القمة العالمية للحكومات: ماضي الإمارات ينبئ عن مستقبلها

اقرأ بهذه اللغة

Attendees of the World Government Summit

المشاركون في "القمة العالمية للحكومات" في هذا العام. (الصورة من "ذا ناشونال"/ باوان سينغ)

سبق ونُشر هذا الموضوع على "نولدج آت وارتون" Knowledge@Wharton، وهذه نسخةٌ مترجمة منه، معدّلة ومحرّرة.

في هذا العام، استضافت دبي مؤتمر "القمة العالمية للحكومات "World Government Summit حيث شارك أكثر من 4500 شخص من 130 بلداً حول العالم. أظهرَت هذه القمة "النمو الهائل لدولة الإمارات والتحديات الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها حالياً،" بالإضافة إلى خططها في "استعادة إرثها في الابتكار في مجال العلوم الذي يعود إلى العصر الذهبي للإسلام،" وفقاً لكاتبي هذه المقالة، دافني تشن، وكريستال نووركي، وفالنتينا ريابوفا، ودونجي تشانغ وأحمد فكري - وهم جميعهم طلّاب ماجستير في إدارة الأعمال من "وارتون" Wharton لعام 2016، حضروا قمّة هذا العام.

تمّ اتّخاذ "متحف دبي" كرمزٍ لهذه القمة التي عُقدت في مواقع حديثةٍ جدّاً، وهو أقدم مبنى في الإمارة يعود بناؤه إلى عام 1787 حيث كان يُعرَف بـ"حصن الفهيدي" قبل أن يتحوّل إلى متحف في عام 1971. أمّا شعار القمذة فكان: "استشراف المستقبل مع الحفاظ على الماضي".

ألقى الرئيس الأمريكي باراك أوباما الكلمة الرئيسية في القمّة، وقال إنّ "البلدان تنعم بمزيدٍ من السلام والاستقرار عندما ترعى مصالح مواطنيها،" مضيفاً أنّ "الحكومات التي تتبنّى نهج الإصلاح وتستثمر في حياة شعوبها ستظل شريكاً وصديقاً دائماً للولايات المتحدة".

ويبدو أنّ الإصلاح هو طريقة عيشٍ في الإمارات العربية المتّحدة التي شهدَت تحوّلاتٍ هائلة منذ تأسيسها في عام 1971. (دبي هي أكبر مدينةٍ في الإمارات) وما كان في يومٍ من الأيّام مجتمعاً بدوياً شبه منظّم بات اليوم من أكثر المجتمعات بحبوحةً وتعليماً وربّما من أكثر البلدان سعادة. كما أنّ الإمارات اليوم أصبحت الاقتصاد الأكثر تنويعاً في الخليج، وثاني أكبر اقتصادٍ في العالم العربي.

ولذلك، يبدو من المناسب أن تستضيف دولة الإمارات العربية المتحدة "القمة العالمية للحكومات"، ذلك منذ أن بدأت في عام 2013.

قمّة 2017 ستشهد توسيعاتٍ أكثر بعد. فوفقاً لعهود خلفان الرومي، وزيرة دولة الإمارات العربية المتحدة الدولة للسعادة، والتي يشغل أيضاً منصب نائب رئيس اللجنة المنظّمة لـ"القمة العالمية للحكومات"، فإنّ من بين الأمور الأخرى التي ستشهدها القمة هي الانفتاح على مشاركة الشركات والمؤسّسات.

وكانت قمّة عام 2016 قد شكّلت فرصةً للدول الأخرى كي تتعلّم الدروس وتستشفّ بعضاً من تاريخ الإمارات الذي يبلغ 40 عاماً في بناء الدولة، فيما ضمّ المنتدى قادة الفكر والمبدعين من جميع أنحاء العالم، من حقول متنوّعة مثل التنمية الدولية والطاقة والطب الحيوي والسفر إلى الفضاء.

بالإضافة إلى ذلك، قدّمت القمّة رؤيةً حول كيفية سعي دولة الإمارات لاستعادة إرثها في الابتكار في مجال العلوم الذي يعود إلى العصر الذهبي للإسلام، أي الفترة الواقعة بين 800 م و1200 م والتي تميّزت بإنجازاتٍ فكرية وثقافية هامة. في ذلك الوقت كان العالم الإسلامي مركز العلم والابتكار وليس الغرب، وكان الناس من جميع أنحاء العالم يأتون إلى منطقة الشرق الأوسط للتعلّم من مفكّرين كبار مثل ابن الهيثم، والد الفيزياء الحديثة، ومحمد بن زكريا الرازي، وهو فيلسوف وعالم بصريّات.

في محاضراتهم عن العلوم الإسلامية والعصر الذهبي للإسلام، ذكر جيم الخليلي، أستاذ الفيزياء النظرية في جامعة "ساري" University of Surrey، ونيل تايسون، عالم الفيزياء الفلكية، والمشاركون في القمة، أنّ مفتاح نجاح هذه الفترة كان ثقافة الاستفسار التي كانت تنتشر بين أناسٍ لم يهابوا التحدّيات.

كلاوس شواب من "المنتدى الاقتصادي العالمي" حذّر الحكومات من أنّ ثورة التكنولوجيا والابتكار قادمة مثل تسونامي، لذا من الأفضل الاستعداد لذلك.

بالنسبة إلى العقبات التي تواجه دولة الإمارات العربية المتحدة الآن في خلال سعيها إلى إحياء هذا التراث، فهي لا تكمن فقط في التذكير بأنّ الابتكار حقّ مكتسب، ولكن أيضاً في إثبات ريادتها عالمياً في مجال تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات STEM، في وقتٍ يأتي الابتكار إلى حدٍّ كبيرٍ من الغرب. وإذا كان الشرق الأوسط يوماً ما حجر أساس الابتكار العالمي، فما الذي يمنع المنطقة من إحياء هذا التراث، وما الدور الذي ستلعبه دولة الإمارات في تولّي زمام القيادة؟

الثورة الصناعية الرابعة

من الأصوات التي نادَت بضرورة أن تصبح الحكومات أفضل من حيث الابتكار، تولّى كلاوس شواب، المؤسّس والرئيس التنفيذي لـ"المنتدى الاقتصادي العالمي"، إيضاح نظريته حول الثورة الصناعية الرابعة، استناداً إلى فرضية أن التكنولوجيا والرقمنة وإنترنت الأشياء يقومون بتحويل طريقة التفاعل على المستويات الاجتماعية والمادية وحتى البيولوجية.

كما حذّر الحكومات من أنّ ثورة التكنولوجيا والابتكار قادمة مثل تسونامي، لذا من الأفضل الاستعداد لذلك. وبالنسبة إلى دولة الإمارات وكثيرٍ من دول الشرق الأوسط، فإنّ التكيف مع الأنظمة الجديدة التي تنبع من هذه الثورة يتطلب أكثر من مجرّد استثمار في العلوم والتكنولوجيا، وهو يحتاج إلى ثقافة الابتكار والاكتشاف، التي كانت تسود في المنطقة سابقاً، والتي باتت تنشط الآن.

وفي حين تطرّقت إحدى المبادرات خلال القمة إلى بعثة الإمارات الأولى إلى المريخ، تزايدت التساؤلات حيال تزايد عدم التوافق بين العرض والطلب على المهنيين المؤهّلين علمياً (بنظام العلوم والتكنولوجيا الهندسة والرياضيات STEM) في هذا البلد؛ وهي فجوة ما تحاول مختلف الدول العمل على سدّها.

في هذا الصدد، أشار كلٌّ من إبراهيم القاسم، مدير التعليم والتوعية الإعلامية لبعثة الإمارات إلى المريخ، وتايسون، إلى أنّ كان السباق إلى الفضاء في ستينات القرن الماضي كان مسؤولاً عن جيلٍ من المهتمّين في مجال العلوم. وبالتالي فإنّ وضع رهاناتٍ كبيرة لتحفيز مثل هذه المساعي، هو على أقلّ تقدير خطوة جريئة لإحياء الاهتمام في بنظام العلوم والتكنولوجيا الهندسة والرياضيات STEM.

السؤال المركزي للقمّة كان: ما هو دور الحكومة؟ بعد ثلاثة أيام من الندوات والخطب والمناقشات، يبدو أنّ الجواب تمحور حول فكرة أنّه ينبغي على الحكومات يأن تصبح منصّةً لتقديم الخدمات العامة. ففي حين أصبح الناس أكثر تفاعلاً مع التكنولوجيا والتواصل مع الكائنات الرقمية، يجب على الحكومات أن تتكيف مع هذه التوجّهات إذا أرادت البقاء على قيد الحياة. فالقدرة الحاسوبية تتضاعف كلّ 18 شهراً، والناس يتحرّكون بشكلٍ أسرع ويتوقّعون أموراً أكثر من أيّ وقتٍ مضى.

ومن الأمثلة على تجريب فكرة الحكومة كمنصّة، هي "هيلث كير.جوف" healthcare.gov في الولايات المتحدة. فعلى الرغم من الرغبة في تلبية المستخدِمين على شبكة الإنترنت حيث يشعرون بالراحة في طلب غيرها من الخدمات، كان إطلاق "هيلث كير.جوف" بمثابة كارثة وحظيت بمعدلات التحاق منخفضة - ما يطرح علامة استفهام حول ما إذا كانت الحكومة قادرة على تشغيل هذه المنصّات أم لا. ففي خارج الولايات المتحدة، وحتى في دول "منظمة التعاون الاقتصادي" OECD ذات الدخل المرتفع، لا يزال افتتاح مشروعٍ تجاري ّجديد يحتاج إلى أكثر من ثمانية أيام عمل، وحوالي خمسة إجراءات مختلفة.

ففي حين أصبح الناس أكثر تفاعلاً مع التكنولوجيا والتواصل مع الكائنات الرقمية، يجب على الحكومات أن تتكيف مع هذه التوجّهات إذا أرادت البقاء على قيد الحياة.

في المقابل، بعض العلامات المبكرة الواعدة تصبح أكثر وضوحاً، مثل مبادرة الحكومة كمنصة في المملكة المتحدة، وموقع الحكومة الإلكتروني في الإمارات government.ae، تشير إلى أنّ الجهود نحو الوصول السهل إلى الخدمات الحكومية ما زال يجري العمل على تحسينه. ومع ذلك، تساءل البعض عمّا إذا كان القطاع الخاص أفضل تجهيزاً للتعامل مع مثل هذه الخدمات أم لا.

عقيدة التكامل

الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الوزراء في دولة الإمارات، ووزير الداخلية، تحدّث إلى الجمهور عن "عقيدة التكامل" في الإمارات العربية المتحدة. فعلى هذا النهج، يعمل القيادة والحكومة والمجتمع للتعلم بشكلٍ متواصل من الماضي من أجل الاستعداد للمستقبل بشكلٍ أفضل. على الحكومات أن تكون سبّاقةً في استشراف الاضطرابات والتخطيط لها، لتجنّب الفشل الناجم عن ردود الفعل بالدهشة. وهذا يمكن أن يتحقّق فقط عندما تتماشى الحكومات مع هذه رؤية وتتعاون بدلًا من أن تتنافس على التنفيذ. وبحسب عقيدة التكامل، فإنّ إخفاقات الماضي تمثل فرصاً ثمينة للتعلم والتحسين أكثر منها فرصاً لإلقاء اللوم على أحدٍ آخر.

بينما يتمّ الاحتفال بتقدّم دولة الإمارات، يبرز إلى الواجهة مدى هشاشة هذا الازدهار بسبب الاضطرابات السياسية والاقتصادية في المنطقة. فبالنظر إلى الترابط العميق بين الدول العربية، فإنّ ازدهار دولة الإمارات يعتمد إلى حدٍّ كبيرٍ على ازدهار جيرانها. في الماضي، هذا الترابط ذاته هو ما أتاح الفرصة للمنطقة أن تزدهر. لذلك، لم تولِ القمة اهتماماً كبيراً بكيفية دفع عجلة التنمية في المستقبل وحسب، بل أيضاً بكيفية الحفاظ على تلك النتائج الثمينة التي كان من الصعب جداً تحقيقها. تمتلك الدول العربية لديها الكثير من إمكانات النموّ الاقتصادي مثل توافر الموارد الطبيعية ورأس المال البشري والقوى العاملة من السكان الشباب. ومع ذلك، فإنّ الاضطراب السياسي والاجتماعي في المنطقة قد يمنع الدول من الاستفادة من هذه الموارد بأقصى إمكاناتها.

التحديات الخمسة للمنطقة العربية

تحدّث في القمة أمين عام مجلس التعاون الخليجي عبد اللطيف الزياني عن خمسة تحديات ينبغي التصدي لها من خلال التعاون بين الدول العربية، من أجل الحفاظ على الازدهار وتعزيزه في المنطقة وفي كلّ دولةٍ على حدة.

التعاون والرؤية المشتركة لاستقرار الوضع في المنطقة. فحجم وضخامة الأزمة السياسية والاقتصادية الراهنة في المنطقة يعود إلى أنّه لا يوجد دولة يمكنها حسم الموقف من تلقاء نفسها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن لدولة منفردة تحمّل عدم اتخاذ إجراءات في ظل الظروف الراهنة، خصوصاً وأنّ التقاعس يُبعد الاستثمارات والشركاء ورجال الأعمال من المنطقة.

ضمان تحقيق الأمن والأمان. يجب على الدول العربية توفير بيئة سليمة وآمنة لجميع مواطنيها. ومن الأهمية بمكان خلق بيئةٍ آمنةٍ لتسهيل النمو الاقتصادي وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، خصوصاً أنّ بعض الدول العربية تعمل على تنويع اقتصاداتها بعيداً عن الاعتماد على الوقود الأحفوري.

القضاء على الإرهاب. القضاء على الإرهاب ومحاربته من خلال تجفيف منابع تمويل الإرهابيين، ووضع حدّ للأعمال الوحشية من خلال التعاون الدولي في مجال الشرطة، والإعلام، والاقتصاد، وجميع المجالات الأخرى محليا ًوإقليمياً ودولياً.

مساعدة اللاجئين عبر حشد الحكومات والشعوب العربية لتقديم المساعدات إلى الملايين من النازحين واللاجئين من فلسطين، وسوريا، وليبيا. فالبلدان العربية لا يمكن أن تقبل أن يموت الأطفال السوريين من الجوع أو بسبب الحرب، أو غرقًا في البحر المتوسط. نحن في حاجة إلى تكاتف الجهود لتقديم المساعدات الإنسانية لهم جميعًا"

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة