البيع عبر التواصل الاجتماعي: مستقبل التجارة الإلكترونية في الشرق الأوسط؟

اقرأ بهذه اللغة

Old school shopping experiences are fast disappearing

لم تعد الدردشة مع الباعة تستلزم التواجد في المتجر الفعلي. (الصورة من thisismoney.co.uk)

في غضون سنواتٍ قليلة، باتت وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً لا يتجزّأ من حياتنا اليومية. فلا تنفكّ مواقع مثل "فايسبوك" و"تويتر" و"إنستجرام"، وغيرها من المنصّات، تحظى بمشاركة المستخدِمين كلّ يوم، وما من شيءٍ يشير إلى أنّ ذلك سيتضاءل عمّا قريب.

في الواقع، يشير تقريرٌ صدر مؤخراً عن "ديجيتال ميديا ساينس" DMS إلى أنّ 42% من سكّان منطقة الشرق الأوسط يستخدمون الإنترنت، وأكثر من 88% من هؤلاء يدخلون مواقع التواصل الاجتماعي كلّ يوم.

وبالتالي، سرعان ما أدركَت المؤسَّسات التجارية الإمكانيات الهائلة لبلوغ مستهلكيها على وسائل التواصل الاجتماعي، وبات من النادر جداً رؤية شركةٍ معروفةٍ أو شركةٍ ناشئةٍ لا تملك صفحةً على "فايسبوك" أو "تويتر" مثلاً. ولكن، مع الارتفاع السريع لاستخدام "انستجرام" في المنطقة، نشهد الآن ظاهرةً جديدةً، ألا وهي ‘البيع عبر التواصل الاجتماعي‘ social selling (البيع عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو عبر التواصل ضمن منصّات التجارة الإلكترونية نفسها).

مفهوم البيع عبر التواصل الاجتماعي بسيط، فهو ينطوي عادةً على إقامة العلاقات الجديدة كجزءٍ من عملية البيع عبر "إنستجرام" و "بنتريست" Pinterest مثلاً وغيرها من المواقع المشابهة، بحيث تتضمّن تقنيات البيع هذه تشارك المحتوى ذي الصلة والتواصل مباشرةً مع المشترين المحتمَلين. وبدلاً من التفاعل مع شخصٍ في المتجر، يمكن للعملاء التكلّم مع بائعهم "الافتراضي" عبر الإنترنت سواء عبر مواقع التواصل أو ضمن الموقع الإلكتروني نفسه.

أصحاب الشركات الصغيرة والأفراد، كانوا من أوائل روّاد الأعمال الذين استخدموا هذه العملية في المنطقة. ومنهم مثلاً "فانيلا سكّر" VanillaSukkar التي تشارك صوراً عن حلوياتها على "إنستجرام"، حيث يمكن للمشترين طلبها بعد ذلك عبر "واتساب". وأيضاً المصمّمة العاملة في الإمارات، تمارا القباني، التي تبنّت تقنيةً مشابهةً عبر تسويق عباءاتها على صفحتها الرسمية على "إنستجرام"، حيث تطلب من الباعة أن يرسلوا لها رسالةً قصيرة إذا كان الأمر يهمهم.

والآن، بتنا نرى تطبيقاتٍ ومواقع إلكترونية تعتمد في تجارتها الإلكترونية تقنية البيع عينها، ولا شكّ في أنّها تستقطب الانتباه.

إليك ثلاثة من أبرزها:

"شيد"

تطبيق "شيد" Shedd الذي أسّسه طارق ذبيان وأليكس هاتلي، يسمح للمستخدِمين الأفراد كما والشركات الصغيرة والمستقلّة بنشر قطع ملابس وأكسسوارات، سواء كانت مستخدمةً أو جديدة– لبيعها بسرعة ومجاناً؛ ومن جهةٍ ثانية، يمكن للمشترين المحتمَلين أن يصنّفوا الأغراض ليروا تلك المدرجة من قبل أصدقائهم أو معارفهم، أو من قبل مستخدِمين قريبين جغرافياً منهم. كما يمكن لمستخدِمي الموقع أن يدعموا الصور بالإعجاب أو التعليق أو بوضع وسم ("هاشتاج" hashtag) أو التحدّث مع الباعة، وبعدخا يُصار إلى ترتيب المدفوعات بين الطرفَين ومن ثمّ التسليم والاستلام.

ويقول ذبيان لـ"ومضة" إنّ "تقديم تجربةٍ للمستخدمين مشابهةٍ لتلك المتوفّرة على ‘إنستجرام‘ كان أمراً جيداً لنا، لأنّ المستخدمين وجدوا ‘شيد‘ مألوفاً لهم. ولكن، خلافاً لـ‘إنستجرام‘، يمكن لمستخدمي ‘شيد‘ أن يُكملوا الصفقة كلّها، سواء كانوا يشترون أو يبيعون، باستخدام التطبيق عينه."

تلقّى هذا التطبيق دعماً كبيراً حتّى الآن، ففي أيلول/سبتمبر 2015، أي عند انطلاقه، أعلنت "دوبيزل" Dubizzle التي كان يعمل فيها ذبيان وهاتلي سابقاً، عن استثمارها مليون دولار في تطبيق الموضة هذا، علماً أنّه الاستثمار الأول على الإطلاق الذي قامت به الشركة الإماراتية في علامةٍ تجاريةٍ جديدةٍ منذ انطلاقها قبل عشر سنوات. 

Shedd's Alex Hutley and Tariq Zabian

مؤسّسا "شيد"، أليكس هاتلي وطارق ذبيان. (الصورة من "شيد")

ويقول الشريك المؤسّس، هاتلي، إنّ "فكرة ‘شيد‘ كانت وليدة مشاهدتنا للسلوكيات ورؤيتنا لفرصةٍ سانحةٍ لسدّ حاجةٍ لا تتمّ تلبيتها. وفي هذه السوق تحديداً، لاحظنا مستوياتٍ عاليةً من مخزونات الأغراض الإضافية التي يُحتمل تواجدها في خزائن الجميع، بالإضافة إلى مجتمعٍ محلّيٍّ يبحث عن سبل للتعبير عن نفسه وعن مستويات عالية من استخدام الإنترنت."

ويضيف أنّه "بالاستناد إلى ذلك، بنينا أبسط منتَجٍ ممكنٍ لاختبار الطلب الفعلي. والمنتَج التجريبي عندما يتلقّى مستوىً معيّناً من الإقبال والمشاركة، سيبدأ بلفت انتباه المستثمرين."

سوق "ميلتو"

يعمل "ملتوو" Melltoo كمنصّةٍ كاملةٍ للتجارة الإلكترونية، مع إمكانية الدفع وطلب التوصيل عبر التطبيق نفسه. وهذه الخدمة التي تستهدف السوق الأوسع نطاقاً، تقدّم أيضاً تجربةً مشابهةً لـ"إنستجرام" للأغراض المستعملة، غير أنّه لا يركّز على الموضة وحدها.

وتشرح الشريكة المؤسِّسة لـ"ميلتو" ومديرة عملياتها، شارين لي، أنّ "تطبيق ‘ميلتو‘ وُلد من الإحباط الذي تثيره محاولة شراء شيءٍ من مواقع الإعلانات المبوّبة التقليدية؛ فلطالما واجهنا باعةً غير جديرين بالثقة وعمليات احتيال وغياب المعلومات اللازمة عند اتخاذ قرار الشراء. وعند استخدام الإعلانات المبوّبة أيضاً، كان البيع والشراء صعبين وغير مريحين، إذ كانت عملية الاتصال بالناس صعبة حيث يمكن أن تتوه وأنت ذاهب للقاء أشخاص غرباء."

The Melltoo mobile app

تسعى "ميلتو" لحلّ مشاكل المصداقية في التجارة على الإنترنت. (الصورة من "ميلتو")

منذ انطلاق هذه الشركة الإماراتية في آذار/مارس 2014، تمّ تنزيل التطبيق 250 ألف مرّة، وفي نيسان/أبريل من هذا العام، حصلت الشركة على جولة تمويل تأسيسية بقيمة 205 آلاف دولار من "وومينا" Womena و"تورن 8" Turn8 و"واحة دبي للسيليكون" Dubai Silicon Oasis.

وتكمل لي بالقول إنّ "البيع عبر التواصل الاجتماعي ليس مهماًّ فحسب حالياً، إنّما يبدو أنّه سيصبح النموذج السائد في المستقبل. فالناس لا يكترثون للتعرّف إلى الشخص الذي يشترون منه فحسب، بل يحبّذون أيضاً الحصول على تجربة شراء أكثر تفاعلية. وهُم غالباً ما يتأثّرون في قرارات شرائهم بآراء وأفعال الآخرين التي يطّلعون عليها من خلال تعليقات المستخدِمين."

"إي زي هايتس"

ليست التطبيقات وحدها التي تعتمد مقاربةً أكثر اجتماعية للبيع، فحتى المواقع الإلكترونية الأكثر تقليديةً باتت تعتمد ميزات اجتماعية شيئاً فشيئاً. منصّة "إي زي هايتس" EZHeights التفاعلية للإعلانات المبوّبة، تمكّن المستخدمين من البيع والشراء والتواصل مع المستخدِمين الآخرين والتعليق على صور الأغراض.

ويقول مدير الموقع أدهم صالح إنّه "عندما أفكر في أكشاك أسواق البلدات التقليدية وهرج ومرج تجارها، أتصوّر ‘إي زي هايتس‘ في المستقبل."

ويضيف أنّه "في عالم اليوم المتّصل ببعضه البعض، حيث يتمّ الكثير من الصفقات والاتصالات عبر الهواتف الذكية، نسعى في ‘إي زي هايتس‘ إلى احتضان هذا الترابط... وقد اتّخذنا خطوةً إضافيةً عبر تمكين مستخدِمينا من إنشاء صفحاتٍ لهم، يمكنهم من خلالها التعليق ونشر آرائهم والتحدّث ومتابعة غيرهم من الأعضاء، أو حتّى اختيار منع أشخاصٍ معيّنين من متابعتهم."

Adham Saleh of EZHeights

يرى أدهم صالح أن تطوّر موقعه يتمّ بطريقةٍ طبيعية. (الصورة من "إي زي هايتس")

موقع "إي زي هايتس" الجديد الذي موّله المؤسس بنفسه ولا ينوي أن يحوّله إلى شركةٍ مساهمة في الوقت الحالي، يتضمن أزراراً تخوّل المستخدمين والباعة من التسجيل مباشرةً في الموقع باستخدام حسابهم على "لينكدإن" أو "تويتر" أو "واتساب". كما يمكن للمستخدمين أيضاً تحديث وضعهم ورؤية أيّ منتجاتٍ يتمّ بيعها أو شراؤها في كلّ منطقةٍ في الإمارات.

ويكمل صالح قائلاً إنّ "نزعة البيع عبر التواصل الاجتماعي تلقى رواجاً كبيراً في الوقت الحالي، وستكمل على هذا المنوال لفترةٍ طويلة. يستمتع الناس باستخدام المواقع الاجتماعية [...] إذ يحصلون على تجربة شخصية أكثر."

مستقبل البيع عبر التواصل الاجتماعي

بالنسبة إلى جذب الاستثمارات، يبدو مستقبل البيع عبر التواصل الاجتماعي في الشرق الأوسط واعداً، مع أنّه لن يتمكّن جميع المستثمرين من إدراك إمكانياته الكاملة الآن، بحسب ما شرح لنا صالح.

"غالباً ما يهتمّ المستثمرون بالعائد على الاستثمار ROI وبالجانب المالي، وبالسرعة التي سيتمكنون من استعادة أموالهم بها، لكنّ المستثمرين الذين يفهمون قطاع تكنولوجيا المعلومات سيهتمون حتماً بالأمر، بما أنّ هذه هي النزعة الأبرز الآن،" كما يقول صالح.

بدورها، توافق لي على هذا الأمر، موضحةً بالقول إنّ "بعض المستثمرين يفهون الأمر، وبعضهم لا يفهمه. فالمستثمرون ذوو الخبرة في التجارة الإلكترونية والأسواق الإلكترونية يرون أنّ مواقع التجارة الإلكترونية ومواقع الإعلانات المبوّبة باتت جاهزةً لإحداث ثورةٍ فيها."

كما تضيف أنّه "نظراً إلى حداثة المفهوم هذا، ما زال من غير الواضح كيف ستجري الأمور. فكلّ شبكات التواصل الاجتماعي الكبرى، مثال ‘فايسبوك‘ و‘تويتر‘ و‘إنستجرام‘ و‘بنتريست‘ تتجه نحو تسهيل التجارة الإلكترونية عبر دمج خاصية "اشترِ الآن" Buy it Now في شريط أخبار المستخدمين."

وتخلص إلى القول إنّ "شركات التجارة الإلكترونية التقليدية لم تلحق بهذه النزعة بعد، لذا سيصبح بعضها خارج المنافسة."

أمّا هاتلي من "شيد"، فيقول إنّه "فيما تتحسّن خدمات الدفع والتسليم، وفيما تحفّز تقنية تحديد المواقع الجغرافية عمليات اللقاء والبيع، سوف نشهد على طريقةٍ سريعةٍ جداً للتداول – تتجاوز العلاقة التقليدية بين بائع التجزئة والمستهلك." 

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة