كيف زرع 'الربيع العربي' بذور الابتكار في مصر؟ [مقابلة - القسم 1]

اقرأ بهذه اللغة

 

نُشرَت هذه المقابلة أساساً على "نولدج آت وارتون" Knowledge@Wharton. وهذا القسم الأول منها.

"انتفاضة" عام 2011 في مصر التي شهدت الإطاحة بالرئيس حسني مبارك بعد فترةٍ طويلةٍ في الحكم، كانت أكثر من مجرّد حركةٍ سياسيةٍ على مستوى القاعدة الشعبية في البلاد. لقد شكّل هذا الحدث التاريخيّ بدايةً لحقبةٍ جديدةٍ من التفكير في كيفية إعادة بناء الاقتصاد المتعثّر في مصر، حيث أنّ الوظائف الحكومية التي كانت العمود الفقري للمجتمع لم تعد خياراً يمكن الاعتماد عليه من قبل جماهير الشباب، وقد باتوا يتّجهون نحو القطاع الخاص وريادة الأعمال - لإيجاد فرصٍ لم يكن آباؤهم ليحظوا بها.

دينا شريف، الرئيسة التنفيذية والشريكة المؤسّسة لـ"أهيد أوف ذا كيرف" Ahead of the Curve تريد توجيه هذه الطاقة الشبابية عبر مشروعها الذي تسعى من خلاله إلى ترويج ريادة الأعمال والاستدامة عبر نماذج الأعمال المبتكَرة. تدير شريف "مركز ريادة الأعمال" Entrepreneurship Center  في "الجامعة الأمريكية في القاهرة" AUC وتنتسب كزميلةٍ إلى "أيزنهاور" Eisenhower ، وقد أجرَت معها "نولدج آت وارتون" مقابلةً حول التغيرات العميقة التي تجري في مصر كما ناقشَت رؤيتها لمستقبل البلاد. إليكم فيما يلي نسخة معدّلة ومحرّرة من تلك المقابلة.

للاستماع إلى المقابلة المسجّلة [بودكاست]، انقر هنا.

"نولدج آت وارتون": ما هو مستوى ريادة الأعمال والاستدامة في مصر والعالم العربي في الوقت الراهن؟

دينا شريف: سأتحدثُ قليلاً عن مصر، ولكن سوف أتناول الأمر على نطاقٍ أوسع على صعيد المنطقة العربية. 65% من شعبنا هم تحت سنّ الـ34. وفي مصر، يوجد لدينا أعلى معدّل لبطالة الشباب في الشرق الأوسط، وأودّ أن أقول إنّها واحدةٌ من أعلى المعدّلات في العالم حالياً.

إيجاد فرص العمل هو أكبر تحدٍّ نواجهه في جميع أنحاء المنطقة العربية، وقطاعنا الخاص لا يزال صغيراً نسبياً مقارنةً بالأسواق الناشئة الأخرى. في العادة، وفي بلدٍ مثل مصر، يعتمد شبابنا على الحكومة لتوظيفهم بعد الانتهاء من الدراسة الجامعية. لكنّ هذا لم يعد احتمالاً بالفعل، خصوصاً مع الزيادة الكبيرة في عدد الشباب لدينا الآن، لذلك نحن نركّز على القطاع الخاص لإيجاد تلك الوظائف [التي نحتاج إليها].

كما تعلمون، لا يتمّ إنشاء معظم الوظائف في الشركات الكبرى القائمة والشركات المتعددة الجنسيات. هناك حاجةٌ فعليةٌ إلى توفير فرص العمل من خلال طفرةٍ في المشاريع الصغيرة والمتوسّطة. على مدى العقد الماضي، أعتقد أنّه كان هناك الكثير من التركيز على كيفية التأسيس لثقافة العمل الحرّ داخل مصر ومن ثمّ المنطقة العربية من أجل حلّ مشكلة توفير فرص العمل. كيف نضع السياسات في بيئةٍ مواتيةٍ مطلوبةٍ لرؤية الأعمال التجارية تنمو بسرعة؟

"نولدج آت وارتون": هل فكرة ريادة الأعمال من الأفكار التي بدأ الناس بإدراكها؟

شريف: من أكبر التحدّيات التي تواجه شبابنا أنّهم يريدون حقاً الانتقال إلى مرحلة البلوغ. إذا لم تتمكن من العثور على وظيفةٍ في شركةٍ ما، ولم تتمكّن من العثور على وظيفةٍ في الحكومة، وكان المجتمع المدني غير قادرٍ على إيجاد الوظائف المطلوبة، فستخرج بنفسك وتُنشئ فرصة العمل الخاصّة بك.

أعتقد جازمةً بأنّ مصر لديها ثقافة ريادة أعمال مزدهرة. هناك [أيضاً] ثقافة ريادة أعمال مزدهرة في الأردن، وهناك واحدةٌ ناميةٌ في دبي. كما أنّ السعودية بدأت تشهد تركيزاً كبيراً على ريادة الأعمال ونموّ الأعمال التجارية الجديدة.

من الواضح أنّنا نتعلم من الولايات المتحدة الأميركية الكثير من المعارف والتجارب والخبرات لنكون قادرين على الانطلاق وتنفيذ ذلك بسرعة. أعتقد أنّ في الولايات المتحدة يوجد واحدةٌ من أكثر البيئات الريادية تقدماً وتطوراً لدعم نموّ الأعمال التجارية الجديدة في العالم، حيث يوجد ’إدارة الأعمال الصغيرة‘ Small Business Administration التي تعزّز نموّ الأعمال التجارية الصغيرة على المستوى الحكومي. نحن بحاجةٍ إلى الاعتبار من تلك النماذج لمساعدة أنفسنا على التحرّك بشكلٍ أسرع.

"نولدج آت وارتون": هل تعمل بلدان الشرق الأوسط مع بعضها البعض لوضع خطّةٍ للمنطقة؟

شريف: هذا سؤال في محلّه، وهذا بالتأكيد من التحدّيات التي أتحدّث عنها في ’أهيد أو ذا كيرف‘.من أكبر المشاكل التي تواجه روّاد الأعمال في منطقة الشرق الأوسط أنّ العبور إلى الأسواق في المنطقة صعبٌ جداً. من الصعب جدّاً الانتقال من سوقٍ إلى أخرى، ليس فقط في المنطقة وإنّما في أماكن أخرى أيضاً. القليل من روّاد الأعمال فقط كانوا قادرين على تحقيق مثل هذا التوسّع، وفي كثيرٍ من الأحيان عندما يفعلون ذلك يغادرون مصر ويأتون إلى هنا، إلى الولايات المتحدة، على سبيل المثال. لدينا عددٌ غير قليل ٍمن المصريين يأتون ويُطلقون أعمالهم من وادي السليكون، أولئك الذين يعملون في مجال التكنولوجيا.

لكي يتمكّن روّاد الأعمال من عبور الأسواق وتوسيع أعمالهم، نحن بحاجةٍ إلى فتح أسواقنا. ما زالت اقتصاداتنا حمائيةً إلى حدٍّ كبير، وهذا يعيق قدرتنا على تحقيق نموٍّ اقتصاديٍّ مستدام. [لكنّنا] نرى بعض التغييرات، فالكثير يحدث في البيئة الحاضنة مع الكثير منّا. في ’مركز ريادة الأعمال‘ في ’الجامعة الأمريكية في القاهرة‘ وفي الشركة التي أعمل فيها، الكثير من الناس من المنطقة مِن الذين يعملون على ريادة الأعمال، يحاولون في الواقع إيجاد السبل لبناء بيئةٍ حاضنةٍ تعاونية لتحقيق نموٍّ أسرع.

"نولدج آت وارتون": أخبرينا عن ’أهيد أوف ذا كيرف‘.

شريف: تأسّسَت ’أهيد أو ذا كيرف‘ منذ وقتٍ ليس بقصير، بُعيد ’الثورة‘ في مصر. لقد أراد الشركاء المؤسّسون وأنا العمل على الاقتصادات النامية من خلال القطاع الخاصّ، لأنّه لديّ خلفية في العمل الخيريّ ولديّ رؤيةٌ حول المجتمع المدنيّ لتحقيق التطوّر.  قبل ذلك، أنجزتُ الكثير من العمل مع ’بنك التنمية الأفريقي‘African Development Bank ومع الجهات المانحة الكبرى، وقد أدركتُ أنّ التنمية من هذه الزاوية كانت بطيئةً جداً.

يمتلك القطاع الخاص قدرةً كبيرةً على حلّ المشاكل الاجتماعية بوتيرةٍ أسرع، كما ويلجأ إلى الابتكار بشكلٍ كبير. وبالتالي بُنيَت ’أهيد أو ذا كيرف‘ للعمل مع القطاع الخاص لمساعدتهم على إنشاء نماذج أعمالٍ شاملة ومربحةً ومستدامة، ولبناء مجتمعاتنا على نحو مشتركٍ ومدفوعٍ بالقيمة أكثر. لقد أنجزنا الكثير من العمل مع الشركات الكبرى والشركات متعدّدة الجنسيات، ولكن أدركنا فيما بعد أنّ هذا [المفهوم] يعمل من أعلى إلى أسفل.

ما الذي نفعله من أسفل إلى أعلى؟ لقد انشأنا مع ’إمباكت فينتشرز‘Impact Ventures هيئةً تابعةً لنا باسم ’ريادة الأعمال‘Entrepreneurship ، وهو أوّل صندوقٍ استثماريٍّ للأثر في الشرق الأوسط من أجل العمل على الأثر الاجتماعي مع الشركات الناشئة التي تكون في مراحلها الأولى. لقد كانت مسيرةً ممتعةً حقاً حتّى الآن، إذ استثمرنا في عددٍ من [المشاريع التي تعمل على] القضايا التجارية، والرعاية الصحية، وتجارة التجزئة، والنقل. أرى الكثير من الإمكانات في هذا مجال الشركات الناشئة هذا.

"نولدج آت وارتون": هل يكون هذا في مرحلة الانطلاق حيث لا يكون الأثر ظاهراً بالكامل؟

شريف: أود أن أقول إنّ لدينا بعض الأمثلة الجيدة عن شركاتٍ انتقلت إلى مرحلة النموّ. أعتقد أنّه فما خصّ ريادة الأعمال ذات الأثر، فإنّ المستثمرين بدأوا يدركون أنّ هذا المجال يمكن أن يكون مربحاً للغاية في الوقت الذي يحلّ فيه مشاكل كبيرة. أعني هنا أنّ هذه هي القصّة في الشرق الأوسط - ليس لدينا متّسعٌ من الوقت. لا، ليس لدينا، بل لدينا الكثير من المشاكل.

إذا لم نوجِد فرص العمل بسرعة، هل تعرف ما الذي يحدث؟ سيُصاب الشباب بخيبة أمل، وسيتمّ تجنيدهم من قبل جهاتٍ مثل ’داعش‘ والإخوان المسلمين، ونحن حقاً لا نريد أن نرى ذلك. نريد أن نزوّد الشباب بالقدرة على الانتقال إلى مرحلة البلوغ وأن يكون لديهم مصدر رزقٍ جيّد. أعتقد أنّه في الوقت الراهن، نحن نقوم بتشجيع الشباب لإطلاق أعمالٍ تجاريةٍ من شأنها أن تكون مربحةً مع احتمال نموٍّ سريع، وهذا ما سيجد أيضاً حلّاً لمشكلةٍ رئيسيةٍ في المجتمع.

بالعودة إلى جذور الرأسمالية، سنجد أنّها بالفعل أوجدَت قيمةً للأعمال والمجتمع؛ لكنّنا بطريقةٍ ما ابتعدنا عن هذا خلال القرن العشرين وثوراتنا الصناعية. [ففي الوقت الحالي]، أصبحنا نركّز على التكنولوجيا وإنشاء التطبيقات الجديدة، ونسينا أنّ الشركات تهدف إلى إيجاد حلولٍ للمشاكل. أعتقد أنّ [فكرة الأعمال الاجتماعية] هي من الأفكار التي تنمو في الشرق الأوسط، وهي مثيرةٌ للاهتمام بالمقارنة مع بقية العالم، فنحن نرى الكثير من هذه الشركات ينشأ ويظهر.

"نولدج آت وارتون": من حيث الابتكار، تغيير أسلوب العمل في الرعاية الصحية هو من الأمور التي يتمّ الحديث عنها كثيراً هنا في الولايات المتحدة. ما مستوى هذا الأمر في المنطقة العربية حسب رأيك؟

شريف: الرعاية الصحية عزيزةٌ على قلبي. لقد رأيتُ الكثير من الناس يعانون نتيجة أنظمة الرعاية الصحية المختلة وظيفياً، وتحديداً في مصر وغيرها من الدول العربية الأخرى. نركّز كثيراً على الرعاية الصحّية وإيجاد الشركات التي تبتكر في هذا المجال. لقد أنشأنا برنامجاً يُسمّى ’ذا إمباكت‘ The Impact [الأثر]، وهو معسكرٌ من خمسة أيام يهدف إلى تدريب الشباب على كيفية تصميم وإنشاء وتنفيذ أعمالٍ اجتماعيةٍ مستدامة وقابلة للتوسّع، حيث نَستخدِم الرعاية الصحية دائماً كتحدٍّ على أمل إيجاد شركاتٍ يمكن أن تستثمر فيها.

يوجد لدينا عددٌ من النجوم الصاعدين في الشرق الأوسط في مجال الرعاية الصحّية، من بينهم شركةٌ تُدعى ’سمارت كير للخدمات الطبّية‘ Smart Medical Services. ثمّة مشكلةٌ كبيرةٌ بالنسبة لمصر تتمثّل في أنّ عدد سكانها يقارب 95 مليون نسمة، ومعظم الناس فيها يعانون. من الصعب على الكثير منهم الحصول على رعايةٍ صحّيةٍ جيّدة، إضافةً إلى أنّ نظام الرعاية الصحّية لدينا ما زال يقوم على نظام الدفع النقديّ للحصول على الخدمات، والكثير من الناس ليس لديهم تأمينٌ صحّيّ.

لقد استثمرنا في هذه الشركة التي يديرها رائد أعمالٍ أنشأ نموذجَ عملٍ جديداً ومدهشاً لتوفير التأمين الصحّيّ بأسعارٍ معقولة للأشخاص من الطبقة الوسطى وما دون، مستهدِفاً الشركات الصغيرة والمتوسّطة التي لا تستطيع تحمّل كلفة التأمين مع كبار مقدِّمي خدمات التأمين الصحّيّ. أنشأ هذا الرياديّ بطاقةً نقديةً cash card، ما يعني أساساً أنّه يمكن لأيّ شخصٍ أن يشتري هذه البطاقة النقدية ليتسجّل في النظام ويحصل على هذه الخدمات بأسعارٍ مخفّضة. والآن، تنمو أعماله بسرعةٍ ونجاح لدرجة أنّ الكثير من اللاعبين العالميين الآخرين يتطلّعون لشراء شركته في الوقت الحاليّ. هذه قصّة نجاحٍ كبيرةٌ ومثالٌ على الإبداع الحقيقي في نظام الرعاية الصحية لدينا.

--

لفراءة القسم الثاني من المقابلة، انقر هنا.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة