بحقّ التكنولوجيا، كفّوا عن إيجاد المعوّقات [رأي]

اقرأ بهذه اللغة

"سوف نغلق مكاتبنا في الأردن وننتقل إلى دبي ونوظّف مهندسين من أوروبا الشرقية، وحينئذٍ من يجد الوظائف للأردنيين؟" هذا ما قاله ليث زريقات من صندوق "أرزان" للحكومة الأردنية؛ فما الذي دفعه للقيام بذلك؟

في تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، اكتشفنا أنّ الديوان الملكي أراد إحداث تغييرات هائلة في قطاع التكنولوجيا في الأردن.

لم يكن هذا مفاجئاً لمن يعمل في البيئة الرياديّة التكنولوجيّة: فهذا القطاع لم ينتِج إلّا عدداً قليلاً جدّاً من الشركات الناجحة مؤخّراً، وقد بدأت هذه الشركات تلتمس كثرة العوائق أمام النموّ بحيث انتقلت إلى مكانٍ آخر.

كنّا نعلم أنّ الوضع سيء. 

علمنا أيضاً أنّ الملك كان غير راضٍ عن وتيرة التقدّم في السنوات الخمسة الماضية، وأنّ الأردن قد تراجعت عدّة خطوات بالمقارنة مع المراكز الأخرى في المنطقة، مثل بيروت والقاهرة ودبي طبعاً وحتّى أبو ظبي.

احتجنا إلى أحد يغيّر الأمور.

تغيّرات هائلة؟

بدأ العمل على الموضوع بعد أسبوع: أحدث رئيس الوزراء في ذلك الوقت، عبد الله النسور، تغييرات كبيرة في قانون الضرائب تنطبق على الشركات العاملة في تطوير البرمجيات، وتطبيقات الأجهزة المحمولة، والبوابات الإلكترونية، وتوكيل المهام، والمحتوى الإلكتروني، وألعاب الفيديو، والتدريبات في تكنولوجيا الإنترنت، والتعلّم عبر الإنترنت.

سأفترض أنّه غاب عن باله شركات التكنولوجيا الناشئة التي ستغيّر مستقبل هذا العالم، أي تلك التي تعمل في مجال الطائرات من دون طيار، والطباعة الثلاثية الأبعاد، والتكنولوجيا الغذائية، والتكنولوجيا الحيوية وغيرها.

يكمن هدف هذه الإجراءات في الترويج للأردن كأفضل بلد لإطلاق وتطوير وتنمية الشركات التكنولوجية، وجذب رأس المال الإضافي، وإيجاد فرص العمل والحدّ من هجرة الشركات الناشئة.

أهمّ ما جاء في التغييرات هو التالي:

  1. إعفاءات ضريبية على المبيعات وإعفاءات جمركية
     
  2. تخفيض ضريبة الدخل بنسبة 30% لمدّة 10 سنوات
     
  3. إلغاء الحدّ الأدنى البالغ 50 ألف دينار أردني (70500 دولار) للاستثمارات الأجنبية

أوّل تغييران يساعدان الشركات الناجحة الحالية على الاحتفاظ بأموال أكثر، ولا يساعدان الشركات الناشئة على أن تنشأ وتنمو.

أغلب الشركات الناشئة لا تجني فلساً واحداً في أوّل سنةٍ لها من العمليات: مع "جيران" Jeeran، استغرقني الأمر سنةً لتأسيس الشركة وإيجاد شريكٍ مؤسِّس، وسنتين إضافيتين لاكتشاف المنتَج، و3 سنوات من بعدها للبدء بتحقيق الأرباح وتنمية الفريق. ومن ثمّ تطلّب الأمر 4 سنوات لإتمام جولة التمويل الأولى لنا من الاستثمار المخاطر عام 2007.

بالإجمال: أمضينا 10 سنوات قبل أن نصل إلى مرحلةٍ يمكن فيها لهذه التغييرات أن تفيدنا.

أمّا فيما يتعلّق بالتغيير الثالث، لقد قمتُ بإرشاد ونصح روّاد أعمال كثر، ولم أسمع أحداً يوماً يتذمّر من الحدّ الأدنى البالغ 50 ألف دينار.

وذلك إن دلّ على شيء إنّما يدلّ على بُعد المشرّعين عن عالم الشركات الناشئة، إذا كانوا يظّنون أنّ هذه التغييرات تقدّم لها فائدة كبيرة.
اقتراحاتي

تحتاج الأردن إلى خضّة في ساحة التكنولوجيا لتعود إلى قمّة ساحة الشركات الناشئة الإقليميّة.
(الصورة من MEED)

لدينا رئيس وزراء جديد الآن، ونأمل أن يكون متحمّساً حيال هذا المجال لإحداث تغييرات مهمّة.
إليكم ما أقترحه.

1. إلغاء التراخيص التجارية للشركات الناشئة التكنولوجيّة.

تحقق هذه التراخيص أمراً واحداً فقط وهو منعنا عن توظيف الأردنيين بشكل قانوني.

لماذا لا يمكن لروّاد الأعمال توظيف الأردنيين؟ لأنّ الموظّفين هؤلاء بحاجة إلى سجلّ راتب مصدّق ولا يتقاضون راتبهم من خلال شيك أو نقداً بل من حساب مصرفي للشركات.

لا يمكن للشركات الناشئة أن تؤسّس حساباً مصرفياً للشركات إلّا إذا كان لديها ترخيصٌ تجاريّ، ولا يمكنها الحصول عليه من دون استئجار مكتب، ولا يمكنها استئجار مكتب من دون هدر حوالي 10 آلاف دينار من الأموال التأسيسيّة التي تحدّثنا عنها.

يجب أن تتمكن الشركات الناشئة المكوّنة من 5 أشخاص أو أقلّ من إنشاء حسابٍ مصرفيٍّ يسمح لها بدفع الرواتب وتلقّي الدفعات، كما ينبغي أن يُسمَح لها بالعمل من أيّ مكّان من دون رخصة تجارية؛ ونقطة على السطر.

2. قانون لمساحات العمل المشتركة. في الأردن اليوم، عندما تستأجر مكتباً للحصول على رخصة تجاريّة، يجب أن يذكر المكتب أنّك تمارس عملك في هذا المكان. ما يعني أنّه لا يمكنك تسجيل شركة في مكانٍ ليس مسجّلاً كمكتب، أو تحويل هذا المكتب إلى مساحة عمل مشتركة وتأجير طاولات العمل – فبحسب القانون الأردني، يجب أن تسجّل كلّ وحدةٍ قابلة للتأجير بشكلٍ مستقلّ.

في المقابل، على المستوى العالمي، أصبحَت مساحات العمل المشتركة مكاناً لتأسيس الشركات الناشئة.

يمكن للشركات الناشئة أن تنمو وتتقلّص وتغيّر محور عملها في أيّ وقت: عادةً تبدأ بمؤسّسٍ واحدٍ ومن ثمّ ينضم إليها مؤسّسٌ آخر، وبعدها يقرر صديقٌ لهما المساعدة؛ وفي وقتٍ سريع يكون الفريق قد تشكّل. وبالتالي، من الضروريّ أن يكون لك الخيار في توسيع مساحة العمل أو تصغيرها ‘عند الطلب‘.

تأسيس مساحة عمل مشتركة للشركات الناشئة يجب أن يكون بسهولة وضع بعض الطاولات في غرفة وتأمين الكهرباء والإنترنت والقهوة.

3. جعل دفعات الضمان الاجتماعي اختيارية للمؤسّسين ولأعضاء الفريق الذين يمتلكون أسهماً في الشركة.

إذا كان المؤسّسون يبحثون عن الأمن المالي، لن يقرّروا خوض غمار تأسيس شركة ناشئة.

فنسبة الـ20% شهرياً التي يدفعها مؤسِّسان من رواتبهما كرسومٍ للضمان الاجتماعي يمكن أن توظّف شخصَين. 

4. ضريبة دخل أقلّ للعاملين في الشركات الناشئة التكنولوجية المدعومة من مستثمرين مخاطرين.

تقول إنّك لا تريد فرض الضرائب على الشركات الناشئة، لكنّك فعلياً تفرض عليها الضرائب ثلاث مرّات: ضريبة على دخل الشركات، وضريبة على الدخل الفردي وضريبة على الإنفاق الشخصيّ طبعاً.

دعوا الموظّفين يحتفظون ببعضٍ من رواتبهم، فذلك سوف يشجّع أشخاصاً أكثر على العمل في الشركات الناشئة ما سيساعد في انطلاقها، كما سيحسّن قدرة عمّان التنافسيّة بالمقارنة مع مدنٍ أخرى حيث كلفة المعيشة وضريبة الدخل أقلّ بكثير.  

5. تنحّوا جانباً.

بعد الموافقة على هذه النقاط الأربعة، لا تعودوا عن كلمتكم. 

لا تسمحوا للحكومات الآتية بالتراجع عن هذه المكاسب. سوف نغلق مكاتبنا في الأردن وننتقل إلى دبي ونوظّف مهندسين من أوروبا الشرقية من موقع "أب وورك" UpWork، وحينئذٍ من يوفّر الوظائف للأردنيين؟

روّاد الأعمال يقدّمون خدمةً للبلاد بإيجادهم الوظائف، وإدخال الأموال إلى الاقتصاد، ودفع الكثير من الضرائب عند نقل كلّ هذه الأموال.

الأردن تحتاج إلى التغيير، الآن

أصبح العالم اليوم مسطّحاً أكثر من أيّ وقتٍ مضى، بخاصّةٍ لمؤسّسي الشركات الناشئة، إذ أنّ كلّ البلدان تتنافس لبناء بيئتها الرياديّة.

ففي أوروبا والولايات المتحدة، تعمل برامج تسريع الأعمال على تسهيل الوصول إليها، وتطمح إلى جذب أفضل روّاد الأعمال في العالم إليها.

فضلاً عن ذلك، تسهّل الحكومات قوانين استقطاب المهاجرين من روّاد الأعمال من أجل جذب أفضل المواهب من بلدان مثل الأردن.

في النهاية، على الحكومة الأردنية أن تُخرِج رأسها من الرمال وتتنبّه إلى ما يحصل، فالأحلام الكبيرة تتطلّب تغييرات كبيرة.  

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة