كيف تجذب ذوي المواهب وتحافظ عليهم؟ [رأي]

اقرأ بهذه اللغة

لا خلاف على أنّ الناس يشكّلون المكوّن الأهم في أيّ مشروع جديد. ومع انتشار الشركات الناشئة المعنية بالتكنولوجيا في المنطقة، غالباً ما يتبيّن أنّ إيجاد ذوي المواهب وجذبهم والحفاظ عليهم تحدٍّ كبير يواجهه روّاد الأعمال ويتوقف نجاحهم عليه.

 ومن الصعوبات في هذا الإطار، النقص الواضح في الأفراد عاليي الكفاءة، نظراً إلى استمرار هجرة الأدمغة إلى بلدان أخرى. 

التعرّف إلى ذوي المواهب وتوظيفهم والحفاظ عليهم تحدٍّ كبير للشركات الناشئة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. (الصورة من "إنجروبارتنرز" Engropartners)

لكنّ ذلك ليس كلّ شيءٍ وربّما ليس المشكلة الأكبر، فلربّما تشجَّع الكثيرُ من المغتربين على العودة إلى بلادهم - أو لعدم مغادرتها أصلاً - لو توفّرت فيها العوامل التي تسمح لهم باتّخاذ هكذا قرار. وفي هذا الإطار، تشكّل المكافآت المالية أحد هذه العوامل، ناهيك عن ظروف العمل، وفرص تحقيق الذات، والإمكانات طويلة الأمد.

ويمكن تقسيم الرواتب هنا إلى مستويات؛ في المستوى الأول، على الراتب الشهري أن يستوفي تكاليف العيش المعقولة، وبراتبٍ دون هذا المستوى لن تتمكّن الشركة من توظيف أحدٍ ذي موهبةٍ والحفاظ عليه. ولا شكّ في أنّ هذا المبلغ الأدنى يختلف باختلاف مجال العمل والخبرة والتدريب الأكاديمي للشخص المعني.

 أمّا المستوى الثاني، فيتعلّق بالقيمة التي يرى الشخص أنه يستحقها بالنظر إلى خلفيته. فقد يستند على سبيل المثال إلى الرواتب التي يتقاضاها مَن يقومون بأدوار مشابهة في اقتصادات متطوّرة، مع تعديلها لمراعاة الاختلافات في تكاليف العيش من منطقة إلى أخرى (باستخدام أدوات احتساب الرواتب على الإنترنت مثلاً).

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّنا نتكلم عن ذوي المواهب الذين يصعب إيجادهم في المنطقة، بمعنى أنّه لا يمكن تحديد الراتب في هذا المستوى الثاني بمقارنته بالراتب الذي قد يقبل به شخصٌ أقلّ ملاءمة للوظيفة.

 وقد يكون سدّ هذه الفجوة بين المستوَيين صعباً، لا بل مستحيلاً للشركات الناشئة ذات الموارد المالية المحدودة.

حلّ مشكلة الأجور

ويتألّف الحل هنا من شقّين: في الأول، على مدراء الشركات الناشئة التنفيذيين الإقرار بوجود هذه الفجوة، فذلك هو المفتاح لبناء ثقة طويلة الأمد مع هؤلاء الموظفين.

وثانياً، على العاملين والشركات الناشئة أن يجدوا طرقاً مبتكرة للمضي قدماً. ومن الطرق التي يمكن اللجوء إليها لتحويل هذا الطريق المسدود إلى وضع مفيد للطرفين، هي اللجوء إلى الدفع بالأسهم equity payments للموظّفين.

بالمختصر المفيد، الدفع بالأسهم يعني منح أسهم من الشركة على أساسٍ شهري للموظفين، بحيث يتم النظر إلى الفجوة النقدية المذكورة أعلاه كاستثمار يقوم به الموظّف في المشروع. وفي الواقع، يصبح الموظف فعلاً مستثمراً، ومن هنا على الدفع بالأسهم أن يمتثل للشروط عينها التي تُطرح على مستثمري رؤوس الأموال التأسيسية والشخصية والمغامرة.

وعلى أرض الواقع، يكون الأمر كما لو كان الموظف مستثمراً، فيوافق على القيمة المقدرة للشركة وبالتالي على سعر سهمها الثابت، حيث يتعيّن عليه بموجب دفتر الشروط أن يسدّد مساهمات شهرية، بدلاً من أن يقوم طرفٌ ثالثٌ باستثمار مبلغ مقطوع كما يجري في العادة. ومن الهام ذكر أننا نتكلم هنا عن أسهم فعلية وليس عن خيار الاكتتاب في الأسهم stock options الذي يمكن  - ويجب على الأرجح – تقديمه فوق ذلك، كما تفعل أي شركة ناشئة عادية لدى التعامل مع الجهات المساهمة الأساسية فيها.

تقديم حصة من الشركة الناشئة هي إحدى الطرق لإضفاء طابع جاذب على عرض العمل. (الصورة من ewallpapers-hub)

قد تميل الشركات الناشئة للنظر إلى علاقتها مع موظفيها على أنها تلبي حاجةً مؤقتةً، وربما يكون ذلك صحيحاً في بعض الحالات. ولكن في حالات كثيرة أخرى، فإنّ مرافقة الفريق الأساسي لنموّ الشركة، أقلّه إلى أن تبلغ هذه الأخيرة مرحلة نموٍّ كافية، تشكّل ثروةً كبيرةً تعتز بها لدى التعامل مع عملاء أو مستثمرين أو حتى للحفاظ على سمعةٍ تمكّنها من الاستمرار بجذب موظّفين جدد لتلبية احتياجاتها المستقبلية.

ومن الأثار التي تترتّب على ذلك، ضرورة حرص هذه الشركات على بقاء موظّفيها لديها. ولربّما النقطة الأهمّ تكمن في أنّ المواهب التي لا تتمّ تغذيتها تحلّق بعيداً في النهاية – وربّما تحلّق حرفياً في هذه الحالة مغادرةً البلاد. وما يُقصد هنا، هو أنّ ظروف العمل هامّة هي أيضاً.

تعتمد بيئة العمل المُرضية على ركيزتَين: الأولى هي الرضى عن الوظيفة، والثانية هي معاملة الموظفين باحترام. ومن الأوجه العملية لذلك، إعطاء فسحةٍ كافية للموظف ليطبق مهاراته الخاصّة في عمله. في هذا الإطار، يواجه روّاد أعمال كثر صعوبةً في "تفويض المهام" والتخلي عن مراقبتها عن كثب، إلى درجة أنّهم لا ينجحون في النهاية في تمكين أفراد فريقهم بطرق تتيح للشركة النموّ وبلوغ النجاح المطلوب.

لذا من الهام أن يتذكر روّاد الأعمال أن تحقيقهم لقفزةٍ نوعية، والانتقال من مشروع مؤلّف من شخص أو شخصين إلى شركة فعلية تتحلى بهيكلية إدارة ملائمة، يتطلّب منهم تفويض المهام وإعطاء موظفيهم الجدد فسحة كافية ليؤدوا عملهم. وفي العادة، تتمّ معالجة هذه الحالة عبر النقد الذاتي والحفاظ على قنوات تواصل جيدة مع سائر أعضاء الفريق. وذلك يتطلب صدقاً ولياقةً في العمل، سواء من جانب المؤسِّسين أو كلِّ من ينضمّ إلى المشروع بينما ينمو. وضرورة ابتعاد هذه الشركات عن عقلية "اسمتلاك" الموظفين متى بدأت تدفع لهم رواتبهم، لا تقلّ أهمية. وذلك يعني أنّ على الشركات واجب توخّي الاحترام دائماً لدى تعاملها مع موظفيها، وقبول حاجة كلٍّ منهم إلى تحقيق توازن بين عمله وحياته الخاصّة، وتزويدهم بالفسحة الملائمة لتنمية مسيرتهم المهنية ولنجاحهم.

وفي حين لا يخلو جذب ذوي المواهب والاحتفاظ بهم من التحدّيات، فإنّ من الجوانب الأخرى الهامة التي يجب مراعاتها الحاجة هي تسريح الموظفين بطريقة لائقة في حال لم تجرِ الأمور على ما يُرام. فالعلاقة عي علاقة عمل في نهاية المطاف، وما من علاقة عمل تدوم إلى الأبد. 

بيئة العمل المُرضية جذابة بطبيعتها. (الصورة من betterwholesaling)

يمكن للسلوك المحترف أن يأتي بثمار إيجابية على المدى الطويل على عدّة أصعدة، وبخاصّة من حيث الفريق الذي يبقى لديك، كما ومن حيث جهود التوظيف المستقبلية، وحتى نجاح الشركة. وفي حين يتمّ تناقل الأخبار بسرعة داخل الشركة أو في مجال عملك ككلّ، فإنّ معنويات موظفيك واهتمامهم في البقاء في شركتك أو إعطاء أفضل ما لديهم تتأثّر إلى حدٍّ كبير بالطريقة التي تتعامل بها مع موظّفيك الحاليين والمغادرين. وهذا من دون الحديث عن احتمال رحيل بعض الأشخاص وعملهم في شركات ٍقد تتعامل معها شركتك، بحيث يصبحون قادرين على التأثير في صفقةٍ تجارية إمّا إيجاباً أو سلباً استناداً إلى علاقةٍ أو سلوك ٍمعين جرى تجاههم في الماضي.

قد يبدو أنّ الجزء الأكبر من مسؤولية توظيف ذوي المواهب والحفاظ عليهم يقع على عاتق الشركات الناشئة، وذلك صحيحٌ إلى حدّ كبير. ولكن أمام الموظفين دورٌ يؤدّونه أيضاً لنجاح علاقة العمل هذه. ومن طرق القيام بذلك، إبقاء توقعاتهم منطقية، إذ تختلف الرواتب وطرق العمل من بلد إلى آخر ومن اقتصاد إلى آخر.

لا يجب على الباحث عن عمل أن يفرّط بمهاراته طبعاً، إلاّ أنّ الإبقاء على مستوى معيّن من الليونة قد يعود بثماره على المدى الطويل، وكذلك إدراك الحاجة إلى منح فسحة من الوقت قبل اتّخاذ قرار بشأن نجاح أو فشل علاقة التوظيف أو أيّ علاقةٍ تعاقدية أخرى. ومن العوامل الأخرى التي على الموظفين مراعاتها، ضرورة تحلّيهم بالصدق والانفتاح بشأن توقعاتهم.

لا يتحلّى روّاد أعمالٍ كثيرون بالخبرة اللازمة لكي يتولّوا إدارة فريقٍ بالطريقة التي يتوقعها منهم الموظّفون الذين سبق أن عملوا في بيئات عمل أخرى. غير أنّ روّاد الأعمال هؤلاء، غالباً ما يواجهون صعوبات جمّة يُضطرون إلى شقّ طريقهم بينها كي ينمّوا مشروعاتهم. وكذلك، فإنّ ذوي المواهب المستعدّين لتجربة العيش في المنطقة، يجب الإشادة بهم لإقدامهم على مثل هذا العمل على الرغم من العقبات الكثيرة التي تواجههم. إذا نظر كلٌّ من الشركات الناشئة والموظفّين إلى الحالة على أنّها محنةٌ مشتركة، فلربّما يتمكّن الجميع من تحقيق المزيد والأفضل.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة