عندما لا يثق المستثمرون في المنطقة بالنساء

اقرأ بهذه اللغة

بقيَتْ رائدة الأعمال اللبنانية ريان الذهب تُجري مقابلات عمل لتسمع الشيء نفسه من مديري التوظيف: كنّا نتوقّع أن نقابل السيد ريان.

بعد الكثير من هذه اللقاءات التي أعرب فيها أرباب العمل المحتملون عن خيبة أملهم في مقابلة مرشحةٍ أنثى بدلاً من مرشّحٍ ذكر، قامَت ريان بإضافة جندرها وصورتها على السيرة الذاتية، قائلةً: امرأة شابة ترتدي الحجاب مع خلفيةٍ مهنيةٍ وأكاديمية قوية في مجال برمجة الكمبيوتر.

وبالتالي حصلت بعد ذلك على عددٍ أقلّ من الدعوات، لكنّها على الأقلّ قامَت بتنحية المتعصّبين.

Rayan
ريان الذهب، مؤسِّسة "بامبو جيكس" Bamboo Geeks، وهي منصّة تعمل على سدّ الفجوة في المهارات بين الجامعة والعمل. (الصورة من ريان الذهب)

بعد يومٍ واحد، أي بعدما قرّرَت إطلاق تدريبٍ مهنيّ على الوظائف لمبرمجي الكمبيوتر، دُعيَت إلى مقابلة عمل في شركةٍ لتكنولوجيا المعلومات فاستغلّتها لعرض فكرتها.

قرّر الرئيس التنفيذيّ للشركة المشاركة في هذه الجلسة، ولكنّه لم يكن معجباً كثيراً بل بادلها بعض النصائح الشخصية كأبٍ لثلاث بنات. وقال لها إنّه عندما تتزوّج سوف تتخلّى عن عملها لصالح عائلتها، ناصحاً إيّاها بالنظر إلى مجالاتٍ أخرى تتطلّب عملاً ذهنياً أقلّ مقارنةً ببرمجة الكمبيوتر.

التعوّد على الرفض

ما يميّز قصة الذهب ليس أنّها حُرِمت من الدعم بسبب جنسها، إنّما سببُ الرفض الذي كان يُقال لها بشكلٍ واضحٍ جدّاً.

تقول منى عيتاني، طالبة الدكتوراه في "جامعة ليستر" University of Leicester والتي تُجري بحثاً عن رائدات أعمال التكنولوجيا النساء في لبنان، إنّ جميع النساء تقريباً اللواتي أجرَت معهنّ مقابلاتٍ، قرابة 20 امرأةً حتّى الآن، يموّلنَ أعمالهنّ بتمويلٍ ذاتيّ. ويفعلنَ ذلك في كثيرٍ من الحالات بعدما تُرفض عروض الأفكار التي يعرضنَها على شركات الاستثمار المخاطر أو المستثمرين الأفراد، ممّا يؤدّي عن غير قصدٍ إلى استمرار سيطرتهنّ المالية على الشركة.

وبحسب عيتاني أيضاً، فإنّ أحلام رائدات الأعمال وتوقعاتهنّ تميل لأن تكون أكثر تواضعاً من تلك التي لدى روّاد الأعمال الرجال، وعادةً ما تصبّ في مجال الأعمال التي تدعم المجتمع أكثر من الأعمال التي تخولهنّ أن يُصبحنَ مليارديرات.

ولكن حتى عندما يتمكنَّ من إيجاد حلولٍ مبتكرةٍ لتمويل نموّ أعمالهنّ، تبقى عملية إطلاق الأعمال صعبةً بشكل غير اعتياديّ.

من النساء اللواتي قابلتهنّ عيتاني، يوجد امرأةٌ حصلت على قرضٍ شخصيٍّ بفائدةٍ مرتفعةٍ لأنّ البنك لم يصدّق أنّها تريد المال من أجل عمالها. كما أنّ هناك امرأةً أخرى تركَت لبنان وذهبَت إلى كاليفورنيا بعدما سخر عدّ مستثمرين مخاطرين - ومن بينهم امرأة - من خطّة عملها.

قطاعٌ يحارب المرأة؟

في المجمل، في عالم تمويل الشركات الناشئة، تُظهِر دراساتُ مثل التي أجراها صندوق تمويل المؤسِّسات الإناث، "فيميل فاوندرز فاند" Female Founders Fun، أنّ حظّ النساء في تأمن تمويلٍ أقلّ من حظّ الرجال بغضّ النظر عن خبراتهنّ أو نوعية المنتَج أو الخدمة.

يكمن أساس المشكلة في حقيقة أنّ عدد النساء بين المستثمرين في الشركات الناشئة - على مستوى العالم - قليلٌ جداً، بحسب لوريتا مكارثي (الصورة إلى اليسار، من "دبليو إن" WN.com)، مديرة "سيدز" Seeds وهي منظّمة تعتبَر بمثابة اتّحادٍ للمستثمرين انطلاقاً من نيويورك يستثمر في الأعمال الناشئة التي تقودها نساء.

"أفكار الأعمال التي تُنشئها النساء غالباً ما تكون من أجل العملاء النساء، في حين قد لا يقدّر المموّلون الذكور الإمكانات بشكلٍ جيّد. وذلك بالطبع يُضاف إلى ما إذا كانت المرأة التي يقع على مسؤولياتٌ تجاه عائلتها ستتمكّن من تخصيص وقتٍ للتركيز على أعمالها". تقولها ماكارثي ثمّ تضيف أنّهم وجدوا أنّ "النساء يعرفنَ كيفية التعامل مع الكثير من المتطلّبات في حياتهنّ، وغالباً ما يبنينَ الثقافات التي تتّسم بالمرونة".

اقتراحٌ جيد

وفقاً لدراسةٍ نشرَتها قاعدة البيانات على الإنترنت، "كرانش بايز" CrunshBase، تشكّل النساء 7% فقط من الشركاء في أفضل الشركات الكبرى في العالم، ويشغلنَ أقلّ من 12% من أدوار الشركاء في مسرّعات الأعمال وشركات الاستثمار المخاطر، ولا يحظَين بأكثر من 22% من الأدوار على جميع المستويات في فرق الاستثمار المخاطر.

ولكن على الرغم من الاعتقاد بأنّ النساء لا يناسبنَ الاستثمارات الجيدة، تقول الأرقام عكس ذلك.

وجد تقرير روّاد الأعمال العالمي Global Entrepreneur Report من "بي إن بي باريبا"BNP Paribas  أنّ الأعمال التي تقودها نساءٌ على المستوى العالميّ تفوّقَت على تلك التي يديرها رجال. وكشفتَ الدراسة عن أنّ ما يقارب 90% من رائدات الأعمال يتوقّعنَ استقرار الأرباح خلال عامٍ مقبلٍ على الأقلّ. كما ويتوقّع 61% من النساء اللواتي شملتهنّ الدراسة ارتفاعاً في الأرباح، مقارنةً بمعدّل 58% بين جميع روّاد الأعمال الذين شملهم الاستطلاع.

من المفارقات التي تَظهَر هنا أنّ متطلّبات ممارسة أنشطة الأعمال بشكلٍ خلّاق، على نحوٍ بسيطٍ وبكلّ تواضع، ونتيجةً للضرورة، يمكن أن تكون جزءاً من الأسباب التي تؤدّي إلى تفوّق رائدات الأعمال عموماً على نظرائهنّ من الرجال.

إنجاح الأمر في المنطقة العربية

في الشرق الأوسط، المنطقة التي ما زالَت البنوك فيها حتّى اليوم في السعودية، وبقيَت كذلك في لبنان حتى عام 1994، تستوجب الحصول على إذنٍ من زوج المرأة لفتح حسابٍ مصرفيٍّ لها، تقول الأدلّة إنّ المستثمرات الإناث قد لا يكُنّ نادراتٍ ولكنّ الحصول على الاستثمارٍ لا يزال دونه الكثير من الصعاب.

إليز موسى التي كانت تطوّر تطبيقها "سناباي" Snapay للدفع عبر المحمول خلال السنوات الثلاث الماضية، والذي أطلقته في العام الفائت، لم تحصل على استثمارٍ لشركتها بعد.

وتقول في هذا الشأن إنّه "عندما تعتمد على التمويل الذاتيّ وسياسة الحدّ من النفقات والاستفادة القصوى من الموارد لثلاث سنوات، لن ترغب في التخلّي عن الكثير من الأسهم. ينكسر قلبي عندما أرى عدد الأسهم الكبير الذي يمكن للناس التنازل عنه".

في حين تذكر أنّها تحمّلت تعليقاتٍ وقحة وخفية حول التمييز بين الجنسَين من مستثمرين في كلٍّ من الولايات المتحدة ولبنان، تُعرب عن رغبتها في رؤية المزيد من النساء يدعمنَ بعضهنّ البعض، وخاصّةً الدعم الذي تقدّمه المستثمِرات في المراحل الأولى من عمر الشركة.

Womena
لقاء نسائيّ لعرض الأفكار في شهر شباط/فبراير من تنظيم "وومينا"، شبكة للمستثمرات النساء في الخليج. (الصورة من "وومينا")

تجاوز حاجز التمييز بين الجنسَين

وجدَت مؤسِّسة منصّة "وومين إنفيستنج إن وومين ديجيتال"Women Investing in Women Digital (أي النساء يستثمرن في أعمال النساء الرقمية)، أنو بهاردواج، أنّ النساء غالباً ما يقمنَ بالأمور على نحوٍ أفضل من الرجال بمجرّد الحصول على فرصةٍ لإثبات أنفسهنّ.

وفي حديثها مع "ومضة"، تقول إنّ "النساء يَظهرنَ بشكلٍ مختلف. الرجال أفضل في عرض الأفكار. إنّها طريقةٌ مختلفةٌ في التواصل. في حين تميل النساء أكثر إلى الشرح والإقناع، فإنّ الرجال يدخلون في صلب الموضوع مباشرةً".

هل يكمن الحلّ إذاً في أن تتصرّف النساء مثل الرجال؟ ترفض موسى الأمر وتقول: "لا، كوني دائماً ما أنتِ عليه"، مضيفةً أنّ "أكبر مصدرٍ للتحقّق يجب أن يكون العملاء وليس المستثمرين".

في الواقع، وبينما تتمتّع النساء بشغفٍ نحو الأعمال وقدرةٍ على تخطّي الصعاب، قد يكون من مصلحة الجميع إعطاء رائدات الأعمال مزيداً من الفرص.

تشير عيتاني في هذا الإطار إلى أنّ "النساء يمتلكنَ بعض الأفكار اللامعة، ويضعنَ فيها كلّ الوقت والجهد والشغف، وبالتالي يجب أن يحظَين بفرصة تحسين الاقتصاد. أمّا التمييز ضدّ المرأة فهو يعني خسارةً لفرصةٍ جيدة".

بدورها، توافق الذهب على هذا الأمر. فمبرمجة الكمبيوتر هذه التي تعمل على تطوير شركتها انطلاقاً من مدينتها طرابلس حيث أعلى معدّلٍ للبطالة وأعلى معدّلٍ للعمّال المهرة، لا ترى خياراً آخر إلّا المثابرة.

وتعبّر عن ذلك بقولها إنّه "عندما نثبتُ نجاحنا ستنفتح الأبواب أمام غيرنا من النساء، ما سيؤدّي إلى تغيير العقلية السائدة. ففي نهاية المطاف، سيضطرّون للتعامل معي، وسيتغيّرون، وبعد كلّ ذلك سيمنحون الفرصة لفتياتٍ أخريات".

--
بروك تعمل كمراسلةٍ وتستقرّ حالياً في بيروت، تغطّي المواضيع المتعلّقة بالأعمال والتكنولوجيا والثقافة. يمكنكم التواصل معها عبر "تويتر" @Brookethenews

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة