هل ساعد الاستثمار الأجنبي الشركات الصغيرة والروّاد الأردنيين؟

اقرأ بهذه اللغة

أجرت المنظمة غير الحكوميّة الأردنيّة "قادة الغد" Leaders of Tomorrow، في وقتٍ قريب، أبحاثاً عن تاريخ الإصلاحات الاقتصاديّة المحليّة.

توصّلت الأبحاث إلى الاستنتاج التالي: إنّ الأردن يعير اهتماماً كبيراً للاستثمارات الأجنبيّة كوسيلةٍ لدعم النموّ الاقتصادي على حساب مساعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم وروّاد الأعمال الذين يشكّلون ركيزة اقتصادها.

"ما تكرر في هذه العمليّة هو حصول المستثمرين الأجانب وبعض المستثمرين المحليين الكبار على فرصة تخطّي الصعوبات والالتفاف على القوانين وتلقي المحفّرات الضخمة،" حسبما يشير مدير المشاريع في "قادة الغد"، هيثم الكخن.

"في غضون ذلك، فإنّ الشركات الصغيرة والمتوسّطة الحجم تشكّل 96% من الاقتصاد، وتُنتِج أكثر من 50% من إجمالي الناتج المحلّي، لكنّها تعاني من الضرائب والرسوم المرتفعة، ورقابة القوانين المستمرّة المصمّمة لخدمة الاستثمارات الأجنبيّة عوضاً عن مساعدة هذه الشركات على النموّ."

الاستثمارات الأجنبيّة واقتصاد الأردن

الاستثمار الأجنبي المباشر، أي الاستثمارات التي تقوم بها هيئات أجنبية في شركةٍ أو هيئةٍ في بلدٍ آخر، غالباً ما تكون مقابل حصّة الأغلبية في الشركة (وهي حصّة تسمح بالسيطرة على الشركة).  

على المستوى العملي، يحدث الاستثمار الأجنبي المباشر عندما تستثمر شركاتٌ كبرى متعدّدة الجنسيات في بلدٍ ما عبر تأسيس مصانع فيه أو عندما تستحوذ على شركةٍ موجودة فيه، مثل قيام شركة الاتصالات في الكويت باسم "مجموعة زين" Zain Group بشراء شركة الاتصالات الأردنيّة "فاست لينك" Fastlink عام 1994 وتحويلها إلى "زين الأردن" Zain Jordan.

وقد يرمز الاستثمار الأجنبي المباشر بكلّ بساطة أيضاً إلى مستثمِرٍ تأسيسيٍّ من وادي السيليكون يستثمر في شركةٍ ناشئةٍ صغيرة في المجال التكنولوجي مقابل حصّة الأغلبية فيها.

يعتبر بعض علماء الاقتصاد الاستثمار الأجنبي المباشر وسيلةً أساسيّة لإطلاق شرارة النموّ الاقتصادي في دول الاقتصاد الناشئ، حسبما ورد في تقرير "المجلة الدوليّة لإدارة الأعمال" International Journal of Business عام 2013 عن الاستثمار الأجنبي المباشر في الأردن ‘Foreign Direct Investments in Jordan’. أمّا البعض الآخر فيبدوم أكثر تشاؤماً حيال هذا الموضوع إذ يعتبرون الاستثمار الأجنبيّ المباشر الشكل الجديد للاستعمار.

ولكن بالرغم من كلّ ذلك، فإنّ آثار الاستثمار الأجنبي في الأردن، بالأخصّ على الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، أقلّ وضوحاً.

آن الأوان لمناقشة الموضوع

من أجل كلّ ذلك، قرّرت منظمة "قادة الغد" LoT تنظيم مناظرةٍ عامة حول الموضوع، فتمّ التركيز على كيفيّة تأثير الاستثمار الأجنبي على الشركات الصغيرة والمتوسّطة التي تشكّل حوالي 98% من الشركات الأردنيّة. 

جاءت هذه الفعاليّة تحت عنوان "الاستثمارات الأجنبيّة لَمْ تخدم الاقتصاد الأردني" Foreign Investment has not served the Jordanian Economy، وعقدَت في نهاية شهر شباط/فبراير ضمن سلسلة مناظرات "ديوانيّة" Diwanieh debate series، وهي مبادرة أطلقتها "قادة الغد".  كما جاءت أيضاً في إطار مشروع "إيكونراد" EconRAD، المبادرة المشتركة بين "قادة الغد" و"آدم سميث إنترناشونال" Adam Smith International.

قبل المناظرة، سأل الكخن الجمهور عن رأيهم في حيال هذا الموضوع، فكشف الاستطلاع برفع الأيدي أنّ 19% من الحاضرين وجدوا أنّ الاستثمار الأجنبي يضرّ الاقتصاد الأردني، و25% وجدوا العكس تماماً، فيما اتخّذ الباقون موقعاً غير مقرّر.

وضمن المناظرة، ناقش لمصلحة الاستثمارات الأجنبيّة معالي الدكتور طاهر كنعان، العضو في مجلس الأعيان والمدير العام السابق لـ"بنك الإنماء الصناعي" Industrial Development Ban، في حين ناقش ضدّها معالي الدكتور محمد الحلايقه، العضو في مجلس الأعيان أيضاً ووزير الصناعة والتجارة وزير الاقتصاد الوطني السابق.

الدكتور كنعان (إلى اليسار) والدكتور الحلايقه، يتواجهان في مناظرة "ديوانية" (الصورة لـ صامويل وندل)

سعي الأردن للاستثمارات الأجنبيّة

بدأ الأردن في أواخر التسعينات بملاحقة الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة بشدّة، فحرّر قيود التجارة واعتمد سياسة الخصخصة وأسّس "بورصة عمّان" Amman Stock Exchange.

كما أنشأ مناطق اقتصاديّة خاصّة بهدف جذب الشركات الكبرى المتعدّدة الجنسيات من خلال تقديم ميّزات مثل إمكانية أن تكون ملكيّة الشركة أجنبيّة 100%، والسماح بنسبة 70% من اليد العاملة الأجنبيّة.

ومن الأمثلة على ذلك، "المناطق الصناعيّة المؤهّلة" Qualifying Industrial Zones، وهي مناطق معفيّة من الرسوم الجمركيّة أنشئت في الأردن بالتعاون مع الولايات المتّحدة و"إسرائيل" لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر من الشركات الكبرى المتعدّدة الجنسيات.

وأيضاً يوجد "مجمّع الملك الحسين للأعمال" King Hussein Business Park في عمّان الذي استعان  بـ"قانون المناطق التنمويّة" Development Area Law المشجّع للاستثمار الأجنبي المباشر لإقناع الشركات التكنولوجيّة، مثل " هوليت - باكارد" Hewlett-Packard و"مايكروسوفت" Microsoft و"سامسونج" Samsung و"سيسكو" Cisco، بافتتاح مكاتب لها هناك.

وفي أواسط أواسط العقد الأول من الألفية الثانية، كان الأردن من بين البلدان الثلاثة الأولى الأكثر جذباً للاستثمارات الأجنبيّة المباشرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

في بداية المناظرة، سأل مؤسِّس ومدير "قادة الغد"، سامي الحوراني، الذي أدار هذه الجلسة، ما إذا جاء السعي لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة هذا على حساب الشركات الصغيرة والمتوسّطة الأردنيّة التي لم تستفِد من هذه السياسات الاقتصادية.

أجاب الحلايقه عن هذا السؤال بأنّ كلّ بلدان العالم تسعى للحصول على استثمارات أجنبيّة مباشرة والأردن لا تختلف عنها، "لكنّ هذا لا يجب أن يأتي على حساب الاقتصاد الوطني بل يجب أن يشكّل قيمةً مضافة."

أمّا كنعان فقال ردّاً على هذا الجواب، إنّ الحصول على استثمار أجنبي مباشر "حُلمٌ" للشركات الصغيرة والمتوسّطة الأردنيّة، وإنّ على البلاد وضع المشاريع الكبيرة التي تهدف إلى جذب هذا الاستثمار ضمن أولويّاتها.

كيف أثّر اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر على الشركات الصغيرة والمتوسّطة وعلى روّاد الأعمال

تطرّق مدير الجلسة إلى القيمة التي تأتي بها الاستثمارات الأجنبية المباشرة وإذا ما كانت تستأهل إهمال الشركات الصغيرة والمتوسطة المحليّة، ذاكراً نجاح الشركات الناشئة في مجال التجارة الإلكترونية مثل "ماركة في أي بي" MarkaVIP وعدد الشركات التي عاجلاً أم آجلاً ستنقل عمليّاتها إلى الخليج حاملةً معها كلّ ما لديها من قيمة.

في حين يعتبر أحد الأسباب التي تجعل الشركات الصغيرة والمتوسّطة تنتقل أو تتوسّع إلى الخليج هو صغر حجم السوق المحليّة، غير أنّه يوجد بعض الشركات الناشئة التي تنتقل لإيجاد الاستثمارات إذ أنّ نقص التمويل يُعدّ مشكلةً أساسيّة لها.

وفي إطار الدفاع عن الاستثمار الأجنبي المباشر، أشار كنعان إلى أنّ الشركات الصغيرة والمتوسّطة لا يمكنها أن تقود إلى النموّ المنتظر في الاقتصاد المحلّي، وتابع قائلاً إنّه "لا يمكنك الاعتماد على [الشركات الصغيرة والمتوسطة فقط]، فنحن بحاجة لمشاريع أكبر."

كنعان يجادل لمصلحة الاستثمار الأجنبي (الصورة من "ديوانيّة")

بالرغم من أنّ الاستثمار الأجنبي المباشر لم يفِد الشركات الأردنيّة الصغيرة والمتوسّطة مباشرةً، إلاّ أنّه قد أفاد بعض روّاد الأعمال، واستشهد الحلايقه بـ"مجموعة زين" المذكورة آنفاً.

قال الحلايقه ممازحاً إنّ "الكويت استعمرَت الأردن"، وذكر أنّ شركة الاتصالات الكويتيّة كانت مسؤولةً جزئيّاً عن إطلاق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات المحليّة من خلال استثماراتها في الأردن.  

كما أدّت شركات الاتصالات الأجنبيّة مثل "زين" و"أورانج" Orange دوراً كبيراً في تحسين البنية التحتيّة للإنترنت وتأسيس شبكات الجيل الثالث 3G في الأردن، والتي من دونها لم يكن ليتأسّس عددٌ كبيٌر من الشركات الناشئة في مجال التجارة الإلكترونية والتطبيقات على الهواتف المحمولة. كذلك، شجّعت "زين" مجتمع ريادة الأعمال في الأردن من خلال تأسيس خدماتٍ لدعم الشركات الناشئة مثل "منصّة زين للإبداع" Zain’s Innovation Campus.

لكن بالإجمال، فإنّ الآثار الإيجابية للاستثمار الأجنبي المباشر في الأردن تجاهلت الشركات الصغيرة والمتوسّطة وروّاد الأعمال.

العائد على الاستثمار الأجنبي

توجّه الاستثمار الأجنبيّ المباشر في الأردن حتّى الآن نحو اثنين من أهمّ موارد المملكة، وهي المشاريع الكبيرة مثل "المناطق الصناعيّة المؤهّلة"، والصناعات الثقيلة مثل استخراج الفوسفات والبوتاس. ولكن حتّى في هذه المشاريع، يقول البعض إنّ آثار الاستثمار الأجنبي المباشر لم تُحقِّق النتائج المطلوبة.

وبحسب التقرير عن الاستثمار الأجنبي المباشر في الأردن، فإنّ منافع الملكيّة الأجنبيّة للشركات في "بورصة عمّان" هي "مختلطة وتميل إلى انعدام التأثير".

على الرغم من ذلك، ليس الأمر بهذا السوء بالنسبة لروّاد الأعمال، فبعد أن استحوذت "ياهو" Yahoo على الشركة الناشئة الأردنيّة "مكتوب" Maktoob عام 2009، ازداد الحماس لدعم روّاد الأعمال.

وبالتالي، في عام 2010، استثمر "صندوق الملك عبد الله الثاني للتنمية" King Abdullah II Fund for Development في تأسيس مسرّعة النموّ "أويسيس 500" Oasis 500 التي بدأت بنهضة اقتصاديّة للشركات الصغيرة والمتوسّطة في الأردن – بالرغم من أنّ هذه النهضة عادت بالفائدة على الشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا والاتصالات في الدرجة الأولى.

من جهته، وبالنظر إلى المستقبل، وافق الحلايقة على أنّ الأردن يجب أن ينتقل إلى اقتصاد معرفي مضيفاً أنّ "ذلك يجب أن يتزامن مع جذب الاستثمار الأجنبي المباشر."

بعد انتهاء الجلسة، أعاد المتحدّث باسم "ديوانية" استطلاع الجمهور عن الاستثمار الأجنبي المباشر عبر رفع الأيدي: رأى 25% من الحضور أنّ لهذا الاستثمار أثرٌ سلبي، ووجده 33% إيجابياً، في حين بقيت الأغلبيّة بنسبة 42% في موقع المتردّد.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة