برامج التبادل تولّد صناع تغيير في العراق؟

اقرأ بهذه اللغة

على مرّ السنوات العشرة الماضية، سافر حوالي ثلاثة آلاف شابٍّ عراقيٍّ في برامج لتبادل الطلاب تموّلها حكوماتٌ أجنبية، والأفضل بين هؤلاء الشباب هم من يدفعون بالعجلة الريادية في البلاد إلى الأمام.

في حين لعب مهاجرون عراقيون أمثال مرتضى التميمي صاحب "فكرة سبايس" ،Fikra Space وبلال غالب من "جمسي" GEMSI، وقطر الندى حسن وعلي الحلّي، دوراً محفزاً عبر إطلاقهم حركات ريادية، إلاّ أنّ العراقيين الذين لا يزالون في ديارهم هم الذين يدفعون هذه الجهود قُدُماً.

في عام 2003، أعادت عدّة حكوماتٍ أجنبيةٍ استحداث برامج تبادلها الثقافي في العراق، سواء كانت تَمنح في نهايتها شهادةً أو لا، للمرّة الأولى منذ عام 1990 حين كانت قد فُرضَت العقوبات على البلاد.

وتتضمّن هذه البرامج برامج عامة مثل برنامج "فول برايت" Fulbright، وبرنامج الهيئة الألمانية للتبادل الأكاديمي DAAD، وبرنامج "شفنينج" Chevening، البريطاني وبرنامج "إيراسموس" Erasmus من الاتّحاد الأوروبي، وبرامج أخرى خاصّة بالعراق مثل برنامج "تبادل القادة العراقيين الشباب" (IYLEP) الذي ترعاه حكومة الولايات المتّحدة، وبرامج تخصّ المنطقة مثل برنامج "شي أنتربرونور" SHE Entrepreneur الذي تديره الحكومة السويدية. 

ركنٌ للمبتكِرين في "فكرة سبايس" في بغداد. (الصورة من بلال غالب)

البرامج تلقى نجاحاً

كان حسين العزاوي، أحد منظّمي "ستارت أي ويك أند" Startup Weekend في الثلاثين من عمره، عندما اختير منذ ثلاث سنوات ليكون مرشداً راشداً لمراهقين عراقيين في برنامج "تبادل القادة العراقيين الشباب" (IYLEP).

ويقول لـ"ومضة" إنّه "مؤخّراً، "بدأنا نرى ونلحظ أنّ هذه البرامج بدأت تؤتي ثمارها. فمعظم الأنشطة التي تحصل في العراق الآن يقودها خرّيجو هذه البرامج القُدامى. برامج التبادل هذه تعطيك دفعةً لتكون [رائد أعمال]، فهي تبني مهارات القيادة والثقة لدى المشاركين فيها... وتشجّع الطلاب على التمسّك بأحلامهم والعمل جاهدين لتحقيقها".

فاتن الولي، مناصرة رائدات الأعمال الشابّات في العراق، والتي شاركت في عام 2009 في برنامج "شي أنتربرونور" الذي تديره السويد، تقول إنّ التجربة ساعدتها كثيراً عندما كانت تطلق شركتها.

وتضيف أنّه "بعد التخرّج من هذا البرنامج والتطوّع في تنظيم فعاليات وورش عملٍ تنهض بالعقلية الريادية، كنتُ محظوظةً لأنّني شهدتُ على ولادة عددٍ كبيرٍ من الشركات الناشئة، الأمر الذي أكسبني الكثير من الخبرة العملية بمشاهدتي لها والتعلّم من أخطائها وتحدّياتها، وذلك ساعدني كثيراً عندما أطلقتُ شركتي الناشئة".

إحداث التغيير

أيرين جيبسون التي أتَت إلى الكويت من خلال برنامج "فولبرايت"، شرحَت في بحثٍ أعدّته مؤخّراً عن التبادلات في العراق والأردن، قائلة إنّ المشاركين غالباً ما يتحلّون "بنفوذٍ اجتماعيٍّ واقتصاديٍّ وبشخصيةٍ قويّة، أي الخصال كافّة التي تخولهم إحداث أثرٍ كبيرٍ لدى عودتهم".

وحيدر الشاكري، 26 عاماً، خير مثالٍ على ذلك (الصورة).

الشاكري هو خرّيجٌ سابقٌ من برنامج "قادة الغد"Tomorrow’s Leaders  الذي أطلقته "مبادرة الشراكة الأميركية – الشرق أوسطية" (MEPI)، وهو حالياً المسؤول عن البرامج التنموية للسفارة السويدية.

ويقول الشاكري إنّ "ريادة الأعمال حتماً كانت تثير اهتمامي، وبعد التفكير مطوّلاً في الحالة برمّتها، قررتُ أنّه من الأفضل أن أركز على تحفيز الشباب. ولذلك أتطوّع دائماً لتنظيم أكبر عددٍ من الفعاليات ووُرَش العمل، وأحرص على أن تُحدِث هذه الفعاليات أكبر أثرٍ إيجابيٍّ ممكنٍ في المجتمع المحلّي".

يعمل الشاكري حالياً مع قائدٍ محلّيٍّ آخر هو ظافر حسن، على مشروعٍ لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) يُدعى "الابتكار للتنمية" Innovation4Development، لمساعدة روّاد الأعمال على بناء شركاتٍ ناشئةٍ في مراحلها الأولى.

وحسن الذي كان قد عاد إلى العراق بعدما حاز على شهادة الماجستير في السياسة العامة من "معهد التنمية الكوري"Korean Development Institute في كوريا الجنوبية، للعمل من أجل بعثة الأمم المتّحدة في بغداد، يقول إنّ البطالة كانت من أكبر وأخطر التحدّيات التي يواجهها العراق، وكان ذلك أمراً بإمكان روّاد الأعمال أن يُحدِثوا أثراً كبيراً فيه.

ويضيف أنّ "الناس يتفاعلون مع البطالة بطرقٍ عدّة؛ هناك من يتفاعلون معها تفاعلاً سلبياً فيتحوّلون من شبابٍ منتِجين إلى رجال ميليشيات مثلاً. وأمّا إذا وُجدَت البيئة الحاضنة المناسبة، فبإمكان أفرادٍ كثر أن يجدوا بدائل أفضل، وهنا يأتي دور ريادة الأعمال".

ويُذكر أنّ العراق من أكثر الدول شباباً في العالم، فوفقاً للبنك الدولي، 57% من سكان البلاد هم في سنّ العمل. ولكن، وفقاً للأمم المتّحدة، يبلع معدّل بطالة الشباب 3% وهو ما يساوي ضعف المعدّل الوطني الذي يبلغ 15%، وهو بعيد جداً عن معدل 4% الذي كانت تطمح الحكومة العراقية إلى بلوغه في عام 2015. وذلك لأنّ الاقتصاد غير قادرٍ على إنتاج ما يكفي من فرص العمل لتوظيف العراقيين الذين يدخلون سوق العمل كلّ عام، والذين يبلغ عددهم 450 ألف شخص.

تسليط الضوء على الفجوة

ما تقوم به هذه التبادلات هو تسليط الضوء على كبر التحدّي الذي يواجهه روّاد الأعمال الصاعدون وداعموهم في بناء البيئة الحاضنة العراقية.

وفي هذا الإطار، فإنّ سعد المؤمن، المحاضر في "جامعة بغداد"، ومؤسِّس "بغداد لايف" Baghdad Life، والذي ذهب إلى الولايات المتحدة في وقتٍ سابقٍ من هذا العام ضمن برنامج بعنوان "برنامج القيادة للزوار الدوليين" (IVLP)، يقول إنّ "الشركات الناشئة في العراق تحتاج بشدّة إلى حاضنات الأعمال ومسرّعات النمو. فعندما رأيتُ طرق الدعم هذه على الأرض، أدركتُ أهمّيتها والأثر التي يمكنها إحداثه أكثر".

هذا البرنامج الذي تموّله السفارة الأميركية في بغداد ركّز على تعريف المشاركين إلى البيئة الحاضنة التي تدعم روّاد الأعمال في واشنطن العاصمة وكولورادو ونيو هامبشاير ونيويورك.

وفي هذا الشأن، يضيف المؤمن قائلاً: "كنتُ أنا واحداً من عدّة عراقيين في منتصف حياتهم المهنية، سواء في مؤسَّسات خاصّة أو مناصب حكومية، وكنّا كلّنا متحمّسين لنطلق المشاريع فور عودتنا إلى العراق. ولكن، تماماً كما حصل مع خرّيجين آخرين من برامج تبادل أخرى، عدنا لنصطدم ببيئة العمل غير المساعدة وأدركنا كم من الصعب تطبيق ما تعلّمناه في ديارنا". 

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة