المستثمِرات المُخاطرات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا [الجزء الأول]

اقرأ بهذه اللغة

في سلسلة المقالات الجديدة هذه، سوف تُلقي "ومضة" الضوء على النساء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعلى تجاربهنّ وطموحاتهنّ وتأثيرهنّ على قطاع الشركات الناشئة.

Noor Sweid and Hala Fadel

نور سويد وهلا فاضل. (الصورة من "ليب فينتشرز")

يوجد نوعان من الشكاوى الشائعة في المنطقة: النقص في التمويل أو الوصول إلى التمويل، وقلّة النساء المُشارِكات في النشاطات الريادية.

ولكن، سنذكر امرأتان ناشطتان جدّاً في هذا المجال، هما هلا فاضل ونور سويد اللتان تسعيان مع شركة رأس المال المُخاطِر الخاصّة بهما، "ليب فينتشرز"Leap Ventures، إلى تأمين مبالغ استثماريةٍ كبيرةٍ للشركات الناشئة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتّصالات.

بعدما أمضَى كلٌّ منهما وقتاً في الخارج، عادتا إلى الشرق الأوسط لتزدادا معرفةً بالإمكانات المتنامية لدى روّاد الأعمال، ثمّ ضافرَتا الجهود بعد فترةٍ قصيرةٍ لسدّ فجوة النقص في التمويل.

بدأت القصّة مع فاضل قبل أن تصبح مديرة المحفظة الاستثمارية في شركة إدارة الأصول "كومجيست" Comgest، حيث أثناء رحلتها إلى سان فرنسيسكو عام 2013، صادف أنّها كانت تجلس إلى جانب رائد الأعمال الفرنسي المستقِرّ في لبنان، هيرفيه كوفيليه.

ففي تلك الأثناء، كان كوفيليه قلقاً حيال استحالة الحصول على تمويلٍ للجولة الثانية Series B لشركته الناشئة التي تُعنى بالإعلام الرقمي، "ديواني" Diwanee.

وتشرح فاضل أنّه "كان يُحدّثني عن صعوبة الحصول على 5 أو 10 ملايين دولار أميركي لشركته كي يستطيع تهيئتها للاستحواذ، وبالتالي قلتُ له بأن يبيعها ومن ثمّ نُطلِق صندوق تمويلٍ سويّاً؛ وهذه كانت شرارة الانطلاق."

وبالنتيجة باع كوفيليه أغلب أسهم شركته، ليُطلِق بعد فترةٍ قصيرةٍ، إلى جانب فاضل وصديقٍ مشتركٍ هو هنري عسيلي مؤسِّس "بيزرات.كوم" Bizrate.com، شركة "ليب فينتشرز" التي تستقرّ بين بيروت ودبي.

وقبل انتهاء العام، بدأ الثلاثيّ بحملةٍ لجمع الأموال ثمّ انضمَّت إليهم نور سويد. ومع وصول شهر آذار/مارس من عام 2015، أعلنوا رسمياً عن صندوق التمويل الخاصّ بهم الذي وصلت قيمته إلى 71 مليون دولار.

The team at the official launch of the fund in 2015

صندوق التمويل الخاصّ بهم الذي وصلت قيمته إلى 71 مليون دولار.

إطلاق "ليب فينتشرز" رسمياً عام 2015. (الصورة من Eventinglb.com)

لا فرق بين الرجال والنساء في لعبة التمويل

يوجد أربع نساءٍ يعملنَ في الاستثمار المُخاطر في الشرق الأوسط، هنّ بالإضافة إلى سويد وفاضل، سلام سعادة من "أكتيف إم" Active-M ونيفين الطاهري اللتان أسَّسَتا "دلتا إنسباير" Delta Inspire و"138 بيراميدز" 138 Pyramids.

قد لا يبدو هذا كثيراً، لكنّه جيّدٌ نسبياً مقارنةً مع ما أوردَته مجلّة "فورتشن" Fortune في عام 2014 أنّ نسبة النساء الشريكات في شركات الاستثمار المُخاطِر في الولايات المتّحدة الأميركية تفوق 4% بقليلٍ فقط.

كما أنّ الدكتورة بيتينا باستيان، أستاذة الإدارة وريادة الأعمال في "الجامعة الأميركية في بيروت" AUB، تقول في حديثٍ لها في شهر شباط/فبراير الفائت، إنّ نسبة الأعمال التي تمتلكها نساءٌ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تصل فقط إلى 1%. وفي الوقت نفسه، فإنّ نسبة رائدات أعمال الإنترنت على صعيد العالم تُقارب 10% وحسب.

Hala Fadel

لا تعتبر فاضل وسويد أنّ كونهما امرأتان يشكّل فارقاً إيجابياً كان أم سلبياً، بل ما يميّزهما هو الفريق الذي ينحدر أعضاؤه من خلفيات متنوّعة. وهما ليستا هنا كامرأتَين، بل كمستثمرتَين تلبّيان حاجةً في سوق الاستثمار المُخاطِر.

وعن هذا الأمر تقول سويد لـ"ومضة"، إنّه "عندما يأتي كلٌّ واحدٍ من خليفةٍ مغايرةٍ يخلق ذلك تآزراً بين أعضاء الفريق، ويصبح هذا الأخير كمجموعٍ لعدّة أجزاء، فتصبح قيمة الفريق أكبر."

 أمّا فاضل فهي بقدر ما تشعر بأنّه يمكن لأعضاء الفريق طرح وجهات نظرٍ مختلفة أو "أكثر ليونة"، تشعر بأنّه "لا يوجد حدودٌ حيال ما يمكن أو لا يمكن القيام به" لأنّها امرأة.

 وإذ تقول لـ"ومضة" إنّها ليست من دعاة النسوية إلى هذا الحدّ، تضيف أنّها تعتقد "بوجوب القيام بالكثير من الأشياء من أجل النساء في المنطقة، وخصوصاً في مجال الاستثمار المُخاطِر، فالتكنولوجيا والابتكار يتطلّبان التنوّع."

وبالإضافة إلى ذلك، تُشير فاضل إلى ضرورة الاحتكاك ضمن الفريق للخروج بالأفكار، وإلى أنّ مشاركة الرجال والنساء في فريقٍ واحد ليست إلّا جزءاً من هذا الأمر.

وتشرح ذلك بقولها إنّ "هيرفيه فرنسيّ، وهنري ترعرع في الولايات المتّحدة، أمّا أنا فترعرعتُ في فرنسا ونور بين السعودية ولندن. وبالتالي، أعتقد أنّ عامل التنوّع أساسيٌّ لنجاح شركات التكنولوجيا ونجاح الاستثمار المُخاطر كذلك، والنساء لسنَ إلّا شكلاً واحداً من أشكال التنوّع."

الأقدر على القيادة

 فاضل التي تنحدر من لبنان، وسويد من سوريا، حصلتا على خبرةٍ واسعةٍ في عالم الأعمال قبل العودة إلى الشرق الأوسط، إذ تحملّ كل واحدةٍ شهادة الماجستير من "كلية سلون لإدارة الأعمال"Sloan School of Management التابعة لـ"معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا" MIT. إضافةً إلى أنّ كلّاً منهما أمضَت سنواتٍ في العمل في الولايات المتحدة وأوروبا في عالم المال - فاضل مع "كومجست" و"ميريل لينش" Merrill Lynch، وسويد مع "أكسنتشر" Accenture في الولايات المتحدة.

بدا واضحاً ملاءمة سويد للعمل مع الشركات الناشئة، فهي بعد خبرتها الكبيرة مع الشركة العائلية "ديبا" Depa، إحدى أكبر شركات التصميم الداخلي (حيث ساهمَت في رفه قيمتها من 60 مليون إلى 600 مليون دولار ومن ثمّ في إدارة الاكتتاب الذي وصلت قيمته إلى مليار دولار)، كانت أيضاً مديرةً لدى "إنديفور" الإمارات Endeavor UAE، و"جمعية علاقات المستثمِرين في الشرق الأوسط" Middle East Investor Relations Society، وشبكة المستثمرات الإناث "إليفايت" Ellevate.

وأطلقَت عام 2006 سلسلةً من أندية اليوغا سمّتها "زِن يوغا" Zen Yoga، كانت من بين الأولى من نوعها في الإمارات قبل بيعها لشركة استثمارات بالأسهم عام 2014.

وتقول عن هذا الأمر إنّه "عندما تعمل في الخارج تكتسب الكثير من المهارات، فهناك يوجد تنظيمٌ أكثر ويمكنك الحصول على إرشادٍ ضمن الشركات الكبرى، كما أنّ أخلاقيات العمل مختلفة جدّاً."

وبينما ما تزال تعمل مع "زِن يوغا" و"إنديفور" و"إليفايت"، تعمل الآن أيضاً مع "فتشر" Fetchr و"نبّش" Nabbesh و"منتدى جائزة معهد ماساتشوستس للتقنية" في مجلس التعاون الخليجي MIT Enterprise Forum GCC.

Noor Sweid talking to Wamda in 2014

سويد تتحدّث مع "ومضة" في نهاية عام 2014. (الصورة من "ومضة")

من جهةٍ أخرى، فإنّ فاضل حصل على خبرتها الريادية الأولى عام 1994 خلال دراستها في الجامعة في الولايات المتّحدة، حيث أطلقَت شركتها الناشئة التي تبيع الشاشات ثلاثية الأبعاد. ولكن لم تستمرّ هذه الشركة الناشئة طويلاً، غير أنّ ذلك لم يردع فاضل.

ففي عام 1998، سمعَت بمسابقة خطة الأعمال البالغة جائزتها 50 ألف دولار من "معهد ماساتشوستس للتقنية"، فتقدّمَت للمشاركة فيها عن شركتها الناشئة "بوليو" Booleo التي تُعنى ببرمجيات الاتّصالات، والتي باعَتها عام 2000.

وبعدما أبهرَت المعهد بعملها وبشركتها، عادت إلى لبنان عام 2003 وأطلقَت النسخة العربية من "منتدى جائزة معهد ماساتشوستس للتقنية" عام 2005.

ملائكة بما للكلمة من معنى

هاتان المستثمِرتان التأسيسيتان (angel investors) ورائدتا الأعمال الخبيرتان في صفقات الاستحواذ، مجهّزتان جيداً.

"وهذا ليس كلاماً وحسب،" كما تقول سويد التي تمتلك في محفظتها الاستثمارية ما بين 12 و14 استثمارٍ عالميّ.

أمّا فاضل فتعتقد أنّ في محفظتها الاستثمارية ما بين 20 و30 استثماراً، من بينها استثمارٌ خاصّ بصمِّم الأزياء اللبناني ربيع كيروز. وتقول: "لقد كنتُ متحمّسةً جدّاً، ففي المنطقة يوجد الكثير من المواهب التي يجب أن ندعمها سواء كانت في مجال التكنولوجيا أم الفنون، وهذه هي الطريقة الوحيدة لتقدّم المنطقة."

وهذا ما تريده الشركات الناشئة من "ليب فينتشرز" - مستثمرون مع المال والخبرة.

"المبالغ الاستثمارية قبل ‘ليب‘ كانت ما بين مليون ومليونَي دولار،" بحسب فاضل التي تضيف أنّه "عندما تقول لهم ‘لا تفكّروا بالحدّ الأدنى بل ما الذي تحتاجونه لبناء شركة كبيرة؟‘، ستصل المبالغ الاستثمارية عندها إلى 10 ملايين دولار."

وبالتالي، ترى المستثمرَتان نفسيهما كمعاونتَين في قطاعٍ كان يفكّر فيه الناس بما هو ممكن وليس بما يساعدهم على النموّ.

وحتّى الآن، أعلنَت "ليب فينتشرز" عن استثماراتٍ في شركتَين ناشئتَين، هما "إنرجي24" Energy24 التي تصنّع نظاماً لتخزين الطاقة حسب الطلب، بـ3 ملايين دولار؛ و"يوتيرن" UTURN السعودية للترفيه، بـ10 ملايين دولار.

  تصمّمان المستقبل حسبما تريانه

مع القدرة على المنافسة على الصعيد الدولي، ترى الرائدتان أنّ المنطقة أكثر من قادرةٍ على إنشاء قطاعٍ عظيمٍ لريادة أعمال.

وتقول سويد: "أعتقد أنّ الشرق الأوسط مثاليٌّ كسوقٍ ناشئة، فهي، على عكس الأسواق المتقدّمة حيث تكمن الفرص، يمكنك فيها ابتكار فرصتك وقيمتك الخاصّة."

ولكن ماذا عن انخراط المزيد من النساء في هذا المجال؟ تجيب بأنّه "خلال الأعوام الخمس أو العشر المقبلة، سترتفع نسبة النساء من 6% إلى 15%،" مشيرةً إلى دراسةٍ لكلية "بابسون" Babson College تُظهر نسبة النساء ضمن الاستثمار المُخاطر في وادي السيلكون.

أمّا غياب التعاون بين المستثمرين المُخاطرين الحاليين، فتعتبره سويد أمراً مؤسفاً، وتقول إنّه "في المنطقة، ما زال لكلٍّ منّا ملعبه الخاص."

وتلفتُ أيضاً إلى أنّ المستثمرين المُخاطِرين يحتاجون إلى تقديم المزيد من الدعم لروّاد الأعمال إلى جانب التمويل، مثل تعريفهم على أفضل الممارسات وتقديم المساعدة لهم فيما خصّ دفتر الشروط والنصائح القانونية.

"أرى أنّ الكثير [من المستثمِرين] غير ملائمين لروّاد الأعمال، في الوقت الذي لا تزال فيه القوّة بيد المستثمِرين المخاطِرين،" توضح سويد، شارحةً أنّ "الأمر لا يتعلّق بالاستسلام، بل يجب أن نوازي بين الاثنَين، وهذه وصفة النجاح."

"لدينا الكثير من التحدّيات، وليس لدينا وقتٌ لإعادة اختراع العجلة."

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة