6 تحدّيات أساسية تواجه الروّاد السعوديين [رأي]

اقرأ بهذه اللغة

المستقبل مليء بالفرص. (الصورة من "ريالتي توداي" Realty Today)

لقد قرأنا كلنا مقالات عمّا يشوب ثقافة دعم الريادة في العالم. وتبعاً لذلك، بتنا نعرف ما هي النماذج التي تنجح وتلك التي لا تنجح. ورأينا ما يمكن للسمسرة الاحتيالية churning أن تفعله، وكيف تولد الشركات المميّزة التي تتخطّى قيمتها المليار دولار، ولِمَ يسعى المستثمرون للاستثمار في الأسواق الناشئة.

وفي الوقت عينه، نواجه في المملكة العربية السعودية مشاكل تنفرد بها أسواقٌ معيّنةٌ، وهي في طريقها إلى البروز. في مقالي الأخير بعنوان "إساءة فهم ريادة الأعمال في السعودية"، تطرّقتُ إلى حاضنات الأعمال في السعودية التي يزيد عددها عن الأربعين، وذكرتُ أنني سأناقشها في ما بعد بالتفصيل.

ولكن، قبل الغوص فيها، أود أن أشارككم أوّلاً بعضاً من المشاكل الرئيسة التي يواجهها الروّاد السعوديون اليوم، وكيف علينا أن نتصدّى لهذه المشاكل.

إنّ هدفي ليس لوم أحد، بل تسليط الضوء على المشاكل الحقيقية اليومية التي يواجهها روّاد الأعمال في البيئة الحاضنة السعودية. في الواقع، الكثير من أصحاب حاضنات الأعمال ومسرّعات النموّ وصناديق التمويل هم أصدقائي، وأنا أحترم كثيراً هذه المسيرة التي شرعوا فيها دعماً لريادة الأعمال في السعودية.

التحدّي الأوّل –القطاع الخاص لا يقوم بما يكفي

أكثر من 50 بالمئة من حاضنات الأعمال في السعودية تتبع بشكلٍ من الأشكال للحكومة. وفي حين قد يبدو ذلك أمراً رائعاً، إلاّ أنّه يسلّط الضوء أيضاً على مستوى تكاسل القطاع الخاص في السعودية.

يبدو أنّ القطاع الخاصّ هنا ينسى أنّ الاقتصاد الأميركي بُني على أكتاف روّاد أعمال مدعومين بشكلٍ من أشكال احتضان الأعمال، أو من قبل كياناتٍ داعمة. وينبغي معرفة أنّ مجرّد منح التمويل و/أو المكاتب ليس أمراً مستداماً، فالحاجة تدعو إلى بذل المزيد من الجهود من حيث بناء المعرفة ونقل المعلومات، إذا ما أردنا أن يتلّقى روّاد الأعمال قيمةً تُذكر من القطاع الخاص.

التحدّي الثاني – يحتاج رواد الأعمال إلى المساعدة من روّاد أعمالٍ ذوي خبرة سبق أن نجحوا وفشلوا

معظم الناس العاملين في حاضنات الأعمال ومسرّعات النموّ في السعودية موظّفون وليسوا روّاد أعمال.

وفي حين أنّهم مؤهّلون كلّهم للقيام بأعمالهم، إلّا أنّ القيمة التي يحصل عليها روّاد الأعمال هنا تنخفض، إذ أنّ عقلية الموظّفين تختلف عن عقلية روّاد الأعمال. فالأولى تتجنّب المخاطر وتخاف من الفشل وتعمل فقط مقابل راتبٍ ثابتٍ وعلاوةٍ تعطى للتحفيز، في حين أنّ الأخرى تعيش في عالمٍ مليءٍ بالمخاطر والتحدّيات التي تتربّص بأصحابها عند كلّ منعطف.

وبالتالي، فإنّ الموظّف الحائز على درجةٍ في ريادة الأعمال يشكّل ثروة، أمّا الموظف الذي لم يفشل قط ولا ينوي مشاركة المخاطر فليس نوع الأشخاص التي يجب أن يوفّر الدعم لروّاد الأعمال لدينا اليوم. فروّاد الأعمال يحتاجون إلى الإرشاد من أشخاص خاطروا وسلكوا طرقاتٍ تردّدَ غيرُهم في سلوكها. 

يحتاج رواد الأعمال إلى المساعدة والدعم ممن سبق أن سلك هذه الطريق. (الصورة من أخبار العرب Arabnews)

التحدّي الثالث – تجاهُل الأشخاص الذين يريدون أن يصبحوا روّاد أعمال

إذا كان عرض الأفكار عن مشروعك مزرياً، وكانت خطّة عملك مبعثرةً وأرقامك مجرّد تقديرات، من المرجح أن لا تُقبَل في أيّ حاضنة أعمال أو مسرّعة نموّ كما ولن تحصل على التمويل.

هناك الكثير ممن يودّون أن يصبحوا روّاد أعمال في السعودية، ويتوقّعون أن يعلّمهم أحدٌ ما بناء مهاراتهم الأساسية تعليماً بطيئاً، ليصبحوا روّاد أعمال كفوئين. ومِن دون هذه المهارات، لكنّا رأينا فعالياتٍ ضعيفةً لمسرّعات النموّ، ونموّاً ضعيفاً في شبكات البيئة الحاضنة الجديدة، وانعداماً في اهتمام القطاع الخاص.

وفي أيامنا هذه، قليلةُ هي الكيانات التي توفّر هذا الدعم في مرحلةٍ مبكرة إلى هذا الحدّ في مسيرة هؤلاء الأشخاص الطموحين، أمّا تلك التي تفعل ذلك فهي ترفض آلاف روّاد الأعمال الصاعدين الذين يقدّمون الطلبات كلّ عام. وفي المحصّلة، إنّ هذه فجوةٌ يجب سدّها على الفور لضمان استدامة النتائج الإيجابية.

التحدّي الرابع – أكرّر للمرة الأخيرة، الشركات الناشئة ليست نفسها الشركات الصغيرة والمتوسّطة الحجم

من المضحك المبكي كيف أنّ بعض الكيانات ما زالت تصنّف الشركات الناشئة startups والشركات الصغيرة والمتوسّطة الحجم SMEs في الخانة عينها.

وفقاً لوزارة التجارة والصناعة السعودية، فإنّ الشركة الصغيرة أو المتوسّطة الحجم SME هي التي تضمّ من 50 إلى 500 موظّف، وتحقّق ما لا يقلّ عن 10 ملايين ريال سعودي (2.6 مليون دولار) في السنة. أمّا الشركة الناشئة، فهي عادةً تلك التي يكون لديها أقلّ من 20 موظّفاً عاملاً (في أحسن الأخوال)، ولم تحصل بعد على شعبيةٍ كبيرة.

كما وأنّ الشركات الصغيرة والمتوسّطة الحجم دقيقةٌ جداً في طريقة عملها، وهي تعرف تماماً عملاءها، وما هي الاحتياجات التي يلّبيها منتَجُها أو خدمتُها. أمّا الشركات الناشئة، فهي تتقبّل المجازفة أكثر، وتسعى إلى زيادة نموّها بسرعة، وتعمل جاهدةً لترسخ في أذهان عملائها.

هذا التفاوت يؤثّر في الطريقة التي تَحشُد كلٌّ منها الدعم وتستخدمه، ويبرّر سبب عدم حصول روّاد أعمال كثر في نهاية المطاف على تجربةٍ تلبّي احتياجاتهم فعلاً. فالبنوك لا تعترف بأيّ منشأةٍ تكون أصغر من شركةٍ صغيرةٍ أو متوسّطة الحجم، ومؤسّسات الإقراض في القطاع الخاص تعتمد نهجاً واحداً مع كافّة المشاريع التي تطلب المال منها.

ولذا، على الكيانات التي تدعم ريادة الأعمال أنّ توضّح هذه الفروق، لأنّ القرار بإنشاء شركةٍ ناشئةٍ أو شركةٍ صغيرةٍ أو متوسّطة الحجم، قرارٌ من شأنه أن يرسم مسار رائد الأعمال لما تبقّى من حياته.

التحدّي الخامس – اقتصاد معرفة أو مجرد فشل؟

كل شيءٍ يبدأ بالثقافة، فهي تحرّك الناس وتمكّنهم وتلهمهم للإبداع والبناء وإنشاء عالمٍ أفضل بفضل أفكارهم.

وبالتالي، فإنّ استيراد طرق العمل والمواهب المثبَتة لبسطها في السعودية من دون بناء ثقافةٍ مستدامةٍ محلياً أولاً، يصعّب الأمور على المدى الطويل.

إنّ الثقافة السعودية تتجنّب المخاطر بطبيعتها، وبما أنّ السوق في هذا البلد ناشئةٌ فمن السهل افتراض أنّ الشباب هنا يواجهون تحدّياتٍ تشبه تلك التي في أسواق مثل المكسيك وإندونيسيا ونيجيريا أو حتّى جنوب أفريقيا. كلّنا مدركون لحاجتنا إلى تحويل اقتصاداتنا إلى اقتصادات معرفة ونبعد عن الاعتماد على الموارد الطبيعية، ولكنّ استبعاد كلّ القطاعات الأخرى لن يساعد في ذلك، خصوصاً أنّها هي أيضاً تفتقر إلى المهارات والإرشاد.

التحدّي السادس – ما من تغطيةٍ ملائمةٍ للمملكة كلّها

بعيداً عن ديناميات السوق والسكّان المستهدَفين، تتألّف البيئة الحاضنة السعودية من بضع بيئاتٍ حاضنةٍ أصغر تمتلك قواسم مشتركةً قليلة.

تقوم بعض حاضنات الأعمال بعملٍ ممتاز في بناء تواجدٍ أقوى على مستوى البلاد، مثل حاضنة أعمال "بادر" Badir التي تعمل على الأرض في خمس مدن وتمتلك نموذجاً متناسقاً ومستداماً لمساعدة الشركات الناشئة. ولكن في الوقت عينه، معظم حاضنات الأعمال تعمل في مدنها لا غير.

البيئات الحاضنة في كلٍّ من جدة والرياض والمنطقة الشرقية تعمل بطرق مختلفةٍ جداً عن بعضها البعض، ما يجعلها منعزلةً عن بعضها البعض في الكثير من المناطق. وهذا يزيد من صعوبة تعاون روّاد الأعمال مع بعضهم أو انتشار أعمالهم في السوق على الصعيد الوطني.

ما الذي نحتاج إليه للتصدّي لهذه المشاكل؟

ضخّ المال في البيئة الحاضنة لا يكفي لتحسين ريادة الأعمال. (الصورة من Aaswat.com)

تعاون متكامل

لكلٍّ من كيانات الدعم اختصاصُها؛ ولذلك إعرِف لِمَاذا تعمل في هذا المجال، وتذكَّرْ أنّ كلّ ما في الأمر هو مساعدة الناس لكي يساعدوا أنفسهم. وفي السعودية يوجد ثلاث بيئاتٍ حاضنةٍ أساسية مزدهرة، إنّما يتخلّلها الكثير من الثغرات التي يجب سدّها؛ علينا الخروج من الصوامع.

تغطية إعلامية أفضل

تحيط بنا قصص نجاح ريادية في كلّ مكان، وهي تحصل كلّ أسبوع في كلّ المدن السعودية. ومع ذلك، فإنّنا نعرف عمّا يجري في وادي السليكون في الولايات المتحدة أكثر ممّا يجري في بلدنا نحن. وبالنتيجة، نحتاج إلى تسليط الضوء أكثر على القصص التي تحصل هنا لتعزيز البيئة الحاضنة، وبالطبع على الناس الذين يحقّقون كلّ هذا.

أنشطة شعبية

أعطِ أكثر ممّا تأخذ؛ للحصول على بيئةٍ حاضنةٍ فعّالة، نحتاج إلى رواّد أعمال كفوئين؛ وللحصول على هؤلاء، يجب أن نحرص على امتلاكهم للمهارات الأساسية. وهذا يعني أنّنا نحتاج إلى أن يقوم المزيد من مطوّري ومزوّدي المحتوى بفهم الثقافة المحلّية، وأن يتكلّموا بطريقةٍ ذات صلة تكون ملهمةً وملفتة. وتماماً كتأهيل الموظّفين، تحتاج البيئات الحاضنة إلى روّاد أعمال مؤهّلين، بغضّ النظر عما إذا كانت أفكارهم جيّدة أو سيّئة.

ثقافة إصرار واندفاع

ليس سرّاً أنّ مصير اقتصادات دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعتمد على صحّة أسواق العمل لديها.

فوفقاً لتقريرٍ صدر عن البنك الدولي في عام 2014، ينبغي على أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن تتيح 100 مليون فرصة عملٍ بحلول عام 2020، لتُبقِي معدّلات البطالة فيها كما هي عليه الآن.

ريادة الأعمال ليست بأمرٍ جديدٍ للمنطقة، لكنّ ثقافة دعمها جديدة. ولضمان استدامة ثقافةٍ ما، نحتاج إلى اعتماد المواقف والسمات المناسبة. وبالتالي، علينا إتقان المهارات الأساسية التي تُعدّ شروطاً مسبقةً، مثل الإصرار والاندفاع؛ علينا أن نبقى متعطّشين.

العدّ التنازلي لكي توجِد المنطقة فرص العمل المطلوبة بشدّة، كان قد بدأ حتّى قبل الربيع العربي. واليوم، تؤدّي أسواقٌ مثل مصر، والجزائر، والسعودية، وسائر دول مجلس التعاون الخليجي، دوراً قيادياً في إيجاد معظم فرص العمل هذه.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة