كيف شقّ هذا الرائد اللبناني طريقه في التجارة الإلكترونية‎ من دون أيّ دعم؟‎

اقرأ بهذه اللغة

BuyLebanese.com founder Karim Saikali

لا يلبث الصخب الذي يحيط بروّاد الأعمال وشركات التقنيات أن يهدأ قليلاً، حتّى يُثار من جديدٍ بشكلٍ أقوى. وهذه المرّة، تمّ التطرّق إلى أسطورةٍ تقول إنّ موظّفي الشركات الناشئة هم من الذين يتسرّبون من المدارس ويلهون على الشوارع بألواح التزلّج. والحقيقة أنّ بعض الشركات الناشئة تمّ إطلاقها وتكريرها وتكييفها، قبل كلّ هذا الصخب والكلمات الرنّانة وحتّى قبل أن يكون هناك من يدعمها. كريم صيقلي، من أوائل روّاد التجارة الإلكترونية في لبنان، هو واحدٌ من مؤسِّسي مثل هذه الشركات الناشئة.

بالرغم من كلّ الصعوبات القانونية والعقبات في البنى التحتية، أطلق صيقلي شركة "باي ليبانيز" BuyLebanese.com عام 2000، بحيث أراد مع شريكه آنذاك، نصري مسرّة، أن يقدّما البضائع اللبنانية إلى جمهورٍ عالميّ. وبالفعل، أطلقا هذا المشروع بمبلغ 500 دولارٍ أميركيٍّ وحسب، استخدماه لكي يدفعا ثمن استضافة الموقع وتسجيل الشركة. ومؤخّراً، خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، احتفلت هذه المنصّة التي تشحن منتَجاتها إلى أكثر من 128 بلداً حول العالم بعيدها الرابع عشر.

وفي إطار استذكار مسيرته المهنية، يقول صيقلي، "بدأتُ العمل من دون أيّة خبرةٍ على الإطلاق، ولكن كان الأمر ليكون أفضل قليلاً لو كنتُ أمتلك الخبرة حينها." وينصح الآخرين قائلاً، "كنتُ أحبّ ارتكاب الأخطاء لأنّها تعلّم. لا أعتقد أنّني ارتكبتُ أخطاء جسيمة، ولكن كان يمكن للأمور أن تكون أسرع لو كان لديّ خبرةٌ أكبر."

الاختبار المسبق

أمضى صيقلي الكثير من الوقت في تصفّح المواقع الإلكترونية وشراء السلع والبضائع عبر الإنترنت، في الوقت الذي كان يتابع فيه دراسته في الولايات المتّحدة. وبعد حصوله على شهادة الماجستير من جامعة كولومبيا Columbia University، ما لبث أن أطلق "متجر الموسيقى اللبناني الأكبر" Lebanon's Largest Music Store، الذي لم يعد موجوداً، حيث يمكن لعشّاق الموسيقى تصفّح وشراء التسجيلات.

بعد لقاء صيقلي بمسّرة عبر صديقٍ مشترك، قرّر الاثنان إطلاق "باي ليبانيز" سوياً، وقسّما فيما بينهما مهام تطوير البرمجيّات وتطوير الأعمال والتسويق عبر الإنترنت وخدمة العملاء. وفي هذا الإطار، يستذكر صيقلي العقبات التقنية الكبيرة التي واجهاها والصعوبات في إقناع الناس بهذه الرؤية.

ويقول، "أذكر أنّني كنتُ أتعرّض للنقد دائماً، لأنّ عمليات الدفع لدينا كانت تتمّ فقط عبر بطاقات الائتمان ولم يكن من ضمنها الدفع عند التسليم. من الصعب جدّاً إطلاق عملك في جميع أنحاء العالم اعتماداً على السمعة وحسب، في وقتٍ تأخذ بعين الاعتبار المخاطر في بعض البلدان حيث يصعب شحن البضائع."

ولذلك، راهن صيقلي وشريكه على مجالَين اثنَين: خدمة العملاء وجودة المنتَج. ويشرح بقوله، "أردنا إقناع العملاء بالشراء من لبنان عبر تقديم منتَجاتٍ ممتازةٍ وخدمةٍ نوعية." ويضيف أنّ "المستهلك الأوّل كان مبهوراً ومن شأن ذلك أن ينتشر. كان ممنوعاً أن يتمّ ارتكاب الأخطاء."

وهكذا كان. فعن هذا الأمر يقول صيقلي إنّ الموقع شهد نموّاً سنوياً بما يقارب 30 إلى 35% حتّى عام 2008. وموقعهم هذا يعمل على إيجاد تواصلٍ بين الناس ووطنهم ويعمل على توعية المورّدين المحلّيين، وكذلك إيجاد قنوات عملٍ جديدةٍ عن طريق الطلبات القليلة للبيع بالجملة. ولكنّ صيقلي لم يدخل مجال العمل المحدّد هذا من أجل المال، "فالمال الذي يعود عن الموقع يغطّي كلفة تشغيله، وهو لا يحتاج إلى جهدٍ كبيرٍ من أجل إدارته. إنّه يدير نفسه فعلاً،" كما يشرح الرياديّ اللبناني. ويتابع مضيفاً، أنّه نظراً للقيود المتعلّقة بالوقت وبالتحدّيات اللوجستية، لا يمتلك خططاً للتوسّع في الوقت الحاليّ.  

خلال مناقشاتٍ واسعةٍ في مكتب "ومضة"، أشار صيقلي إلى أنّه كان هناك حاجةٌ لموقعٍ للتجارة الإلكترونية في لبنان عندما أطلق مع شريكه موقع "باي ليبانيز"، وأضاف أنّ الشركة تحصل على نسبة من المبيعات عبر المنصّة.

إنّ المورّدين "يبيعوننا المنتَجات بأسعار الجملة ونحن نبيع بأسعار التجزئة، كما أنّهم يدفعون لنا رسوماً إضافيةً للحصول على الترويج." وعلى سبيل اتّباع هذا النهج بمزيدٍ من الأعمال، أنشأ صيقلي حلقةً مغلقةً يمكن من خلال للإعلانات أن تنتقل بين "باي ليبانيز" و"إي كوم ليبانون" E-comlebanon، مشروعه الآخر.

وعن هذا الأمر يقول، " نحصل على الكثير من الإعلانات مجّاناً على بوّابات إنترنت محلّية كلّ تشرين الثاني/ نوفمبر، لأنّ ‘إي كوم ليبانون‘ هو الوكالة الإعلامية الأولى في لبنان لخدمات البيع عبر الإنترنت والتي تغطّي السوق المحلّية."

علاقات صحيحة مع وسائل الإعلام ومقدّمي خدمات الإنترنت والمورّدين

أن تكون اللاعب الأوّل في القطاع، يمكن أن يشكّل ذلك تعويضاً لك. في حين حصل "متجر الموسيقى اللبناني الأكبر" Lebanon's Largest Music Store على تغطيةٍ إعلاميةٍ واسعةٍ بسبب مفهومه الجديد يومها، اعتمد صيقلي على جهات الاتّصال التي يمتلكها مع وسائل الإعلام أثناء إطلاق "باي ليبانيز"، وتجاوب الإعلام معه بكلّ حماسة.

من جهةٍ أخرى، كان الترويج عبر الإنترنت أساسياً في استراتيجية صيقلي. ولذلك، أطلق برنامجاً ملحقاً في شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 2000 مع مزوّدي خدمات إنترنت ووسائل إعلام، حيث يمكن لأيّ أحدٍ يضع شعار "باي ليبانيز" على موقه الإلكترونيّ أن يحصل على 20% من العائدات على هذا الشعار الإلكترونيّ. من جهةٍ أخرى، كان المغتربون اللبنانيون الذين تعوّدوا أكثر على الشراء عبر الإنترنت من أوائل العملاء لديه، لكنّ الأمر لم يتوقّف هنا.

وربّما كان من أذكى خطط صيقلي أنّه تمكّن من إقناع المورّدين لديه بذكر "باي ليبانيز" BuyLebanese.comعلى جميع العبوات، كما أنّه تمكّن من إقناع بعض المورِّدين بإضافة العلامة التجارية لـ"باي ليبانيز" على سيارات التسليم (ولذلك يمكن أن ترى علامة "باي ليبانيز" على سيارات النقل لدى "ملان دور" Moulin d’Or).

يشرح صيقلي قائلاً، "رأينا الكثير من المنافسين الذين ما لبثوا أن انطلقوا حتّى أغلقوا أعمالهم؛ نحن نحصل على الكثير من الإعلانات المجّانية في وقتٍ يضطرّ الآخرون للتكلّف عليها." ويتابع مضيفاً، "لقد ساعدنا [بوابات إنترنت لبنانية جديدة] على تحسين مواقعها وإنشاء المساحات الإعلانية وتحسين المواقع الإلكترونية لتوليد المزيد من العائدات. ولهذا السبب لديّ علاقةٌ جيّدةٌ معهم."

المنتَج، بعد التحقّق من صحّته

يقول البعض إنّ "باي ليبانيز" ليس إلّا البرهان الذي دلّ صيقلي على صحّة نموذج "إي كوم ليبانون"، التي "تُعتبَر شركة خدماتٍ متكاملة للتسويق عبر الإنترنت وأكبر وكالةٍ إعلامية لخدمات البيع عبر الإنترنت في لبنان تغطّي السوق المحلّية." ومن خلال خبرته مع المورّدين والإعلانات، أدرك صيقلي أنّ هناك حاجةً للمجيء بعددٍ كبيرٍ من تجّار التجزئة والخدمات إلى الإنترنت عبر مجموعةٍ متنوّعةٍ من القطاعات، وأنّ مشروعه الثاني سيكون المحرّك لهذا الأمر. ويتحدّث عنه قائلاً، "بدأتُ بالاستفادة من خبرتي مع ‘باي ليبانيز‘ للقيام بالتسويق الرقميّ، بعدما تمكّنتُ من فهم كيفية سير الأمور عبر الإنترنت."

الاستشارات الإلكترونية لتحسين عمليات التحويل والتسويق عبر مواقع التواصل الاجتماعيّ، وتحسين امتثال محرّكات البحث SEP/SEO، فضلاً عن تطوير المواقع الإلكترونية، هو بالتحديد ما جاءت به "إي كوم ليبانون".

بعد ثلاث سنواتٍ فقط على الانطلاق عام 2000، تمكّنت هذه الوكالة من ضمّ حسابٍ لمشروع "مارينا تاورز" Maria Towers السكنيّ فائق الفخامة في بيروت. كيف استطاع الحصول على هذا الحساب؟ بطريقةٍ رياديةٍ مميّزة، لم يلتحق صيقلي بفرصة عملٍ في الهندسة، وفضّل بدلاً من ذلك إطلاق خدمات "إي كوم ليبانون" التي تلبّي هذه الحاجات بالتحديد. ومن خلال عمله، قام بتطوير نظام تتّبعٍ ليخبر عملاءه عن المواقع التي يمكن وضع الإعلان عليها بناءً على ما يمكن أن يولّد معظم الاستفسارات، وهو نظامٌ حافظ عليه حتّى الآن ويستخدمه مع جميع عملائه.

"ومن ثمّ تعاقدنا مع ‘سيفكو هولدينج‘ عام 2004"

منذ ذلك الحين، كان مستقبل الشركة كوكالةٍ قد بدأ يتبلور. فقد بدأ الفريق بإدارة حساباتٍ من الوزن الثقيل مثل شركة التطوير العقاري اللبنانية، "سيفكو هولدينج" Sayfco Holding، وراح يقدّم استشاراتٍ إلكترونيةً وخدماتٍ للتسويق عبر الإنترنت لمتجر الأزهار "إكزوتيكا" Exotica، وبدأ مؤخّراً بالعمل مع شركة "صقر للعقارات" Sakr Real Estate وشركة OMT لتحويل الأموال عبر الإنترنت.

وبالرغم من أنّ "باي ليبانيز" ليس عملاً يجني الأرباح على أساسٍ شهريٍّ عن طريق المبيعات، يبدو أنّ هذه المنصّة قد أمّنت لنفسها شريحةً جيّدةً من سوقٍ محدّدة: التسوّق من أجل عطل، والخدمات المصرفية الموسمية. سواء تعلّق الأمر بالمغتربين أم لا، يبدو أنّ البضائع والسلع اللبنانية تحوز على جمهورٍ دوليٍّ واسعٍ، وهذا ما يعوّل عليه صيقلي.

التحدّيات = الفرص

بعض التحدّيات الأساسية التي واجهَت "باي ليبانيز"، تمثّلت في رفض بوّابات الدفع بالسماح للمعاملات بالحصول تلقائياً في بلدان الشرق الأوسط، ولكنّ رائد الأعمال الذي أسّس هذا الموقع عرف أنّ هذه المشكلة لن تدوم لوقتٍ طويل: "بوّابات الدفع في لبنان لم تستوعب عمليات الدفع من أيّ مكان. والمسألة الرئيسية التي واجهناها، كانت أنّ بعض البنوك الأميركية منعت إتمام التعاملات مع الشرق الأوسط لأسباب أمنية، ممّا أدى إلى إلغاء بعضها."

ويضيف صيقلي، أنّ "الزبائن يحتاجون للاتّصال ببنوكهم من أجل رفع أيّة قيودٍ محتمَلة بشكلٍ مؤقّت لإتمام التعاملات. وسيكون من المهمّ أن تقوم بوّابة دفعٍ عالميةٍ أو خدمةٌ مثل ‘باي بال PayPAl بإتاحة جميع خدماتها في المنطقة، في وقتٍ تأتي معظم التعاملات لدينا من الولايات المتّحدة الأميركية حيث يمتلك الجميع حسابات ‘باي بال‘." وشدّد على أنّ "باي بال| لم تتوسّع بشكلٍ كاملٍ في المنطقة بعد، على الرغم من إعلانها العام الماضي أنّها سوف تفعل ذلك.

التوازن، هو التحدّي الكبير الآخر. إذ بعد إدراك إمكانيات وكالة الاستشارات الإلكترونية في وقتٍ مبكر، حوّل صيقلي جهوده لتصبّ في توسيع "إي طوم ليبانون" كشركة.

"استعِن بمصادر خارجية لإتمام ما لا تستطيع تحمّله وما لا تعرف عنه."

بعد 14 عاماً، لا يزال صيقلي رائد أعمالٍ منفرد solopreneur. وطرقه في معالجة الأمور بسيطة وفقاً لما يشرح: "قاعدتي الأولى هي إذا أردتَ إنشاء شيءٍ ما من الصفر، عليك تجربة الاعتماد على مصادر خارجية Outsourcing منذ البداية. ومن ثمّ مع الوقت، ادرس خيارات إنشائه ضمن إطار شركة."

"لا موظّفين لديّ،" يضيف صيقلي الذي بنى شبكةً من الأشخاص الموثوقين الذين يعملون على حسابهم الخاصّ بعدما درّبهم خلال السنوات التي خلَت.

ويقول عن هذا الأمر، "يسير عملي بشكلٍ جيّدٍ بهذه الطريقة، ما أعتبره نموذج عملٍ ممتازٍ بالنسبة لي. أعتقد أنّ الاعتماد على مصادر خارجية يعود عليك بأفضل النتائج، شرط أن تعرف كيف تقوم بالأمر."

من جهةٍ ثانية، يعطي صيقلي في مشاريعه الأولويّةَ للإيرادات ولنوعية العملاء بدلاً من الكمية.

ويقول، "لقد تعلّمتُ أن أقول لا، إذا لم يكن باستطاعتي القيام بعملٍ ما. وهذا يعود لأنّني إمّا لا أثق بالعميل بشكلٍ كافٍ، وإمّا لأنّ المشروع كبيرٌ جدّاً أو يحتاج إلى وقتٍ طويل."

إغلاق شركةٍ أو عملٍ ما قد يكون أمراً بديهياً بالنسبة للبعض، ولكن بعد 14 عاماً في مجال الأعمال، قد يكون هذا الأمر واحداً من تكتيكات صيقلي الذكية بهدف تأمين سلوك كلّ مشروعٍ في طريق مبادئ عمله الأساسية.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة