لبنان شركٌ للشركات الناشئة؟ [رأي]

اقرأ بهذه اللغة

تُحدث ريادة الأعمال والشركات الناشئة ضجةً لم يسبق للبنان أن شهدها من قبل. ولا تنفكّ تتصاعد الأخبار بشأن تزايد صناديق رؤوس أموال مخاطِرة، وخيارات القروض المصرفية، واتّساع طيف مسرّعات النموّ وحاضنات الأعمال، وغيرها من العناصر المؤلّفة للبيئة الحاضنة الريادية.

اللبنانيون يحتجون على تقاعس الحكومة والفساد. بإمكان أوجه القصور التي تعاني منها البنية التحتية وغيرها من ركائز الاقتصاد السليم أن تعيق نموّ البيئة الحاضنة للشركات الناشئة. (الصورة من أنطوان أبو ديوان)

ومع أنّ النتائج بدأت تتبلور، كما يتّضح من ازدياد عدد الشركات الناشئة التي سمعنا عن إطلاقها في الآونة الأخيرة، لا تزال هناك فجوةٌ كبيرة في أساليب التمويل القادرة على إعاقة استدامة تدفّق هذه الأموال وغيرها في المستقبل. وبالمختصر المفيد، مع أنّ إطلاق شركةٍ ناشئةٍ يزداد سهولة، إلاّ أنّ البقاء على الساحة والاستمرار لم يسبق أن كان بهذه الصعوبة.

يمّر تمويل الشركة الناشئة في مراحل عدّة، ويتضمّن في العموم تمويلاً تأسيسياً، تتبعه جولة أو أكثر من التمويل المُخاطر، على أمل أن يكون المؤسِّسون قد أوصلوا فكرتهم بحلول هذا الوقت إلى مستوىً من النضوج يخوّلهم طلب مبالغ أكبر يمكنها أن تغطّي تكاليف تطوير شركتهم ونموّها على المدى القصير والمتوسّط.

في لبنان، بات الحصول على أموالٍ تأسيسية للإقلاع بالمشروع والنهوض به أسهل في السنوات القليلة الماضية. ولكن، في حين أنّ التمويل يشكّل مكوّناً أساسياً في خلطة النجاح، إلاّ أنّه لا يكفي بمفرده.

المرحلة التالية

تقع المعضلة الحقيقية في المرحلة التالية حيث يجد الكثيرون أنفسهم غير قادرين على التغلّب عليها، ويعتبرونها من أبرز الأسباب المؤدّية إلى الفشل. ومع أنّ تعميم مصرف لبنان المركزي رقم 331 خصّص نظريّاً 400 مليون دولار لتعزيز قطاع الشركات الناشئة عبر تشجيع المصارف على الاستثمار فيها، يبقى قسمٌ كبيرٌ من هذا المبلغ بعيد المنال عن روّاد الأعمال المحلّيّين. والسبب ينطوي على شقّين: البيئة الاقتصادية اللبنانية، والعقليات السائدة في أوساط الجهات المانحة للمال.

غالباً ما تتشابك العناصر التي تتألّف منها البيئة الاقتصادية، ومنها الاستقرار الاقتصادي والسياسي، والنفاذ إلى الأسواق والعملاء، وتوفّر ذوي المواهب، والبنية التحتية (الاتّصالات، شبكات الكهرباء، المواصلات، وغيرها)، وحكم القانون، وغيرها من ركائز الاقتصاد السليم. وغالباً ما تسفر أوجه النقص فيها عن معاناة الشركات الناشئة من أجل تحقيق معالم النموّ الرئيسة التي تكون قد وعدت بتحقيقها في أولى مراحل جمعها للمال، ما يُضعف من فرصها في تأمين الأموال التي تحتاج إليها لاحقاً للبقاء على الساحة وبلوغ مرحلة الاستقلالية المالية.

وما يفاقم حدّة هذا الوضع هو العقليات السائدة في أوساط الجِهات المانحة للأموال. 

في حين أنّ النفاذ إلى رؤوس الأموال أمرٌ ممتاز، تحتاج البيئة الحاضنة الريادية النابضة بالحياة إلى أكثر من ذلك بكثير. (الصورة من مجلة "إكزكوتيف ماجازين" Executive Magazine)

تجدر الإشارة إلى أنّ نسبةً لا بأس بها من رؤوس الأموال المخاطِرة المتاحة في السوق اليوم تأتي من مصارف، والنتيجة هي أنّه يتمّ تطبيق ثقافة الإقراض في بيئة غير مناسبةٍ لذلك، وهي بيئة الاستثمار المغامر. بسبب المدّخرات، تتجنّب المصارف بطبيعتها المجازَفة والمخاطِر الكبيرة: ينطوي نموذج إقراض المال على تخفيف المصارف من حدّة مخاطرها عبر إجراء التحاليل الدقيقة وأخذ ضماناتٍ كبيرة. أمّا تمويل روّاد الأعمال، فيسير وفقاً لقواعد مختلفة، وذلك ينبع في المقام الأوّل من ارتفاع مخاطره ومكافآته.

إنّ انعدام التوافق بين النموذَجين فتّاكٌ للشركات الناشئة، وبالأخصّ بما أنّ المستثمرين في السوق اللبنانية غالباً ما يشترطون على الشركات الناشئة تحقيق أرقام مبيعاتٍ معيّنة واحتلال الصدارة في السوق قبل أن يوافقوا على الاستثمار في أيّ مرحلةٍ فيها تلي مرحلة التمويل التأسيسي. ونظراً إلى أنّ الشركات الناشئة عموماً، واللبنانية خصوصاً، تناضل من أجل النموّ بسرعةٍ كافيةٍ لتلبية هذه التوقّعات، غالباً ما يجد روّاد الأعمال أنفسهم عالقين ومحاصرين.

في المحصّلة، إنّ المستثمرين على استعدادٍ لتخصيص الأموال لتوسيع نجاح شركةٍ ما، أكثر ممّا هم مستعدّين للمساعدة في تحقيق نجاح شركةٍ بأنفسهم. وبتعبيرٍ آخر، يسعى المستثمرون إلى تحقيق أرباح عاليةٍ بأقلّ نسبةٍ ممكنة من المَخاطر، ما يُوجِدُ فجوةً في خيارات التمويل تحول دون عبور الهوّة بين مرحلة التمويل التأسيسي ومرحلة التمويل المُخاطر. وما لم يتمّ التصدي لهذه الفجوة، فقد تكون آثار ذلك مدمّرةً على المدى الطويل، فتثبط عزيمة الكثير من روّاد الأعمال الجدد جرّاء فشل من سبقهم، ويفقد المستثمرِون هم أيضاً ثقتهم باللعبة بأكملها.

أمّا الآن، فيمكن تدارك الوضع على صعيدَين: مساعدة الشركات الناشئة على النموّ بشكلٍ أسرع، وترسيخ فهمٍ أعمق لنموذج ريادة الأعمال.

حلول طويلة الأمد

على الصعيد الأوّل، تتعلّق الحلول الطويلة الأمد بحالة البلاد الاقتصادية ككلّ، وهو أمرٌ يتجاوز نطاق هذا التحليل. ومع ذلك، من الحلول المتّصلة مباشرةً بريادة الأعمال هي تكملة مبادرة البنك المركزي عبر إشراك غيرها من ركائز الدولة اللبنانية.

ومن الأمثلة العملية على ذلك، ربط الشركات الناشئة بمبادراتٍ متعلّقةٍ بالنموّ الاقتصادي، تطلقها وزاراتٌ أخرى مثل وزارة الخارجية والمغتربين بجهودها الأخيرة للعمل مع اللبنانيين المقيمين في الخارج. وبإمكان ذلك أن يتيح فرصاً جديدةً في السوق، وأن يوفّر فرصاً للحصول على استثماراتٍ إضافية، ويخلق روابط بين ذوي المواهب المحليين والأجانب.

مع أنّ تعميم مصرف لبنان المركزي رقم 331 نعمة للشركات الناشئة اللبنانية، يبقى جزء كبير من هذا المال بعيد المنال عن رواد الأعمال المحليين. (الصورة من "البوابة" Al Bawaba)

ومن التوصيات الإضافية لروّاد الأعمال أنفسهم: مراعاة خصوصيات البيئة التي يعملون فيها بينما يصيغون خطط أعمالهم؛ وأخذ الحذر لدى الإنفاق لتجنّب الاختناق وإبقاء فسحةٍ لأنفسهم في مفاوضاتهم المستقبلية لجمع الأموال؛ واعتماد "منهجية ريادة الأعمال المرنة" Agile Methodology لإعداد نموذجٍ أوّليٍّ سريع وتعديله بما يجنبّهم الفشل ويوجّههم نحو إعداد منتجاتٍ قادرةٍ على اكتساب اهتمام شرائح عملائهم المستهدفين.

وفي ما خصّ تكوين فهمٍ أفضل لنموذج ريادة الأعمال، على شركات الاستثمار أن تنظر في التعامل مع أفرادٍ قادرين على جلب خبرتهم في هذا المجال، ومع شبكات معارف لتسهيل تمويل الشركات الناشئة ونموّها، كما وأن تلمّ بالمفاهيم التقنية واحتياجات المشاريع التنموية التقنية.

هذه المقاربة لا تُضعف بأيّ طريقةٍ الإجراءات المتعلّقة بالدراسات الإعدادية، بل تكيّفها أكثر مع خصوصيات ريادة الأعمال. فلن تتمكّن الشركات الناشئة من إيجاد آذانٍ صاغيةٍ أكثر لسماع خطط أعمالها فحسب، بل ستستفيد أيضاً من الدعم والإرشاد اللذين تحتاج إليهما حاجةً ماسة.

وقد يسمح ذلك أيضاً بانبثاق أفكارٍ تجاريةٍ أكثر انخراطاً في المشهد التكنولوجي، لا تقتصر على تصميم مواقع وتطبيقات لإعداد المحتوى الأساسي، والتي شهدنا على انتشارها مؤخراً. فمع أنّ هذه الأفكار التجارية تسدّ، من دون شك، فجوةً سواء في السوق العربية أو اللبنانية، إلاّ انّها تهمّش إمكاناتٍ أخرى تشكّل حالياً الجزء الأكبر من الطلب في الاقتصادات الأكثر تطوراً، مثل حلول استهلاك محتوىً تدعمها أحدث التقنيات والابتكارات.

والاستفادة من القوى العاملة المحلّية الماهرة في بناء منتَجاتٍ تستهدف الأسواق الأجنبية، من شأنها أن تنمّي الاقتصاد بما يكفي لتغيير اللعبة بأكملها. وهنا، قد يصبح المستثمرون أكثر استعداداً للانخراط في اللعبة.  هذه النقطة تحمل أهمّية خاصّة، لأنّه وبالطريقة التي تجري فيها الأمور اليوم، لا تنظر المصارف وغيرها من الجهات الفاعلة إلى ريادة الأعمال كمصدرٍ أساسيٍّ للرزق، وبالتالي فهي غالباً ما تعتمد موقف "إمّا أن تأخذ هذا العرض أو لا شيء".

الحقيقة هي أنّ القطاع المصرفي التقليدي قد لا يكون الأداة الأنسب في هذا الإطار، فهو في البلدان الأخرى التي تضم بيئات حاضنةً رياديةً ناجحةً يأتي في المرتبة الثانية.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة