كيف استطاعت هذه الشركة الناشئة اللبنانية أن تطلق عملاً 'كالعسل'؟

اقرأ بهذه اللغة

في قلب منطقة الأشرفية في العاصمة اللبنانية بيروت، يوجد متجَرٌ صغيرٌ مليء بالرفوف التي تحوي جرار العسل.

"آتولييه دو مييل"  L'Atelier du Miel [أي ‘مشغل العسل‘]، هو اسم هذا المتجَر [البوتيك] وأيضاً اسم فريقٍ من روّاد الأعمال اللبنانيين الذين يريدون وضع العسل اللبنانيّ على الخارطة.

طريقة الاعتماد على ‘الارتحال الموسيمي‘ transhumance تسمح لهذا المتجربتقديم أكثر من 30 نوعاً مختلفاً من العسل. (الصورة من L'Atelier du Miel)

في الوقت الحالي، يعمل كلٌّ من المؤسّس رالف بو ناصيف وشركاؤه في التأسيس، أخوه مارك أنطوان وصديقه ربيع طرابلسي، على إدارة نحو ألف خلية نحلٍ محلّيّة تنتشر في أرجاء لبنان من عكّار شمالاً إلى صيدا جنوباً.

وهذه الخلايا التي تنتج قرابة 15 طنّاً من العسل سنوياً، تضع "آتولييه دو مييل" بين كبار المنتِجين في لبنان، وربّما تجعله الأكثر تنوّعاً في إنتاجه.

يقول بو ناصيف "إنّنا نقدّم أكثر من 30 نوعاً مختلفاً من العسل، ونعمل على منح زبائننا تجربةً فريدةً لناحية العسل في البوتيك لدينا."

كيف بدأت القصّة

مع خليّة نحلٍ واحدةٍ، انطلق عمَل المؤسّسين الذين كانوا يعملون في وظائف مكتبيةٍ في الوقت نفسه (كان بو ناصيف يعمل كاستشاريٍّ في شركة "بوز أند كومباني" Booz & Company في بيروت. وعن هذا الأمر يقول بو ناصيف: "أردنا تعلّم حرفةٍ نعمل بها في الطبيعة."

وبعد مراقبة مربّي النحل، وقراءة الكثير من المجلّات العلمية، تعلّم المؤسّسون الذين لم يكونوا يعرفون شيئاً عن تربية النحل هذه الحرفة.

يدير الفريق نحو ألف خلية نحلٍ تنتشر في أرجاء لبنان.

يضيف بو ناصيف: "لاحظنا أنّ الكثير من مربّي النحل في لبنان لا يمارسون المهنة وفق ما درسناه، ولذلك كنّا أمام خيارَين: إمّا التعلّم من مربّي النحل اللبنانيين والاستمرار في بعض العادات التي تتضمّن أخطاء، وإمّا نأخذ فقط الممارسات الجيدة ثمّ نسافر لنتعلّم من المربّين المحترفين في الخارج؛ وهذا ما فعلناه."

وبعد ذلك، قام الثلاثيّ بتدريبٍ لفترةٍ قصيرةٍ في فرنسا حيث عثروا على شريكٍ فرنسيٍّ علّمهم الطرق الصحيحة لتربية النحل. وبالتالي، بدأوا بتشغيل خلايا النحل الخاصّة بهم.

عام 2012، حصل الفريق على تمويلٍ بقيمة 12 ألف دولارٍ أميركيٍّ من "كفالات" Kafalat، لافتتاح متجَرهم ولتغطية "نفقات تصنيع العسل." وعلى الإثر، لم يستغرقهم الأمر أكثر من عامٍ واحدٍ و30 خلية نحلٍ ليصلوا إلى نقطة التعادل وتسديد القرض.

وفي هذا الصدد، يقول بو ناصيف إنّه "خلال العام الأوّل، أنتَجنا نحو 450 كيلوغراماً من العسل، أي ما يوازي ألفاً إلى 1200 جرّة." ومنذ ذلك الحين، بدأ هذا العمل بالازدهار.

كيف فعلوا ذلك؟

"لقد اتّبعنا طريقةً علميةً تُسمّى ‘ترانشيمونس‘ transhumance [أي الارتحال الموسميّ]، حيث نقوم بنقل خلايا النحل طوال العام [من مكانٍ إلى آخر] لتتبّع الأزهار المتفتّحة، وبالتالي يحصل النحل على موارد طبيعيةٍ على مدار العام." يقولها بو ناصيف مشيراً إلى أنّه "بهذه الطريقة، لا نحتاج إلى إطعامهم السكّر، كما يفعل العديد من مربّي النحل هنا."

بدوره، يقول أستاذ تربية النحل في "الجامعة الأميركية في بيروت" AUB، رامي علّيق، إنّه يتوجّب على المربّين الذين يدّعون إنتاج العسل الطبيعيّ عدم تغذية النحل بالسكّر. ويضيف أنّ "العسل الأصليّ هو العسل الذي يتمّ إنتاجه كلّيّاً من قبل النحل دون أيّ تدخّلٍ من المربّين، على عكس العسل المغشوش الذي يتدخّل الناس في إنتاجه."

وبالإضافة إلى ذلك، للحصول على تنوّعٍ في العسل ينبغي الوصول إلى أنواعٍ مختلفةٍ من الأزهار المتفتّحة. ووفقاً لعلّيق، فإنّ "لبنان هو المكان الأمثل لهذه الطريقة [‘ترانشيمونس‘]. ففي هذا البلد الصغير، لدينا تنوّع في المرتفعات والمواسم ويمكن العثور على الأزهار على مدار العام."

التحدّيات

قد يكون مسار "آتولييه دو مييل" مشابهاً للكثير من القصص الناجحة، ولكنّ الفريق ما زال يجابه المفاهيم الخاطئة. فيقول بو ناصيف إنّ "الناس لديهم الكثير من المفاهيم الخاطئة بشأن العسل في لبنان."

"وعلى سبيل المثال، يعتقدون أنّ العسل ينبغي أن يكون سائلاً وليس جامداً بعض الشيء. وإذا كان كذلك، يظنّون أنّه يحتوي على السكّر، عداك عن كثيرٍ من المفاهيم الخاطئة الأخرى. ولذلك قرّرنا تثقيف زبائننا."

"نقوم بنقل خلايا النحل طوال العام [من مكانٍ إلى آخر] لتتبّع الأزهار المتفتّحة، وبالتالي يحصل النحل على موارد طبيعيةٍ على مدار العام."

على الرغم من مواجهة الفريق لبعض الرفض من عملائهم، إلّا أنّ الأمر لاقى قبولاً بالإجمال حيث بيعَت دفعتهم الأولى من العسل "على الفور تقريباً."

"تفاجأ الناس كثيراً في البداية،" على حدّ تعبير بو ناصيف الذي يلفت إلى أنّهم "اعتادوا السؤال ‘هل أنت واثقون ممّا تفعلون؟‘ ومن ثمّ قرأوا عن الأمر على الإنترنت. حتّى أنّهم سألوا عن فحوصاتٍ مخبرية [للعسل]، وهذا ما كنّا على استعدادٍ لعرضه عليهم."

هذه الفحوصات المخبرية تُعتبَر جزءاً أساسياً من عملية اختبار العسل لدى الفريق، خاصّةً وأنّه يستورد عسلاً من ألف مربٍّ تقريباً في الخارج وأكثرهم في فرنسا. فهؤلاء يؤمّنون ما يساوي نفس كمّية العسل التي ينتجها الثلاثيّ تقريباً في لبنان.

ويقول بو ناصيف هنا "إنّنا نقتفي أثر العسل، بحيث يجب ألّا يحتوي على السكّر ولا على المبيدات الحشرية ولا على المضادّات الحيوية. أمّا القسم الثاني، فهو يشمل اختبار معايير العسل."

وللعسل معايير محدّدة بحسب أنواعه، إذ ينبغي أن تتراوح مستويات الجليكوز من 30 إلى 40 بالمئة، والفركتوز من 20 إلى 30 بالمئة، كما يقول علّيق. ويضيف هذا الأخير أنّ "العسل الأصليّ هو الذي تشكّل الماء منه من 17 إلى 25 بالمئة، والسكروز أقلّ من 5 بالمئة، ودرجة الحموضة PH من 3.4 إلى 4.5."

من جهةٍ ثانية، يوجد تحدّياتٌ أخرى تتمثّل بكون إنتاج العسل مكلفٌ وعوائده منخفضة.

يشير بو ناصيف إلى أنّ "لبنان ليس دولةً زراعية، فهو ليس كفرنسا التي يوجد فيها حقولٌ من الخزامى lavender التي تمتدّ على 200 كيلومتر." ونتيجةً لذلك، فإنّ "خليّة النحل الواحدة في لبنان تنتج أقلّ بكثيرٍ من خلّيةٍ في الخارج." ولذلك، تقوم الشركة بإنتاج منتَجاتٍ أخرى مثل المُربّى في سبيل زيادة الإيرادات.

بالإضافة إلى ما سبق، تشكّل السياسات تحدّياً آخر.

"لسوء الحظّ، ليس لدينا في لبنان سياساتٌ لحماية الطبيعة،" كما يقول بو ناصيف، مضيفاً أنّه "في الحازمية، قرّر رئيس البلدية قطع جميع الأشجار. حاولنا التواصل مع البلدية لإقناعهم بسوء الأمر ولكنّهم لا يعلمون بذلك، كما أنّه لا يوجد سياساتٌ لحماية مثل هذه المناطق."

ضعف المنافسة

يقول بو ناصيف الذي يلفت إلى أنّ عدداً قليلاً من مربّي النحل في لبنان يعتمدون طريقة "تراشيمونس" [الارتحال الموسميّ]، إنّه يشجّع الآخرين على إنتاج العسل؛ فإذا كان يتوافق مع معايير "آتولييه دو مييل"، سوف يشترونه منهم.

من جهةٍ أخرى، على الرغم من تلقّي الفريق لعروضٍ من الخارج، إلّا أنّهم ليسوا مستعجلين لتوسيع أعمالهم، على حدّ قولهم. فبحسب رالف، "لقد طُلِب منّا تصدير منتَجاتنا إلى بلدان مختلفة مثل دول مجلس التعاون الخليجي وفرنسا وصولاً إلى اليابان في أقصى الشرق، ولكنّ الربح السريع ليس هو ما نتطلّع إليه."

 

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة