إصلاح السياسات لإنشاء الشركات في المنطقة لا يكفي‎. لماذا؟

اقرأ بهذه اللغة

تقوم الحكومات في المنطقة بتزييت آلة الشركات الناشئة، فهل يكفي ذلك؟ (الصورة من mikehoolboom)

لكي يصبح لروّاد الأعمال تأثيرٌ كبيرٌ على صعيد إيجاد فرص العمل والنموّ الاقتصاديّ، يجب ألّا يكتفوا بإطلاق شركاتهم وحسب بل ينبغي أن يوسّعوها أيضاً. من جهةٍ ثانية، بدأت تشريعات العمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالتحسّن مع ما تشهده من إصلاحاتٍ تركّز على تسهيل البدء بمشروعٍ ما. وفي كلّ الأحوال، للوصول إلى النتائج المرجوّة من السياسات الصديقة لريادة الأعمال كتحقيق النموّ الاقتصاديّ والابتكار وإيجاد فرص العمل، ينبغي أن يلتفت صنّاع القرار إلى أولوّيةٍ ثانيةٍ تتمثّل بالتحدّي الثاني وربّما الأصعب الذي يواجه الشركات الناشئة: توسيع النطاق، والنموّ، والدخول إلى أسواق جديدة.

وفقاً للتقرير السنوي عن أنشطة الأعمال Doing Business Report الذي ينشره البنك الدولي، قامت الحكومات في المنطقة بإصلاحاتٍ اقتصاديةٍ ناهز عددها المئتَين منذ عام 2008. أكثر هذه الإصلاحات، أي 173 منها أو ما نسبته 87%، كان له أثرٌ إيجابيٌّ (على الورق أقلّه) على بيئة الأعمال. ومن الإيجابيات أنّ 37 من الإصلاحات، أو 21% منها، هدفَ لتسهيل الأنظمة الخاصّة بالأعمال.

وبعبارةٍ أخرى، فإنّ خُمس الإصلاحات الاقتصادية العشر التي مرَّت منذ عام 2008 ركّز مباشرةً على إطلاق الشركات. وهذا يعني أنّ صنّاع القرار في المنطقة يميلون إلى التركيز على تسهيل عملية التحضير للشركة الناشئة، أكثر من تحسين العوامل الأخرى المهمّة لممارسة الأنشطة التجارية في بلدانهم. وتركيز صنّاع القرار على عملية التأسيس، يدلّ على الوعي المتزايد حول المسيرة الريادية.

يبيّن الرسم البيانيّ أدناه أنّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قريبةٌ من متوسّط الأداء العالميّ في هذه الفئة. وبحسب البنك الدولي، يوجد تركيزٌ على تسهيل عملية إطلاق الشركات، لأنّ تسهيل التسجيل والترخيص يبشّر روّاد الأعمال والاقتصاد ككلّ بالخير. كما أفادت أدلّةٌ من دراساتٍ أخرى للبنك الدوليّ أنّ تسهيل القوانين المتعلّقة بإطلاق شركة، يؤدّي إلى زيادة عدد الشركات الجديدة وبالتالي خلق المزيد من فرص العمل وتعزيز إنتاجية القطاع الخاصّ.

تحليل الإصلاحات المتعلّقة بالأعمال في المنطقة منذ عام 2008. (الإحصاءات من تقرير البنك الدولي عن أنشطة الأعمال)

ضرورة التوسّع

مع ذلك، يوجد الكثير ممّا ينبغي القيام به. فلكي تنمو الشركة، يجب أن يوضع تسهيل التوسّع على رأس الأولويّات المقبلة وألّا يقتصر الأمر على تسهيل الإطلاق وحسب. في تقريرٍ لنا صدر عام 2014، وجد "مختبر ومضة للأبحاث" Wamda Research Lab أنّ ما يصل إلى 60% من الخبراء في ريادة الأعمال في المنطقة يقولون إنّ صعوبة توسيع النطاق هي التحدّي الأكبر الذي يواجه الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. هذه العملية لا تتوقّف على تسهيل إنشاء الشركات وحسب، بل تشمل أيضاً التأكّد من أنّ الشركات يمكن أن تحصل على الموارد التي تحتاجها للنموّ. ومن الأمور التي ما زالت المنطقة متأخّرة بها، تلك الفئات التي تتعلّق بالشركات الناشئة سريعة النموّ، مثل: التجارة عبر الحدود، والحصول على الائتمان، وتنفيذ العقود، وحماية المستثمِرين.

تشير بعض النتائج الواردة في الأبحاث التي تقوم بها برامج تركّز على ريادة الأعمال، مثل "إنديفور إنسايت" Endeavor Insight والبروفسور دانيال أيزنبرج وسواهما، إلى أنّ عدداً صغيراً من الشركات الناشئة يحصد حصّةً غير متكافئةٍ من النموّ والتوظيف والابتكار. وفي المحصّلة، إنّ تحديد هذه المؤسَّسات المعيّنة ودعمها أكثر أهمّيةً بالنسبة للاقتصاد من عدد الشركات المسجّلة حديثاً.

وهذا الجهد يتطلّب تجنّب سوء الفهم الشائع بأنّ زيادة الشركات الجديدة سيؤدّي تلقائياً إلى المزيد من الشركات ذات النموّ المرتفع. وتشير دراسةٌ حديثةٌ عن هذا الأمر في البيئة الحاضنة للشركات الناشئة في الولايات المتّحدة، إلى تحذيرها بصراحةٍ من هذه السياسات التي ترعى عدداً كبيراً من الشركات الناشئة بدلاً من تحديد الشركات ذات الإمكانات المرتفعة. فالمشروع الجديد الصغير يوجد ما بين 20 و30 فرصة عملٍ جديدةٍ، في حين أنّ الشركات الصغيرة والمتوسّطة ذات النموّ المرتفع توجد ما معدّله 200 فرصة عملٍ جديدة. وفي البلدان ذات الدخل المنخفض أو المتوسّط، فإنّ النوع الثاني من الشركات يشكّل عاملاً حاسماً في حلّ أزمة التوظيف، وقد أثبتَت هكذا توجّهات صحّتها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. من جهتها، نشرَت "إنديفور إنسايت" عام 2015 نتائج لدراساتٍ أظهرَت أنّ الشركات التي تتمتّع بنموٍّ في الوظائف بنسبة 20% تمثّل 9% فقط من الشركات في الأردن، وعلى الرغم من ذلك فهي تستحوذ على أكثر من 50% من الوظائف في البلاد.

في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على وجه التحديد، تشير هذه الحقيقة تشير إلى ضرورة أن يحدّد صنّاع القرار ما الذي يريدون تحقيقه من وراء دعم ريادة الأعمال في بلدانهم. فإذا كان الهدف النهائيّ ببساطةٍ هو إنشاء شركاتٍ جديدة، فإنّ الجهود لإصلاح السياسات تسير على الطريق الصحيح. أمّا إذا كانَت الرؤية تكمن في الوصول إلى خلق فرص العمل على مستوياتٍ أعلى والقدرة على المنافسة، فيجب إعادة النظر بأكثرية المعادلة.

المضيّ قدُماً

أصبحَت ممارسة الأعمال أسهل عموماً، أقلّه على الورق، وفي كلّ بلدان المنطقة تقريباً. وبالرغم من ذلك، لا يزال الأمر يتطلّب الكثير من العمل لضمان تنمية روّاد الأعمال لشركاتهم بعد إطلاقها.

وفي حين يجب أن تكون عملية التسجيل والترخيص سلسةً، فإنّ القدرة على التحرّك عبر الحدود، والعثور على المواهب والشركاء والمستثمِرين، تشكّل كلّها عناصر أساسية في معادلة التوسّع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وبالتالي، يتعيّن على صنّاع القرار أن ينظروا إلى هذه العوامل كعناصر هامّة في أي جهودٍ يبذلونها لخلق مزيدٍ من فرص العمل ولإيصال بلدانهم إلى الازدهار.

 

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة