'مؤسسة قطر': لبناء بيئة ريادية في المنطقة العربيّة

اقرأ بهذه اللغة

Sheikha Moza opening the ARC'16

رئيسة مجلس إدارة "مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع" Qatar Foundation for Education, Science and Community Development  الشيخة موزا بنت ناصر، تفتتح "مؤتمر مؤسسة قطر السنوي للبحوث" ARC'16. (الصورة من "مؤسسة قطر").

"منذ بضع سنوات، التقيتُ بوزيرٍ أردنيٍّ أخبرني أنّه يريد أن تحظى بلاده في السنوات القادمة بـ10 آلاف شخصٍ يحملون شهادات دكتوراه. فكّرتُ أنّ ’هذا رقم عظيم وطموح كبير، لكن ماذا ستفعل بكلّ أصحاب الشهادات هؤلاء؟"

بالفعل، إنّ هذا الرقم عظيم، لكن إلى أين سيذهبون، وأين سيعملون، والأهمّ هل سيولّدون دخلاً للاقتصاد المحلّي؟

هذه التساؤلات عرضتها ميسّر تقي الدين، مستشارة التسويق والعلامات التجاريّة في الولايات المتحدة والشريكة المؤسِّسة لـ"تك وادي" TechWadi، وهي منظَّمة تربط بين روّاد الأعمال في منطقة الشرق الأوسط ووادي السيليكون وتتّخذ من الولايات المتّحدة مقراً لها. وفي "منتدى العلماء العرب المغتربين للعلوم والابتكار في التكنولوجيا" Arab Expatriate Scientists and Technology Initiative الذي استضافه " قطاع البحوث والتطوير في مؤسّسة قطر" Qatar Foundation Research & Development، عرضت كيف يمكن للمنطقة التوجّه نحو بيئة رياديّة عالميّة للابتكارات العربيّة.

هذا المنتدى الذي أقيم الأسبوع الماضي كجزءٍ من "مؤتمر مؤسّسة قطر السنوي للبحوث" ARC، ناقش كيف يمكن للمنطقة العربيّة التفكير بأسلوبٍ رياديٍّ وبخاصّةٍ في حقل العلوم، وكيف يمكن لهذه المنطقة التي تشهد بزوغ علماء ومفكّرين تقنيين ماهرين أن تحافظ عليهم وتحثّهم على البقاء في بلدانهم؟

على درب الرحيل

"هارفارد" Harvard، و" معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا" MIT، و"كارنيجي ميلون" Carnegie Mellon، و"ستانفورد" Stanford، هي أسماء بعض الجامعات التي لمعت في السيَر الذاتيّة للعلماء وروّاد الأعمال الحاضرين في مؤتمر الأسبوع الماضي.

فكرة معاناة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من هجرة الأدمغة ليست بجديدة. فبحسب أبحاث "الجمعيّة المصريّة لدراسة الهجرة" Egyptian Society for Migration Studies، شهد عام 1976 هجرة 23% من المهندسين و50%، من الأطباء، و15% من كلّ العرب الحاصلين على شهادة جامعيّة، إلى الغرب. ولاحقاً، بين عامَي 1998 و2000، هاجر أكثر من 15 ألف طبيبٍ عربيٍّ إلى أوروبا.

وتشير الإحصائيات التي نشرَتها "مؤسسة الفكر العربي" Arab Thought Foundation، عام 2013، وفقاً لبيانات "منظّمة العمل العربيّة" Arab Labor Organization، إلى أنّ 100 ألف عالِمٍ ومهندس ومتخصّصٍ يهاجرون سنويّاً من مصر والعراق وسوريا ولبنان والأردن وتونس والمغرب والجزائر، مضيفةً أنّ ّ70% من هؤلاء لا يعودون إلى وطنهم.

الجدير بالذكر أيضاً أنّ 54% من الطلاّب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم كذلك.

من الأمثلة على ذلك في الفعالية، الشاب الجزائري بلقاسم حبّة الذي غادَر بلده إلى الولايات المتّحدة في مرحلة الدراسة، وحصل منذ ذلك الحين على أكثر من 600 براءة اختراع حول العالم والولايات المتّحدة، وعمل في "آي بي إم" IBM، وشارك في تأسيس "سيليكون بايب" SiliconPipe Inc (وهي شركة ناشئة تعمل في أجهزة الاتّصال العالية السرعة high-speed interconnect startup في وادي السيليكون)، كما ترأّس "تيسيرا" Tessera (شركة حلول إلكترونيّة) لسنوات عدّة.

قال حبّة: "لم أرَ الكهرباء حتّى عمر 12 سنة [...] ثمّ أبصرتُ النور". على الرغم من أنّ قوله هذا يلعب على الكلام، لكّنه لعبٌ جدّي. فبالنسبة إلى حبّة كانت هذه اللحظة كانت بداية جديدة لتحقيق إنجازاتٍ لم تتوقّف، لكنّ كلّ هذه الإنجازات والنجاحات حققها خارج المنطقة العربية.   

وإلى جانبه، فإنّ مشاركين آخرين في جلسة النقاش، ومنهم الشريك المؤسِّس لـ"كوانرجي سيستمز" Quanergy Systems Inc الذي أمضى سنوات في الولايات المتّحدة يؤسِّس لقدراته الرياديّة ويحدث أثراً، شدّد على أهميّة الموارد المتوفّرة في الولايات المتّحدة التي تجذب الشباب وتؤدّي بالتالي إلى نقص في القدرات الابتكاريّة التي تعود بالنفع على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

خيار غير جذّاب

اتّفق عددٌ كبيرٌ من المشاركين على أنّ الشرق الأوسط متأخّرٌ بسنوات عدّة فيما يتعلّق بالإبقاء على القدرات المحليّة وإحداث تقدّم في الشركات الناشئة في مجال العلوم.

وقال أحد المستثمِرين الزائرين، في حديثه مع "ومضة"، إنّهم في حين يستثِمرون في الشركات الناشئة في المنطقة العربيّة فهُم يشجّعون أولادهم على البحث عن حياةٍ في الخارج.

وذكر أغلب المندوبين الذين تحدّثت إليهم "ومضة" أنّه "حين تبدأ الجامعات والمؤسَّسات حول العالم بتأمين الضمانة والموارد غير المتوّفرة في المنطقة العربيّة، ستشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا موجة رحيلٍ كبيرة."

في المقابل، تبدو الأمور واعدة، إذ أنّ العروض القصيرة التي قدّمها الباحثون في "مؤتمر مؤسسة قطر السنوي للبحوث" كانت دليلاً على احتمال نشأة شركات ناشئة من هذا النوع في قطر وغيرها.

من المغرب، "أل تي دي أر" LTDR (تكنولوجيا اللغة والبحوث لفائدة ذوي الإعاقة) يعملون على أجهزة التكنولوجيا المساعدة للعمي والصمّ وقد طوّروا "نظام ترميز لتعابير الوجه وتحرّكاته" ‘facial action coding system’ وهو بمثابة قاموس واقع افتراضي. تهدف هذه الأجهزة إلى ترجمة لغة الإشارة العربية إلى لغة إنجليزيّة مكتوبة ومسموعة.

منهم من يعود

قال خالد إسماعيل الذي عاد إلى المنطقة العربيّة مرّتين، إنّه بعد أن يعمل الشخص حول العالم فهو يعتاد على وجود تسهيلات ومواهب عالميّة. "لقد حاولتُ العودة إلى مصر عام 1990 لكنّ غياب التحدّي الفكري صدمني،" حسبما أضاف إسماعيل ذاكراً أنّ العودة الثانية إلى القاهرة كانت في عام 1997 لقضاء إجازة، حتّى أقنعه أحد أصدقائه بالبقاء لمساعدته في شركته لتصنيع السيراميك.

بعد ذلك أسّس في عام 2011 صندوق تمويلٍ تأسيسيٍّ باسم "كي أنجل" Kiangel يركّز على الاستثمار في الشركات الناشئة في مراحلها الأولى في المنطقة العربية، وقد استثمر هذا الصندوق حتّى الآن في 11 شركة ناشئة مصريّة.

وكنصيحةٍ لهؤلاء الذين يفكّرون بالهجرة، قال "ادرسوا في الخارج ولا تعودوا مباشرة. أحدِثوا أثراً في المجال الذي تعملون فيه، وإذا شعرتُم أنّه يمكنكم إحداث أثرٍ عند عودتكم، عودوا."

من جهته، فإنّ عيسى بطارسة، الدكتور الجامعي في الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب، غادر الأردن إلى الولايات المتّحدة بعد تخرّجه من الجامعة، لكنّه منذ 6 سنوات وجد نفسه عائداً إلى الأردن، إلى "جامعة الأميرة سميّة للتكنولوجيا" Princess Sumaya University for Technology.

وأخبر "ومضة" عن هذا الأمر قائلاً: "أردتُ أن يكون أولادي في الولايات المتّحدة، فالسبب بالدرجة الأولى عائليّ ثمّ مهنيّ." وعندما سُئل لماذا، أجاب هذا الأكاديمي الذي أسّس بنفسه شركتين ناشئتين بأنّ عمليّة تأسيس شركةٍ ما تشبه عمليّة سحب اللوتو، إذ "عليك أن تختار ستة أرقام رابحة [لتفوز] وليس خمسة."

وبحسب بطارسة، فإنّ الشباب الأردني اليوم يختلف عمّا كان عندما غادر الأردن، فلقد أصبح الطلاب أكثر نضجاً وكفاحاً ووعياً، لكن لا يزال هناك نقص في الابتكار والإبداع.

التحفيز لتأسيس الشركات محليّاً

لا شكّ أنّ الأسباب التي تدفع الأكاديميين وروّاد الأعمال الشباب للبقاء في المنطقة في تزايد مستمرّ.

وفي إطار الحديث عن "واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا" Qatar Science & Technology Park وبرنامج تسريع النموّ الخاص بها، قالت المديرة هيا الغانم إنّ غياب الفهم المعمّق للسوق أو المجال أدّى إلى كبح انطلاقة الشركات الناشئة، وبالتالي فهُم يعملون اليوم لحلّ هذه المشكلة.

ففي برنامج التسريع الخاص بهم، يركّزون على مساعدة الشركات الناشئة في بناء فرقهم والتوفيق بين الأعمار والخلفيات وتوفير الموارد اللازمة لهم لبناء منتجاتهم. وفيما تَقَدَّم للدفعة الأولى 38 طلباً فقط، تلقّت دفعتها الثالثة التي أقيمت مؤخّراً 160 طلباً.

كذلك، شدّدَت الغانم على ضرورة تفاعل المغتربين العرب مع البيئة الرياديّة المحليّة، وعلى ضرورة تسهيل الحكومات لعمليّة تغيير السياسات، وأهميّة مشاركة الشركات الكبرى في هذه البيئة بحيث يمكنها أن تصبح من الداعمين أو العملاء.

وكان أهمّ ما جاء في نصيحتها هو الدعوة إلى تغيّرٍ ثقافيٍّ مستمرّ.

بدوره قال تقيّ الدين إنّه رغم الفرص الجديدة التي يتمّ إنشاؤها في المنطقة، يجب على روّاد الأعمال الذاهبين إلى وادي السيليكون فهم أنّهم كانوا أسماكاً كبيرةً في برك صغيرة. ومع جاذبية وادي السيليكون الكبيرة في أعين الشركات الناشئة، ستؤدّي التوقّعات التي لا تدار بشكلٍ مناسب إلى نوعٍ من خيبة أمل عليهم التحضّر لها.

في الإجمال، لبناء بيئة رياديّة قويّة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ينبغي التسويق للقيام بالبحوث اللازمة. وفي ردٍّ على تعليق تقي الدين حول ماذا نفعل بـ10 آلاف شخصٍ يحملون شهادات دكتوراه، قال الدادا:" إذا لم يكن هناك أثرٌ ونجاحٌ تجاري، فشهادات الدكتوراه هذه لا قيمة لها."

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة