمور قد تكون واضحةً لأيّ مراقبٍ للعالم العربيّ؛ البطالة، وعدم الاستقرار السياسيّ، وقتل آمال الشباب من قبل حكوماتٍ فاشلة. وبالإضافة إلى العناوين الصارخة والقاتمة، فإنّ القصص التي نسمعها هي قصص واقعية وتحصل بكثرة. من جهةٍ أخرى، تولد ثورةٌ تقنيةٌ ضمن المجتمعات العربية الشابّة، ما يبشّر بأنّ التغيير قادم. وبفضل قادة الرأي أمثال المستثمِر المُخاطِر الأميركيّ كريستوفر شرودر، بات يدرك الكثير من الناس أنّ العالم العربيّ هو أرض الإمكانات غبر المستغَلّة بعد.

ركّزوا على هذه الحقائق: العالم العربيّ هو المكان الذي تضاعف فيه معدّل انتشار الإنترنت بأكثر من 400% خلال العقد الفائت. هو المكان الذي يؤمن فيه أكثر من 9/10 من شبابه أنّ "القدرة على الوصول إلى الإنترنت والتكنولوجيا الرقمية النقّالة يمكن أن يساعدهم في تحقيق تطلّعاتهم الشخصية بالنسبة لفرص العمل والفرص الريادية والتعليم والعمليات المصرفية الرعاية الصحية." وكنتيجةٍ لهذه الحقيقة الجديدة، فإنّ التقاطع المحتمل بين ثلاث تقنياتٍ صاعدة (التعليم عبر الإنترنت، وبوّابات العمل الحرّ عبر الإنترنت، وشبكات الدفع عبر الإنترنت) يمكن أن يوفّر حلولاً من شأنها أن تغيّر المنطقة وتساههم في إيجاد واقعٍ جديد.

إنّ الثورات التي اندلعَت عام 2011 قامَت في جوهرها من أجل السعي إلى الحقّ في تقرير المصير، بعدما حرّكها الإحباط من الوضع القائم. بشكلٍ أو بآخر، يمكن القول إنّ بدايات "الربيع العربيّ" كانَت تشبه بدايات الشركة الناشئة. أمّا التفاؤل والعزيمة والإرادة التي شكّلَت محرّكاً له، كان يجب أن تستمرّ من أجل نقل المنطقة إلى واقعٍ أفضل. في مقابلةٍ له أواخر عام 2014، يشير مارك أندرسِن الذي اخترع أوّل متصفحٍ لمواقع الإنترنت، إلى أنّ "النزعة الظنّية [لدي] عندما تمّ تقديمي مع فكرةٍ جديدة لم يكن السؤال ‘إذا كانَت هذه الفكرة ستنجح‘، بل كان ‘ماذا لو نجحَت هذه الفكرة؟‘ ويمكنني أن أقول لكم، من خلال السنوات العشرين الماضية على الأقلّ، إنّه إذا كنتَ تراهن على المتفائلين فأنت صائبٌ بذلك."

قد يرى كثيرون ممّن يتطلّعون إلى المنطقة أنّه يستحيل عملياً نشوء أيّ واقعٍ بديل، ولكن ماذا لو أخذ المتفائلون الأمورَ على عاتقهم، كما في بعض المناطق النامية الأخرى، وأعادوا كتابة الرواية؟ ماذا لو تمّ تحويل المنطقة خلال 10 سنوات أو 15 سنة مقبلةٍ إلى منطقةٍ تساعد شبابها على الاستفادة من إمكانيّاتها؟ لا ننكر أنّ البطالة وتوفّر التعليم والحصول على التمويل ليست سوى بعض التحدّيات التي تواجهها المنطقة، ولكن بالنسبة للمتفائلين فيها، قد تكون هذه التحدّيات أيضاً بمثابة أكبر الفرص التي تتوافر في المنطقة.

بنسبة نموٍّ تصل إلى 20% سنوياً، سيكون هناك أكثر من 270 مليون مستخدِمٍ للإنترنت في المنطقة بحلول عام 2020. وفي الوقت عينه، وكنتيجةٍ للطفرة التي اجتاحت العالم العربيّ في ثمانينات القرن الماضي، يرتفع حالياً معدّل اطلّاب في التعليم العالي بشكلٍ كبيرٍ جدّاً. فبحلول عام 2015، سيكون لدى 4 بلدانٍ فقط (مصر، والعراق، والسعودية، والجزائر) نحو 50 مليون خرّيجٍ جديد من الثانويات يستعدّون للدخول إلى التعليم العالي.

من جهةٍ ثانية، ومع معدّلاتٍ مرتفعةٍ لاستخدام الإنترنت، يسعى الكثير من الناس للتعلّم عبر الإنترنت. فقد أظهرَت دراسةٌ أعدّتها بوّابة التوظيف الإقليمية، "بيت.كوم" Bayt.com، أنّ المواقف تجاه التعليم عبر الإنترنت تتحسّن باطّراد. وفيما شكّلَت في تلك الدراسة السابقة نسبةُ المستَطلَعين الذين تلقّوا تعليماً عبر الإنترنت نحو 45%، أظهرَت دراسةٌ حديثةٌ أنّ الشباب يؤمنون بأنّ الإنترنت يمكن أن يوفّر لهم فرصة متابعة تعليمهم، وهم يقضون ما يقارب 16% من وقتهم عبر الإنترنت في التعلّم. هذا من جهة الطلب؛ أمّا من جهة العرض، فإنّ عدّة شركات ناشئة وجهودٍ باتت تظهر في أنحاء مختلفةٍ من المنطقة لتلبية هذا الطلب المتزايد.

التكنولوجيا لا تعني التغيّر الجذريّ في التعليم، بل تعني أيضاً إعادة تشكيل مستقبل العمل، بحيث بتنا نشهد نهضةً في العمّال المهرة المستقلّين الذين يريدون فرص عملٍ تعاونيةٍ وعلى حسابهم الخاصّ. ووفقاً لـ"بيت.كوم"، فإنّ 7 من أصل 10 مهنّيين عرب يعتقدون أنّ العمل الحرّ هو خيارٌ جيد، و24% من المستَطلَعين في الدراسة ذكروا أنّ العمل الحرّ يساعدهم في التركيز على ما يحبّون فعله. بالإضافة إلى ذلك، إنّ أسواق البحث عن عملٍ حرّ، مثل "نبّش" Nabbesh و"ستاي لينكد" Staylinked و"ليمون" Laimoon، باتت منصّاتٍ تلقى رواجاً في الشرق الأوسط، ما يسهّل الأمر على اللذين يعملون لحسابهم الخاصّ (العمل الحرّ) في العثور على عمل.

من ناحيةٍ أخرى، وفي وقتٍ يسمح الإنترنت للذين يعملون على حسابهم الخاصّ بالعمل عن بعد من أيّ مكانٍ في المنطقة، إلّا أنّ هؤلاء لا يحصلون على مستحقّاتهم بسهولة. وما هو أكثر حساسية، أنّ 80% من الراشدين في المنطقة لا يتعاملون مع البنوك، ما يجعل الأمر صعباً بالنسبة للكثيرين منهم لجهة العمل الحرّ عبر الإنترنت. أضِف إلى ذلك، أنّ شبكات الدفع الحالية لا تتناسب مع تطلّعات وآمال الشباب في العالم العربيّ، بحيث لا تسمح لهم بالاستفادة من النماذج التعليمية وفرص العمل الجديدة. وبهذا، تكون الثورةُ التكنولوجيةُ في مجال الدفع والخدمات المالية ضرورةً حتميةً في سبيل إيجاد مساراتٍ جديدةٍ يسلكها الشباب.
في الوقت عينه، توجد عدّة شركاتٍ ناشئةٍ تقنيةٍ ماليةٍ، مثل "بيفورت" Payfort و"وايت بايمنتس" WhaitePaymetns و"تلِر" Telr، تحاول مسبقاً أن تعيد تشكيل هذا القطاع. كما أنّ أحد الحلول الواعدة التي يمكن أن تساعد في هذا المجال هي عملة "بيتكوين" Bitcoin، التي هي عبارة عن عملةٍ مشفّرةٍ مباشرة وبروتوكولٍ غير مركزيٍّ لعمليات الدفع. فمثلما عملَت الإنترنت على تغيير طريقة تواصلنا خلال العقدَين الفائتَين، تملك هذه العملة الافتراضية إمكاناتٍ تخوّلها إحداث ثورةٍ في العمليات المالية بالطريقة نفسها. فقد يصبح بإمكان الشباب أن يتعلّموا المهارات عبر الإنترنت، وأن يعملوا على حسابهم الخاصّ بواسطة هذه المهارات المكتَسَبة، وأن يحصلوا على مستحقَّاتهم المالية من أيّ مكانٍ في العالم.

يجب أن نعمل على هذه الحقيقة المشرقة، وأن لا نترك المجال للذين يريدون إغراق المنطقة في الظلام. من المؤكّد أنّ هناك كثيرٌ من التحدّيات التي تواجه انتشار هذه التقنيات في المنطقة والمثابرة عليها، مثل حقيقة أنّ الملايين فيها لا يزالون من دون اتّصالٍ بالإنترنت ويجب أو يؤَمَّن لهم ذلك من خلال إنترنت عريض النطاق، وحقيقة أنّ التشريعات الخاصّة بالعملات الرقمية والعمل الحرّ لا تزال غير ناضجةٍ في المنطقة ومقيِّدةً في كثيرٍ من الأحيان. ولكن ما الذي لم تصارعه - وهي لا تزال تصارع بالفعل - الأسواق الناشئة الناجحة من أمورٍ مشابهةٍ؟ يجب التغلّب على كلّ هذه العقبات والوصول إلى حلّ هذه المشاكل التي تخبّئ خلفها إمكاناتٍ كبيرة. يجب أن ندرك القوّة التي نملكها في العمل على هذه الحقيقة. إنّه المَيل الذي يدفعنا إلى طرح السؤال التالي، "ماذا سيحصل لو حقّقنا هذا الأمر؟"

 

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة