'يميكسيبيتي': مسار شاقٌ وطويل انتهى بـ589 مليون دولار‎

اقرأ بهذه اللغة

نفزت آيدن سعيد في مكاتبه في إسطنبول. (الصورة من Yemeksepeti)

شعر والدا نفزت آيدن بالارتياب حين أخبرهما بعودته إلى تركيا، من دون إجازة الماجستير التي كان قذ ذهب إلى سان فرانسيسكو ليحصل عليها. فهو رغم الدروس القليلة المتبقية من الفصل الدراسي، قال لهما إنّه يرغب بالعودة إلى دياره وإطلاق تجارة لتوصيل الطعام عبر الإنترنت.

"قلتُ لهما إنه الوقت المناسب، وإنني أملك الدافع، وإنني لو انتظرتُ فصلًا آخر، قد لا أشعر بالأمر ذاته،" كما يقول آيدن الذي يشير إلى أنّ والديه كانا حينها يجهلان ما هو الإنترنت، غير أنّ ثقتهما بابنهما فاقت، ومن دون شكّ، افتقارهما للمعرفة.

 أمّا اليوم، فقد زال ذلك الارتياب ومضى بعيداً. فالشابّ الذي لم يُحصل إجازته بعد، باع شركته لتوصيل الطعام عبر الإنترنت مقابل 589 مليون دولار أميركي، وهذا ليس بالأمر السيء مطلقاً.

فكرة الشركة المنسوخة

بالرغم من أنّ "يميكسيبيتي" Yemeksepeti كان الموقع الإلكتروني الأول في تركيا لتوصيل الطعام، إلاّ أنّ فكرته كانت منسوخةً، كما يصفها آيدن. فهو راح يتصفّح في الولايات المتّحدة العشرات من مواقع توصيل الطعام عبر الإنترنت، ويعمل على تصميم النموذج المثالي الذي من شأنه يحقّق نجاحاً في وطنه، كموقع "سيملس" Seamless الذي شكّل مصدر إلهامه.

ويقول آيدن إنّ "هذه المواقع قد تُحمِّل المستخدِم النفقات الإضافية أحياناً، في حين يتحمّلها المطعم أحياناً أخرى، أو قد تشترط استعمال بطاقة ائتمان، في حين أنّ مواقع أخرى لا تمتّ للتوصيل بأي صلة. ولكن في النهاية، تلاقت النماذج المختلفة، وأطلقنا ما أصبحنا نستعمله منذ 15 عاماً."

غنائم "يمكسيبيتي" في حربها ضمن قطاع توصيل الطعام. (الصورة من لوسي نايت)

مسارٌ طويلٌ نحو النجاح

لم يأخذ آيدن وشريكه في التأسيس مليه أوديميس أي راتب لنفسهما لمدّة أربع سنوات، إذ استعملا الأموال التي حصّلاها لتحسين نموذج الأعمال. وبهذا الشأن يقول آيدن: "لم يكن في جعبتنا مبلغ من المال نبدأ به، وأتذكّر أنني كنتُ أجلس على مكتب خدمة الزبائن وأجيب بنفسي على الهاتف، لقد قمت بكلّ شيء."

زادت الأزمة الاقتصادية التي ضربت تركيا في عامي 2000 و2001 الأمور سوءًا، في حين كانت أنظمة دعم الشركات الناشئة نادرةً في أوائل عام 2000، وهي لا تزال كذلك حتّى اليوم. وعن النقص في رأس المال المخاطر وشبكات المستثمرين التأسيسيين، يقول آيدن "لم يسمع أحد بها قبل 15 عاماً، وقد عانينا لخمسة أعوام."

"أعتقد أنّ الجزء الأصعب كان محاولة تغيير طريقة الأفراد في التفكير وطلب الوجبات، استغرقنا الأمر خمسة أعوام لترسيخ الأفكار،" وفقاً لهذا الرائد التركي.

 في فترة انطلاقهما، كان انتشار الإنترنت لا يزال ضيّقًا في تركيا ولم تكن تضم الشبكة سوى نحو مليوني مستخدم. ولكن حتى اليوم، لا يزال التفاوت بين الطلبيات المباشر والطلبيات عبر الإنترنت، وفقاً لآيدن، كبيرًا، إذ يسجّل الأوّل نسبة 85% مقابل 15% للثاني.

بحلول عام 2012، بات لديهما مليون ونصف مليون مستخدم وثمانية آلاف مطعم مندرج على الموقع في تركيا والإمارات العربية المتّحدة وروسيا، وكانت تُسجّل يومياً خمسون ألف طلبية. وفي في العام نفسه، حصلا على تمويل بقيمة أربع وأربعين مليون دولار أميركي، وباتت حلقة انتشارهما تتسّع أكثر وأكثر في منطقة الشرق الأوسط.


الرجل الذي يركض على سقف مكتب "يميكسيبيتي" الرئيسي يرحّب بكم.

التعلّم من الأخطاء

من دون أن يبتعد آيدن في تفكيره عن أسلوب رؤوس الأموال المخاطرة في "وادي السيليكون" Silicon Valley، تعلّم درسه من خلال التوسّع إلى بلدان تبعد أكثر من ثلاث ساعاتٍ بالطائرة. وتعلّم أيضًا أنّ دولةً لا تبعد سوى ثلاث ساعات فقط قد تكون أشبه بعالم آخر، عندما يتعلّق الأمر بالنشاطات عبر الإنترنت.

فكلّ دولةٍ "تتطلّب ظروفاً محلية مختلفة لتحقيق تجارة ناجحة،" حسبما يقول، مؤكّداً أنّه "خلال التوسّع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا بدّ من توظيف عمّال على الأرض للاطّلاع على التقاليد." لم يخلُ الانتقال إلى أسواق جديدة من خيبات الأمل، وفقاً لآيدن، فمواقع توصيل الطعام عبر الإنترنت وآلياتها ليست كـ"تويتر" و"فيسبوك". إنّما تختلف من حيث خبرة المستخدم وعلاقاته وإرضاء العميل، وهذا ما يميّز المنتَج من بلد إلى آخر.

التحدي الأكبر برز في روسيا التي عملا فيها لعام كامل قبل مغادرة البلاد. وعن تلك المرحلة، يقول الرائد التركي: "قررنا في تلك المرحلة أن نصبّ كامل تركيزنا على الإمارات العربية المتحدة،" ونجحا في ذلك فعلاً، إذ أنّ موقع "يميكسيبيتي" كان رائداً في مجال توصيل الطعام عبر الإنترنت في سوق الإمارات العربية المتحدة، قبل استحواذ شركة "دليفري هيرو" عليه.

وفي حديثه حول كيفية دخول سوق جديد، يقول إنّ "على الشركة الناشئة أن تنتظر حصولها على ما يكفي من السيولة، أو لا بدّ لها أن تتواصل مع مستثمر استراتيجي يموّل توسّعها ويساعدها." وهذا تحديدًا ما قام به موقع "يميكسيبيتي": فإن وُجدت في المنطقة شركة تقوم بمثل ما تقوم به أنت، أدخل إلى السوق عن طريق الاستحواذ واستثمر في تلك الشركات بدلًا من أن تبدأ من الصفر.

الصفقة الكبرى

وفي شهر أيار/مايو من هذا العام، استحوذت شركة "دليفري هيرو" على موقع "يميكسيبيتي" مقابل مبلغ وقدره 589 مليون دولار أميركي. يُشار إلى أنّ شركة "روكيت إنترنت" الألمانية هي أكبر المساهمين في شركة "دليفري هيرو"، وهذه الأولى شركة عالمية لتوصيل الطعام عبر الإنترنت (تحت اسم "فود باندا" في الأسواق الآسيوية والأوروبية) تسعى إلى الاستحواذ على كلّ ما يُعتبر منافساً لها.

وفي الواقع، كثيرة هي العروض التي تقدّمت إلى موقع "يميكسيبيتي" ساعيةً إلى استحواذه أو بناء شراكة معه، إلا أنّ مؤسِّسَي الموقع انتظرا اللحظة المناسبة والشريك المناسب؛ شريكٌ يتناسب واستراتيجية الموقع ورؤيا نموّه. "ومع ‘دليفري هيرو‘وجدنا ذلك الخطّ المشترك،" على حد تعبير آيدن.

وفي حين يواصل موقع "يميكسيبيتي" تقدّمه مع المالك الجديد، سيبقى آيدن في منصبه كرئيس تنفيذي، وسيشارك في إدارة "دليفري هيرو" وسيساهم في توسّع الشركة العالمي.

لن تعرف الشركة تباطؤاً طبعاً، فمع تغيّر عالم توصيل الطعام واتّجاهه نحو الطلب الإلكتروني، يعبّر آيدن عن تفاؤله بأنّ إعداد وجبات الطعام لن يكون بعد الآن ضرورةً إنّما متعة. ويقول: "أحبّ الطعام كثيراً، وما شعرتُ به منذ 15 عاماً ما زلتُ أشعر به الآن."

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة