ربيع الشركات الناشئة: كيف ستحرر التكنولوجيا المنطقة العربية؟ [رأي]

اقرأ بهذه اللغة

Startups in MENA

الشركات الناشئة أكثر من مجرّد بصيص أمل (الصورة لـ جوناس فيلر)

يتقدّم العالم العربي، ويظهر ذلك في أنّ الإدارات الحكومية تصبح أقلّ مركزيّة، والتعاون الاقتصادي الإقليمي يزداد في ظلّ الانتقال من اقتصاد النفط إلى اقتصاد المعرفة، والمؤسّسات تصبح أكثر شموليّة، والهويّات باتت تتأثّر بالقيم العالميّة عوضاً عن الانتماءات الطائفيّة. كلّ ذلك بالإضافة إلى أنّ إعادة بناء سوريا والعراق سوف تفتح أبواباً جديدة لفرصٍ كبيرة، ناهيك عن الأعداد الكبيرة من أبناء الجالية العربية الذين يخطّطون للعودة إلى بلدانهم الأمّ، أضِف إليها مجالات التعليم والعلوم والتكنولوجيا التي تزدهر، فيما تشجّع المجتمعات الشابة أفرادها على الأبحاث والمناقشات والابتكار.

هذا هو السيناريو المحتمل، ولا يهمّ إن كان لا يبدو كذلك.

في رسالتي للحصول على شهادة الماجستير بعنوان "الشركات الناشئة وريادة الأعمال في العالم العربي: لمحات عن ثورة صامتة - عمّان نموذجاً" Startups and entrepreneurship in the Arab world: Insights into a silent revolution with an emphasis on Amman أناقش التحدّيات التي يواجهها العالم العربي حاليّاً، وكيف تشكّلت، وما هي نتائج نهضة الشركات الناشئة التكنولوجيّة وريادة الأعمال في المنطقة على المدى الطويل.

الحاضر: "خبز- حريّة – عدالة اجتماعيّة"

تشمل التحدّيات الحالية في المنطقة مشاكل اقتصاديّة وسياسية واجتماعية مترابطة، رفعتها شعارات الانتفاضات الشعبيّة الفاشلة بين عامي 2010 و2011.

واليوم، تسجّل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أرقاماً قياسيّة مفاجئة من شأنها توعيتها على الوضع الذي تعاني منه: يوجد فيها أعلى نسبة بطالة لدى الشباب، وأكبر حصصٍ للحكومة من إجمالي الناتج المحلّي. كذلك، فإنّ هذه المنطقة التي تعتبر من أقّل المناطق حرّية في العالم، تعاني التجارة الإقليمية بين بلدانها من الركود والتخلّف، ناهيك عن النسبة التاريخيّة الكبيرة لـهجرة الأدمغة.

فضلاً عن ذلك، تتشارك اقتصادات المنطقة نمطاً من "الإيرادات غير المكتسبة" من مصادر مختلفة، مثل التحويلات المالية والمساعدات الأجنبيّة والنفط والغاز.

أمّا الحكومات من أنظمةٍ ملكية وجمهوريّات، فهي تتشابه من حيث المعضلات التي ترتبط بـأمد حياة الحكّام وولاة العهد المستقبليين، إضافةً إلى مكافحتهم لأي رؤى تتعلّق بمستقبل المنطقة. كذلك، فإنّ بعض السياسات بالإضافة إلى الفساد وعدم المساواة تسبب بهجرة الأدمغة (هجرة المثقفين) والفاشيّة (أفرادٌ بائسون يتبنون إيديولوجيّة "داعش").    

الماضي: "النظام السيئ سيغلب الشخص الجيّد في كلّ مرّة"

يسود تفسيران للركود الاقتصادي والسياسي في المنطقة، وهما يقومان إمّا على لوم العرب (متّهمين الثقافة والدين)، أو لوم الغرب (متّهمين الاستعمار وتدخلّهم المستمر في أمور العرب).

رغم أنّ المقاربتين قدّمَتا نظرة جديدة ومهمّة للأمور، إلّا أنّهما لم تتمكّنا من تفسير حالة العالم العربي وشرحها بشكلٍ تام وكامل: فإذا كنا نلوم الثقافة، لماذا ازدهرت المنطقة سابقاً كمركزٍ للعلوم والتجارة؟ وإذا كنّا نلوم الاستعمار، لماذا عادت كلّ المناطق التي كانت تحت الاستعمار أقوى بعد انتهائه (بالأخصّ عند سيطرة الأتراك على العالم العربي قبل اتفاقية سايكس-بيكو

لهذه الأسباب، يظهر أنّ المقاربة الأكثر إقناعاً هي النظرية المؤسّساتيّة، حيث تحدد المؤسَّسات "شروط اللعبة" في مجتمع معيّن متأثرةً بالتشريعات والأحداث التاريخيّة.

من دون التعمّق أكثر في هذه المسائل (الواردة بتفاصيلها في الرسالة)، يجب أن يبدو واضحاً كيف ساهمت هذه الأنماط في نشأة الثورات العربية ومن ثمّ فشلها. لكن نظراً إلى أنّ المطالب لا تزال قائمة وأن الأثر الذي تمتلكه قوّة الشباب والشوارع لم تختف بعد، ماذا سيكشف المستقبل؟

الثورة الهادئة التي يمكن أن تنجح.

المستقبل: "ثق بالأحلام، ففيها مفتاح الأبدية"

التكنولوجيا قوّة هائلة للتغيير، والأسواق الناشئة تقود الاقتصاد العالمي من خلال قفزاتها الكبيرة (العملاء الذين لم يكن لديهم خطّ أرضي يمتلكون الآن هاتفاً ذكياً)، لكنّها تستفيد بشكلٍ متفاوتٍ منه (فعلى سبيل المثال، تطبيقات تشارك ركوب السيارات carpooling تشكّل أداةً مميزةً في المدن حيث توجد وسائل نقل عامّة، فيما المدن مثل القاهرة وعمّان تكاد مواعيد الباصات تنعدم فيها).

كذلك، تتميّز هذه المنطقة بمجتمع شاب من الأصغر في العالم، والشباب يُقبلون على الإنترنت بشكلٍ كبير. هذا المزيج من تغيير الأجيال وإقبال الشباب على قيم جديدة بالإضافة إلى التكنولوجيا التي تصبح أكثر وفرةً وأقلّ كلفةً، سيؤدّي إلى أرضٍ جديدة خصبة وحاضنة لريادة الأعمال. وبالتالي، يصبح الشباب بأنفسهم  أصحاب شركاتهم الخاصّة ويبدؤون في حلّ مسائل ملحّة في مجالات التعليم والطاقة والتمويل والنفايات.

هذه التكنولوجيا الجديدة، بمساعدة ديناميكية الأسواق النامية والجيل الشاب، تتخطّى المركزيّة القديمة والتشدد والتقسيم. فريادة الأعمال تقف في وجه هجرة الأدمغة والفاشيّة الدينيّة، وهذا هو ربيع الشركات الناشئة. إنّها الثورة التي يمكن أن تنجح حيث فشل ‘الربيع العربي‘. وبالرغم من أنّها حديثة نسبيّاً، إلّا أنّها تحمل في طياتها المقدرة على تغيير المنطقة لأنّها ثورة صامتة تركّز على العقليّة والعادات اليومية والقرارات الفرديّة لثوّارٍ يتجنّبون المظاهرات من دون فائدة وأعمال العنف الشائنة.  

في الإجمال، من يدّعي معرفة مستقبل منطقةٍ متقلّبةٍ مثل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يكون دجّالاً. فمِن الأكيد أنّ درجات تشجيع ريادة الأعمال والاستفادة منها ستتفاوت بين البلدان، ومن المؤكّد أنّ الأمر سيتطلّب وقتاً طويلاً، ويمكن أن يتطلّب جيلاً بأكمله.

إنّ الشبان الذين تكلّمتُ معهم في عمّان لم يتركوا مجالاً كبيراً للشكّ في أنّهم سيشغلون مكانهم الطبيعي، والمحادثات التي أجريتُها جسّدت مفهوم تمكين الإنسان. سرد قصص النجاح يتمتّع بقوةٍ لا تصدّق: وهذا ما يفسّر أهمّية ازدياد عدد الناس في المنطقة الذين سيؤمنون بقدراتهم وقدرات منطقتهم.

بفضل الموقع الجغرافي للعالم العربي، بين الأسواق الناشئة في آسيا والاقتصاد الأوروبي المتقدّم وثروة القارة الأفريقيّة، فهو قد يستعيد الموقع الذي شغله لمدّة عقود كمركزٍ للتبادل التجاري.  

بالتحديد، ما ينقص المنطقة العربية فعلاً هو الرؤية: مشروعٌ يوحّد ويحرّك ويعزّز قدرات الناس. وهذه هي القوّة التي نجدها في ريادة الأعمال، التي تقدّم رؤيةً حول المعرفة والتعاون الإقليمي والمؤسّسات. فهكذا بنيت أوروبا منذ بضعة عقود، وهكذا تنهض آسيا اليوم، وربّما العالم العربي غداً.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة