دعم المناطق الشبيهة بوادي السيلكون في المنطقة أكثر من ضرورة

اقرأ بهذه اللغة

مؤيّد مخلوف هو مدير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "مؤسَّسة التمويل الدولية" IFC. وهو يتولّى المسؤولية عن الاستثمارات والبرامج الاستشارية لمؤسّسة التمويل الدولية في أكثر من 20 بلداً، لدعم مشاريع التنمية الاقتصادية التي يقوم لها القطاع الخاصّ. وفيما يلي، يشرح لماذا يحتاج القطاعان العام والخاصّ إلى دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة في المنطقة.

عندما اشترى مستثمرٌ أجنبيٌّ شركة الإنترنت الكويتية الخلّاقة، "طلبات" Talabat، في وقتٍ سابق من هذا العام، مقابل 170 مليون دولار، اجتاحَت قطاع التكنولوجيا في المنطقة موجةٌ من الاحتفال والتفاؤل.

فقد سلّطَت هذه الصفقة الضوء على الإمكانيات الهائلة التي تتمتّع بها الشركات الناشئة في المنطقة، ما ولّد في رواد الأعمال والمستثمرين حسّاً من الفرحة والأمل بالمستقبل.

غير أنّ هذا الاستحواذ كان الأوّل من حجمه منذ عام 2009 عندما اشترَت "ياهو" Yahoo! أحد أكبر المواقع الإلكترونية في المنطقة، "مكتوب" Maktoob. وكان من المفروض آنذاك أيضاً لتلك الصفقة أن تبشّر ببداية حقبةٍ جديدةٍ لقطاع التكنولوجيا، لكنّ تلك الحقبة لم تتبلوَر بالكامل بعد. 

مجموعة من الروّاد يناقشون التحدّيات التي تواجه مشاريعهم، خلال فعالية "ميكس أن منتور" التي نظّمَتها "ومضة" في القاهرة. (الصورة من محمد عيسى/ مكتبة صور في "مؤسَّسة التمويل الدولية")

لقد برهَنَتْ "طلبات"، وهي خدمةٌ إلكترونيةٌ لتوصيل الطعام، أنّه بإمكان الشركات الناشئة المحلّيّة أن تحقّق نجاحاً كبيراً. إنّما السؤال الذي يطرح نفسه الآن على صنّاع السياسات ومجتمع الأعمال هو: كيف يمكن تكرار هذا النجاح بوتيرةٍ أكبر؟

خلال العقد المنصرم، انبثقَت مناطق شبيهةٌ بمنطقة وادي السليكون في كلّ مكانٍ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد ولّدَت بؤر الابتكار التكنولوجي هذه، المتوزّعة في أماكن مثل دبي ولبنان والأردن ومصر وتونس والمغرب، ابتكاراتٍ لا تُعدّ ولا تُحصى من تطبيقاتٍ للهواتف الذكية ومواقع إلكترونية وألعاب فيديو.

ولكن، لم يُقلع قطاع التكنولوجيا هنا جيداً بعد، كما فعل في أماكن أخرى من العالم. ذلك أنّ الشركات الناشئة التكنولوجية، شأنها شأن معظم المؤسَّسات التجارية الصغيرة هنا، تواجه عدداً هائلاً من التحدّيات. فهي غالباً ما تناضل لتجذب المستثمِرين وتحصل على القروض وتجد ذوي المواهب وتحمي رأسمالها الفكري. وفي الواقع، يفشل الكثير من روّاد الأعمال الأذكياء، ليس لأنّ أفكارهم سيئة، بل لأنّ دول المنطقة، وبالأخص غير الخليجية منها، لا تتحلّى بنُظم الدعم الملائمة.

النضال لإيجاد التمويل

يقول البعض إنّ مساعدة الشركات الصغيرة والمتوسّطة الحجم في الحصول على القروض وغيرها من أشكال التمويل، يجب أن يكون من أكبر أولويات المنطقة. ووفقاً لتقديرات "مؤسَّسة التمويل الدولية" IFC، تشكّل الشركات الصغيرة والمتوسّطة الحجم أغلبية المؤسَّسات التجارية في المنطقة، غير أنّها لا تحصل سوى على 8 بالمئة من مجمل قروض المصارف. وهذا ما يعني أنّ معظمها لن يتمكّن أبداً من الحصول على الدعم المالي الذي تحتاج إليه للازدهار. وقد كشفت إحدى دراسات "مؤسّسة التمويل الدولية" أيضاً، أنّ المؤسَّسات التجارية الصغيرة تحتاج بالإجمال إلى 62 ألف دولار إضافية لتزدهر، في حين أنّ المؤسَّسات التجارية المتوسّطة الحجم ينقصها بالإجمال 680 ألف دولار.

يمكننا تغيير ذلك عبر توجيه الدعم – المالي والتقني على حدٍّ سواء – إلى مصارف المنطقة ومؤسَّسات تمويل المشاريع الصغيرة فيها. وعبر الاستثمار في الجهات المقرضة، بإمكان المؤسسات الدولية مثل "مؤسَّسة التمويل الدولية" والجهات المستثمِرة الخاصّة، أن تزيد حجم رأس المال المتاح أمام روّاد الأعمال. كما يمكننا مساعدة المصارف على تحسين عملياتها الداخلية مثل إدارة المخاطر، ما من شأنه أن يحسّن نتائجها وأن يسمح لها ببلوغ المزيد من العملاء.

وبالإضافة إلى ذلك، يوجد أمام الحكومات دورٌ كبيرٌ تؤدّيه في هذه العملية. فمن الهامّ إنشاء بيئةٍ حاضنةٍ ملائمةٍ أو بيئةٍ ممكّنةٍ من أجل دعم روّاد الأعمال والشركات الناشئة وإعانتها.

ثمّة الكثير من المبادرات في المنطقة اليوم تشجّع على الأنشطة الريادية، وقد نما هذا العدد بشكلٍ كبيرٍ على مرّ العقد المنصرم، ولكنّ المبادرات وحدها لا تكفي لإحداث فرقٍ كبير. وهنا تدعو الحاجة إلى سياسةٍ واضحةٍ للابتكار، تضع آليّاتٍ لدعم المبتكِرين وروّاد الأعمال، على أن تتضمّن هذه الآليات دعماً على كلٍّ من المستويات الفنية والتجارية والقانونية والمالية.

وفي هذا السياق، تُعدّ حاضنات الأعمال بنىً هامّةً لتوفير الدعم. وقد شهدَت المنطقة انتشاراً لهذه الحاضنات، غير أنّ نتائجها لم تكن متساويةً في كلّ مكان.

وفي الوقت عينه، تحتاج المنطقة إلى المزيد من رؤوس الأموال المُخاطِرة التي تشكّل شريان حياة معظم الشركات الناشئة. والآن، يُقدّر حجم رؤوس الأموال المُخاطِرة والتي تديرها جهاتٌ محترفة بـ420 مليون دولار في المنطقة، وهو مجموع ازداد خمسة أضعافٍ على مرّ الأعوام الخمس الأخيرة.

من جهةٍ ثانية، وإلى جانب رؤوس الأموال المخاطرة، نحتاج إلى مؤسَّساتٍ مخصّصةٍ لدعم روّاد الأعمال. فهذه الجمعيات غالباً ما تكون مدعومةً من شركاتٍ خاصّةٍ قادرةٍ على توفير الإرشاد الذي يشكّل عاملاً بالغ الأهمية لنجاح الشركات في أولى مراحلها. وقد شهدنا على زيادةٍ حادّةٍ في عدد هذه المنظّمات في الأعوام الأخيرة، من بضع عشرات في عام 2007 إلى أكثر من 140 اليوم، وذلك تقدّمٌ واعدٌ للغاية. 

المبادرات التنظيمية، مثل "واحة دبي للسيلكون" الحكومية، يمكنها أن تقطع شوطاً طويلاً في تسهيل التجارة الحرّة وريادة الأعمال في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. (الصورة من Emirates 247)

تثقيف روّاد الأعمال

التثقيف مفتاحٌ آخر أيضاً، إذ تنبثق المراكز التكنولوجية عادةً بجانب الجامعات ومراكز البحوث العالية المستوى. فمنطقة وادي السليكون، مثلاً، التي تمثّل قلب العالم التكنولوجي، كان لها علاقة تكافلية مع جامعة ستانفورد Stanford University في أوّل أيّامها.

وفي الوقت عينه، نحتاج إلى التشديد أكثر على أهمّية برامج التدريب الفني. إذ نجد في كافّة أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، دمغةً ترافق الشهادات الجامعية، غير أنّ خريجي الجامعات غالباً ما يجدون أنفسهم عاطلين عن العمل لأنّهم يفتقدون إلى المهارات الفنّية التي يطلبها أرباب العمل.

وفي الواقع، تقول شركات تكنولوجيا المعلومات إنّ إحدى أكبر مشاكلها تكمن في إيجاد عاملين يشغلون المناصب الشاغرة لديها. وبالتالي، عبر تشجيع انتشار المدارس الفنية، وبالأخصّ تلك التي يقودها القطاع الخاصّ، يمكننا تعزيز فرص عمل الشباب وتزويد قطاع تكنولوجيا المعلومات بالعاملين الذين يحتاج إليهم.

تمهيد الطريق التنظيمية

وأخيراً، نحتاج إلى نظامٍ يدعم المؤسَّسات التجارية القائمة على المعرفة، وحقوق الملكية الفكرية تشكّل هنا مفتاحاً أساسياً. فمن دون هذه الأخيرة، لا يمكن لأيّ شركةٍ تكنولوجية الصمود. وفي الوقت نفسه، على الحكومات أن تسهّل تدفّق الأفكار والمنتَجات بين الحدود، وهو أمرٌ غالباً ما تتبيّن صعوبته في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تشكّل إحدى المناطق الأقلّ تكاملاً في العالم من الناحية الاقتصادية.

ولكن لفعل ذلك، تشكّل هنا مناطق التجارة الحرّة طريقةً ممتازة من أجل هذا الأمر. "واحة السيلكون" Silicon Oasis في دبي، التي تملكها الحكومة، خير مثالٍ على منطقةٍ تجاريةٍ تشجّع ريادة الأعمال. فهذه الأخيرة تقدّم خدماتٍ تشمل توفير الإرشاد لروّاد الأعمال، والدعم لحقوق الملكية الفكرية، وإنترنت فائق السرعة؛ وقد ساعدها كلّ ذلك على جذب أهمّ الجهات في عالم التكنولوجيا، ومنها "وسترن ديجيتال" Western Digital و "فوجيتسو" Fujistu.

على المسؤولين أيضاً أن يناصروا سَنّ تشريعاتٍ تسهّل على الشركات الصغيرة والمتوسّطة الحجم تأسيسَ مؤسَّساتها، والحصول على التراخيص، والحصول على الحماية من الدائنين. وبإمكان هذه التغييرات، التي غالباً ما يكون من السهل جدّاً سنّها، أن تحدث أثراً هائلاً في الاقتصاد. وليسَت بصدفة أنّ دول الخليج، التي تتّسم قوانينها بأنّها الأكثر دعماً للشركات الصغيرة والمتوسّطة الحجم، لديها أكثر القطاعات حيوية.

أسبابٌ كثيرةٌ تدفع للتفاؤل بمستقبل قطاع تكنولوجيا المعلومات في المنطقة.

فأكثر من نصف سكان المنطقة متّصلون بالإنترنت، وسيفوق إجمالي عدد مستخدِمي الإنترنت مئتَي مليون بحلول عام 2017، ما سيوجِد جمهوراً من المستهلكين والعاملين اللازمين لازدهار اقتصاد المعرفة. وفي هذه الأثناء، تقدّر شركة البحوث "جارتنر" Gartner أنّ قيمة الإنفاق على التكنولوجيا، بما فيها خدمات الاتّصالات، سوف تفوق 215 مليار دولار هذا العام في المنطقة.

لا شكّ أنّ قطاع التكنولوجيا في المنطقة آخذٌ في التقدّم، ولكن بالمزيد من الدعم، يمكننا مساعدته على الإزدهار وتوفير فرص العمل المُجزية وذات الرواتب الجيدة التي يتعطّش إليها الكثيرون.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة