كيف زرع 'الربيع العربي' بذور الابتكار في مصر؟ [مقابلة - القسم 2]

نُشرَت هذه المقابلة أساساً على "نولدج آت وارتون" Knowledge@Wharton. نشرت "ومضة" القسم الأول، وهذا القسم الثاني منها.

"انتفاضة" عام 2011 في مصر التي شهدت الإطاحة بالرئيس حسني مبارك بعد فترةٍ طويلةٍ في الحكم، كانت أكثر من مجرّد حركةٍ سياسيةٍ على مستوى القاعدة الشعبية في البلاد. لقد شكّل هذا الحدث التاريخيّ بدايةً لحقبةٍ جديدةٍ من التفكير في كيفية إعادة بناء الاقتصاد المتعثّر في مصر، حيث أنّ الوظائف الحكومية التي كانت العمود الفقري للمجتمع لم تعد خياراً يمكن الاعتماد عليه من قبل جماهير الشباب، وقد باتوا يتّجهون نحو القطاع الخاص وريادة الأعمال - لإيجاد فرصٍ لم يكن آباؤهم ليحظوا بها.

دينا شريف، الرئيسة التنفيذية والشريكة المؤسّسة لـ"أهيد أوف ذا كيرف" Ahead of the Curve تريد توجيه هذه الطاقة الشبابية عبر مشروعها الذي تسعى من خلاله إلى ترويج ريادة الأعمال والاستدامة عبر نماذج الأعمال المبتكَرة. تدير شريف "مركز ريادة الأعمال" Entrepreneurship Center  في "الجامعة الأمريكية في القاهرة" AUC وتنتسب كزميلةٍ إلى "أيزنهاور" Eisenhower ، وقد أجرَت معها "نولدج آت وارتون" مقابلةً حول التغيرات العميقة التي تجري في مصر كما ناقشَت رؤيتها لمستقبل البلاد. إليكم فيما يلي نسخة معدّلة ومحرّرة من تلك المقابلة.

لمعرفة ما قالته شريف سابقاً وقراءة القسم الأول، انقر هنا.

"نولدج آت وارتون": ما هو وضع العمل الخيري هناك؟

شريف: منطقة الشرق الأوسط هي من أكثر ثقافات العطاء غنىً في العالم، لكنّها بطبيعتها خيرية إلى حدٍّ كبير. أودّ أنّ أقول إنّه على مدى السنوات الـ15 الماضية شهدنا تحوّلاً من الإحسان إلى العمل الخيري الذي هو في الحقيقة استراتيجيٌّ ومؤسّساتيٌّ للغاية ويركّز على الوصول إلى الأسباب الجذرية. لقد شهدنا طفرةً في [هذا النوع مِن] المؤسّسات، سواء في دول الخليج أو خارجها، وهي مؤسّساتٌ تتناول قضايا التعليم والمرأة والرعاية الصحّيّة. ومثلما هي الحال في ريادة الأعمال التي تشهد تحوّلاً حقيقيّاً نحو إنشاء شركاتٍ سريعة النموّ وتحديداً في التكنولوجيا وريادة الأعمال ذات الأثر، أعتقد أنّنا نشهد أيضاً تحوّلاً في القطاع الخيريّ حيث يفكّر الناس أنّه يجب أن نفعل شيئاً استراتيجيّاً بسرعةٍ مع هذه الثروة. أعتقد أنّ الأمر كان بطيئاً بعض الشيء، ولكنّه يأتي بالتوازي. هذا جزءٌ مهمٌّ جدّاً من مجتمعنا، فنحن نحن نردّ الجميل [لمجتمعاتنا] كثيراً.

"نولدج آت وارتون": هل هناك الكثير من الشركات مثل شركتكم، تعمل على مساعدة هذا العدد الكبير من الشركات الناشئة وروّاد الأعمال في قضاياهم؟

شريف: أعتقد أنّنا بحاجةٍ إلى رؤية الكثير من الناس الذين يعملون في هذا المجال، وأنّنا بحاجةٍ إلى مزيدٍ من: ‘حسناً، لا بأس من كسب المال وفعل الخير في الوقت نفسه‘. في الشرق الأوسط، وكذلك في مصر، يوجد ثقافةٌ لفعل الخير بهدوءٍ وكتمان. لا يمكن أن يكون المرء منفتحاً حيال عطائه، ويمكن أن يكون لديه مشروعٌ تجاريٌّ ناجحٌ، لكنّ العمل الخيري شيءٌ آخر.

أرى أنّ كلّ هذا تغيّر لأنّ هناك حاجةً ملحة. لم يكن لدينا وقت، ولكن هذا عصر التكنولوجيا والتغيير لن يكون تدريجياً بعد الآن. لا يمكن أن يكون [الأمر نفسه]، لأنّ التكنولوجيا ستسرّع كلّ شيء. أعتقد أنّ الشرق الأوسط يدخل في تلك اللعبة مستفيداً من ثروةٍ كبيرة. فهناك الكثير من الثروات في المنطقة، ونحن فقط بحاجةٍ للاستفادة منها وتوجيهها بشكلٍ صحيح ودعم احتمال أن يجد شبابنا حلولاً لمشاكلنا عن طريق نماذج تجاريةٍ مربحةٍ وقابلةٍ للتطبيق ويمكن توسيعها.

"نولدج آت وارتون": ولكنّ التحدّي الذي تواجهونه حقّاً هو عندما لا تريد دولةٌ ما ممارسة أنشطة الأعمال مع دولةٍ الأخرى.

شريف: صحيح. وهذا هو المجال الذي تلعب فيه السياسة دوراً، وهو جزءٌ من السبب الذي جعلني أتّخذ مقرّاً خارج الجامعة ودفعني لأركّز بشدّة على إجراء البحوث المتعلّقة بالسياسات. نحن بحاجةٍ إلى أن يعمل صنّاع القرار في المنطقة على إنشاء بيئاتٍ ونظمٍ تعاونية، من شأنها أن تسمح بتوفير فرص عمل وتحقيق نموٍّ هائلٍ في الشركات الناشئة، إذا كنّا نريد حقّاً أن تنمو اقتصادياتنا بالطريقة التي نريد لها ذلك.

يتطّلب هذا سياسة، كما يتطلّب وجود حكوماتٍ مستعدّةٍ لإنشاء تلك البيئة. إنّها عمليةٌ بطيئة، ولكنّني أعتقد أنّ ما يثير الاهتمام في منطقة الشرق الأوسط في الوقت الحالي - وهذا شائعٌ في الولايات المتحدة - أنّ لدينا الكثير من روّاد الأعمال الناجحين مِمَّن أنشأوا شركاتٍ ناجحةً للغاية، ونحن نعمل على دفعهم إلى الأمام ودعمهم. وبالنسبة إلى الشركات التي نجحَت في العمل عبر عدّة أسواق، فنحن نحثّها حقّاً على نقل هذه الدروس والخبرات إلى روّاد الأعمال الجدد ومساعدتها على الوصول إلى أسواق أخرى.

في ’أهيد أوذا كيرف‘، لدينا مهمّةٌ على صعيد المنطقة، ومِمّا نراه للمستقبل يتمثّل في أن نكون قادرين على إنشاء مسرّعات أعمال متشعّبة. أي أن يكون لدينا مسرّعةٌ في القاهرة تعمل في الوقت نفسه كمسرّعةٍ في ماليزيا وتعمل في الوقت نفسه كمسرّعةٍ في الولايات المتحدة وباكستان، وبالتالي أن يكون لدينا روّاد أعمالٍ من مختلف المراحل يسرّعون أعمالهم في الوقت نفسه ويتّصلون مع بعضهم البعض، على أمل مساعدة بعضهم البعض في الانتقال إلى الأسواق التي يتواجدون فيها. يتطلّب هذا مواردَ وتمويلاً، لكنّنا نأمل أن نكون قادرين على تحقيق هذه الرؤية لأنّني أعتقد أنّها تشكّل حلّاً آخر لمساعدة روّاد الأعمال على الانتقال إلى أسواق مختلفة كما ومساعدتهم على التوسّع أيضاً.

"نولدج آت وارتون": غير الرعاية الصحّيّة؛ ما هي القطاعات الأخرى التي ينبغي التركيز عليها؟

شريف: الطاقة. التعليم. الماء. البيئة. البنى التحتية بالطبع. وسائل النقل. يوجد لدينا مشاكل كبيرة في المرور والنقل، وتحديداً في مصر. مشاكلنا لا حصر لها. إنّها كبيرة جدّاً بحيث يمكنك أن تفعل أيّ شيءٍ [لحلّها]، وسوف يكون لذلك تأثيرٌ اجتماعيٌّ حقيقيٌّ إذا كنتَ تركّز بما فيه الكفاية.

"نولدج آت وارتون": هل هناك سوقٌ لروّاد الأعمال الولايات المتحدة يستطيعون من خلالها توسيع نطاق أفكارهم ونقلها الى مصر وأماكن أخرى؟

شريف: بالطبع. جئتُ إلى هنا، إلى واشنطن العاصمة، في مهمّةٍ مع القطاع الخاص قبل نحو ثلاثة أسابيع لحشد التأييد لقطاع الأعمال في مصر، وهذا بالضبط ما كنّا نقوله. مصر هي مكان ممتازٌ لممارسة أنشطة الأعمال، فهي سوقٌ ضخمة، وفيها الكثير من الإمكانات للشركات الأمريكية. هناك الكثير من المخاوف التي أعتقد أنّ لا أساس لها، فالشركات الأميركية والشركات المتعدّدة الجنسيات الأميركية ما زالت هناك، وما زالت تزدهر وتحقّق الكثير من المال هناك، لأنّها سوقٌ غير مستغَلّة. أعتقد أنّه يوجد إمكاناتٌ هائلةٌ للشركات الأمريكية القادمة إلى الشرق الأوسط، وأعتقد كذلك أنّ هناك إمكاناتٍ هائلةً في الاتّجاه المعاكس.

"نولدج آت وارتون": بالعودة إلى الوراء، ما مدى أهمّية ’الانتفاضة‘ في وضع مصر على مسارٍ مختلف؟

شريف: هذا موضوعٌ حسّاسٌ بالنسبة لي لأنّني كنتُ هناك. ’الانتفاضة‘، كما أعتقد، شكّلَت صحوةً لأنّ الناس لفترةٍ طويلةٍ لم يكونوا قادرين على إحداث التغيير المنشود. قبل الثورة المصرية، شهدنا... زيادةً في العمل التطوعي [بين الشباب]. كان هناك زيادةٌ في النشاط الاجتماعي، وهذا من شأنه أن يتحوّل حتماً إلى أمرٍ سياسيٍّ في مرحلةٍ ما. أعتقد أنّ ما فعلته ’انتفاضة‘ عام 2011 هو أنّها أظهرَت للناس أنّهم إذا ضافروا قواهم سيتمكنون من إحداث التغيير المنشود. التحولّات دورية ومتكرّرة، لذلك هناك صعودٌ وهناك هبوط، وأعتقد أننا في مرحلةٍ صعبةٍ من عملية الانتقال الآن، لكنّني أرى أنّ أملنا [يقع على عاتق] الشباب المصري. أنا لا أعتبرهم مشكلةً بل أراهم رصيداً ضخماً يمكن أن يحقّق تغييراً إيجابيّاً.

أعتقد أنّ ما نحاول القيام به مع ’أهيد أو ذا كيرف‘ و’مركز ريادة الأعمال‘ وكلّ اللاعبين الذين ظهروا في بيئتنا الريادية، هو الاستفادة حقاً من هذه الإمكانات ومساعدة هؤلاء الشباب بالفعل على استعادة مجتمعاتهم.

"نولدج آت وارتون": يهمّنا أن نعرف كيف يبدو جيل الألفية في مصر.

شريف: أعتقد أنّه نفسه [كالذي في الولايات المتحدة]، ففي مصر هناك 65% من السكّان تحت سنّ الـ34. لدينا مجتمعاتٌ شابّة جداً في الوقت الحاليّ. أنا أستاذة، وأعلّم، لذلك أتعامل مع جيل الألفية كلّ يوم. لا أعتقد أنّ لديهم هذا النوع من التأثير الذي نراه هنا في الولايات المتحدة، ولكنّ وقتهم سيأتي. سوف نرى جيل الألفية هذا ينفّذ الأشياء بشكلٍ مختلفٍ جدّاً، ونحن ندرك هذا من خلال المشاريع الاجتماعية التي ندعمها.

الكثير منهم يقول: ’هل تعرفون ماذا، نحن لا نهتمّ بما تفعله الحكومة أو لا تفعله، نحن في طريقنا لتولّي زمام الأمور وإنشاء أنظمةٍ موازية‘. سيكون لهذا تأثيرٌ مختلفٌ تماماً، فنحن لم نشاهد أبناء جيلي أو الجيل الذي بعده يتحدّثون بمثل هذا. هؤلاء [الشباب] يستخدمون التكنولوجيا، وليسوا بحاجةٍ للحصول على تصريحٍ من الحكومة لاستخدام التكنولوجيا في حدّ ذاتها. وهذا ينتشر.

أنا أؤمن بنقاط التحوّل، وأعتقد أنّنا وصلنا إلى هناك. لهذا السبب نعمل جميعنا بجهدٍ لدعم [نقاط التحوّل] التي تنجح في إيجاد الأشخاص القدوة والتي نأمل في أن تحوّل التموّجات إلى موجةٍ واسعة النطاق. أعتقد أنّ الحكومة المصرية سوف تدرك في نهاية المطاف أنّ هؤلاء الناس يمكنهم أن يحقّقوا تغييراً إيجابياً، وستسعى إلى دعمهم.

"نولدج آت وارتون": لنعود إلى أمرٍ قلتيه في البداية، إذا كان بعض هؤلاء الشباب لا يتوقّعون العمل لحساب الحكومة، عليهم التفكير في تنفيذ شيءٍ آخر.

شريف: هنا بالضبط حيث يقبع الجميع في الوقت الحاليّ. وما نحاول جميعاً الإسراع في إنجازه، هو مساعدتهم على تحويل تلك الطاقة إلى شيءٍ يقود مصر نحو مسار النموّ الإيجابي. يحتاج هذا إلى الكثير من الموارد، والكثير من الالتزام، ونحن نعمل بجدّ ونحاول أن نفعل ذلك لأنّني أعتقد أن مصر لديها إمكانات هائلة.

إنّها بلدٌ عظيم، وجميل، ولديها تراث - وبعضٌ من أفضل أماكن الغوص في العالم، وشعبها لطيف. أرى أنّ هناك الكثير من الإمكانات لبناء اقتصادنا بطريقةٍ مستدامة، وأن يكون فعلاً رائداً في هذا المجال. أعتقد أنّه يمكن أن نكون رائدين في مجال ريادة الأعمال ذات الأثر - وبالنسبة إلى العالم عبر الاقتصادات الناشئة. أعتقد أن ما يحدث في مصر رائعٌ حقّاً.

"نولدج آت وارتون": هل تأملين بعد عشر سنوات أن يكون نقاشُنا مختلفاً؟

شريف: بعد عشر سنواتٍ من الآن، أعدكم بأنّه سيخرج من مصر الكثير من قصص النجاح والابتكار والذهول، ولن أعرف مَن أختار منها.

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة