أبوظبي واحة التكنولوجيا المالية في المنطقة؟

اقرأ بهذه اللغة

احتلّت التكنولوجيا المالية حيّزاً واسعاً من اهتمام روّاد الأعمال والمستثمرين على حدٍّ سواء خلال السنوات القليلة الماضية، ولا يوجد أيّ مؤشّرٍ على تراجع هذا الاهتمام حتى الآن على الأقلّ.

لم تمرّ فرصة تصدّر قطاع التكنولوجيا المالية مرور الكرام بالنسبة إلى "سوق أبوظبي العالمي" ADGM، فقد شرع هذا المركز في العمل ووضع الأسس ليس فقط لتمكين وإنشاء وتشغيل الشركات الناشئة للتكنولوجيا المالية، بل أيضاً لوضع الإمارات في مقدّمة الابتكار في مجال التكنولوجيا المالية في المنطقة.

من أجل العمل على تطوير أبوظبي لتصبح مركزاً لهذا القطاع، قدّم "سوق أبوظبي العالمي" اقتراح إطارٍ لتنظيم التكنولوجيا المالية في الإمارات يتضمّن إنشاء "المختبر التنظيمي" Regulatory Laboratory الذي يعمل على تمكين شركات التكنولوجيا المالية من القيام بأنشطتها في بيئة عملٍ محكمة وذات تكلفة فعالة قبل الاندماج في المجال الاقتصاديّ الأوسع والعمل كشركاتٍ ناضجة. ويعود ذلك إلى المخاطر الفريدة التي تصاحب الشركة الناشئة للتكنولوجيا المالية، مثل تهديدات الجرائم الإلكترونية ولتأثير المحتمل على الاستقرار المالي.

كلّما نمَت التكنولوجيا المالية تنمو معها البيئة التنظيمية الداعمة، لذا ينبغي لهذه البيئة ألّا توجّه نموّ الشركات الناشئة وحسب، بل أن تضمن أيضاً تكاملها بشكلٍ جيّدٍ في المشهد الاقتصاديّ الحاليّ. وينطبق هذا بشكلٍ خاصّ على الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية، والتي يجب استيعابها مع الحفاظ على استقرار قطاع الخدمات المالية.

"سوق أبوظبي العالمي" (الصورة من سوق أبو طبي العالمي")

مع وصول حجم الاستثمارات في التكنولوجيا المالية إلى معدّلٍ هائل (75% في عام 2015)، تجدر الإشارة إلى أنّ جزءاً لا بأس به من هذه الاستثمارات بات ينتشر في مناطق خارج أميركا الشمالية، أبرزها أوروبا ودول المحيط الهادئ الآسيوية.

وعلى صعيد المنطقة، تمكّن عددٌ قليلٌ من شركات التكنولوجيا المالية الناشئة من التجذّر بفضل الاستفادة من الفجوة القائمة بين الخدمات المالية التقليدية واحتياجات المستهلِكين الحالية.

تتمثّل إحدى هذه الفجوات في إقراض الشركات الصغيرة والمتوسّطة، والذي يشكّل 4% فقط من القروض التي تمنحها البنوك في دول مجلس التعاون الخليجي مقارنةً بـ18% في البلدان ذات الدخل المتوسّط. وبالتزامن مع انتشار الهواتف الذكية، فإنّ هذا يمهّد هذا الطريق أمام منصّات التمويل الجماعيّ crowdfunding ("ذومال" Zoomaal) ومنصّات الإقراض المباشر peer to peer lending ("بيهايف" Beehive) لكي تنشط في هذا المجال.

القطاع الآخر الذي يشهد نشاطاً متزايداً للتكنولوجيا المالية هو الدفع عبر الإنترنت ("بيفورت" Payfort) والعملة الرقمية ("بِت أويسيس" Bitoasis) وإدارة الاستثمارات ("فاينرد" Finerd).

ففي حين تسير وتيرة تطوّر التكنولوجيا المالية بالتوازي مع افتتاح مسرّعات أعمالٍ خاصّة بهذا القطاع مثل مسرعة الأعمال "1864" ومصنع التكنولوجيا المالية "فينتك فاكتوري" Fintech Factory من "بيفورت"، يتوقّف النموّ الناجح للتكنولوجيا المالية في المنطقة على عددٍ من العوامل الرئيسية أبرزها التنظيم.

أمثلةٌ من الخارج

سيكون من المفيد أن نتطرّق بالخطوات التي قامت بها بلدانٌ غير معروفةٍ كثيراً في مجال التكنولوجيا المالية.

تشكّل المملكة المتّحدة مقارنةً مثيرةً للاهتمام بسبب الموقف الداعم الذي اتّخذته الحكومة بشأن التكنولوجيا المالية، والذي يَظهَر من خلال تقديم الدعم لمنظّمةٍ مستقلّةٍ في هذا القطاع هي "إنوفايت فاينانس" Innovate Finance ومن خلال الهدف الساعي إلى أن تصبح البلاد مركزاً للتكنولوجيا المالية بحلول عام 2020.

من هذه المقارنة، يمكن اكتشاف بعض الأوجه التنظيمية التي تسهّل تطوير بيئةٍ سليمةٍ للتكنولوجيا المالية، كما يمكن لهذا أن يساعد في تسليط الضوء على نقاط الضعف في القوانين والتشريعات التي يمكن أن تكون مشكلةً لروّاد الأعمال أو المستهلِكين أو الحكومات.

مقارنة بين الإمارات والمملكة المتحدة.

القوانين والتشريعات المساعِدة

العناصر الثلاثة التي تساعد في تطوير بيئةٍ مستدامةٍ للتكنولوجيا المالية هي:

1. بيئة العمل: بيئة العمل التنظيمية أساسيةٌ لضمان استمرار سلامة ومتانة قطاع الخدمات المالية، لأنّها تسمح لشركات التكنولوجيا المالية الناشئة بأن تشغّل وتختبر المنتَجات أو الخدمات في بيئةٍ مضبوطة ولفترةٍ محدّدة.

يمكن لهذا الاختبار أن يحدّد مدى ملاءمة الشركة الناشئة للعمل على نطاقٍ أوسع وكجزءٍ من قطاع الخدمات المالية القائم، بالإضافة إلى أنّه يسمح للّاعبين في مجال التكنولوجيا المالية بالعمل بعيداً عن الامتثال لجميع القوانين والتشريعات المالية.

المبادرات مثل "المختبر التنظيمي" من "سوق أبوظبي العالمي" ADGM وبيئة العمل التي أوجدَتها "هيئة الإدارة المالية" البريطانية Financial Conduct Authority، من شأنها أن تضمن تنفيذ الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية لعملياتها من دون التسبّب في أيّ تعطيلٍ أو عدم استقرارٍ لا مبرّر لهما؛ وبالتالي يمكن تطبيقها في قطاع الخدمات المالية باعتبارها مبادرات ناجحة.

2. مبادرات الأمن الإلكتروني: قد لا يُنظَر إلى اقتران التكنولوجيا والخدمات المالية على أنّه اقترانٌ آمن، لا سيّما من قِبَل أولئك الذين يستخدمون فقط الخدمات المالية التقليدية. لذلك من الضروريّ أن تضمَن الحكومات بنفسها الأمن الإلكترونيّ السيبراني لإراحة بال المستهلِكين وتسهيل التحوّل نحو التكنولوجيا المالية.

بدورها اتخذت المملكة المتّحدة خطواتٍ كبيرةً في هذا المجال من خلال برامج مثل "برنامج اعتماد أساسيات الأمن السيبراني"Cyber Essentials Accreditation Scheme (في عام 2014) الذي يحدّد الحدّ الأدنى من الأمن الرقميّ، ما يسمح للمؤسّسات بعرض عناصر الحماية والدفاع والحصول على ثقة المستهلِك.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ "البرنامج الوطني للأمن السيبراني" البريطانيNational Cyber Security Program (في عام 2015) أسّس "المركز الوطني للامن السيبراني" National Cyber Security Centre وفصّل المبادرة الحكومية الساعية إلى الاستثمار في الأمن الرقمي والاستخبارات المالية. أمّا الإمارات فهي في حين يوجد لديها "الهيئة الوطنية للأمن الإلكترونيّ"National Electronic Security Authority التي تتمثّل مهمّتها في وضع استراتيجيات الأمن السيبراني، ما زالت بحاجةٍ إلى مبادراتٍ إضافيةٍ لضمان أمن التكنولوجيا المالية وضمان مواكبة الشركات الناشئة لمعايير الأمن السيبراني العالمي.

3. الحوافر: لتحفيز نموّ التكنولوجيا المالية وزيادة احتمال اعتمادها، يمكن أن توفّر الحكومات حوافز ضريبيةً للأفراد الذين يستخدمون هذه الخدمات الجديدة.

في هذا الإطار، أطلقَت المملكة المتّحدة مبادرةً باسم "إنوفاتيف فاينانس إيزا" ("إيفيزا") Innovative Finance ISA (IFISA) في عام 2016 للتشجيع على اعتماد التكنولوجيا المالية، خصوصاً الإقراض المباشر P2P lending. هذه المبادرة التي تشكّل نوعاً جديداً من حساب التوفير للأفراد، تستهدف المستهلِكين الذين يستخدمون خدمات الإقراض المباشر وتقدّم لهم حوافز ضريبية على الفوائد والمكاسب التي يمكن جمعها من خلال تقديم القروض المباشرة عبر "إيفيزا".

مالٌ ومالٌ ومال، وتكنولوجيا. (الصورة من "أوستريان ستارتبس" Austrianstartups.com)

إذاً، فإنّ مثل هذه التدابير تشجّع الناس على اعتماد خدمات الإقراض المباشر وتعزيز المنافسة ضمن القطاع المصرفيّ التقليديّ.

​أمّا في دولة الإمارات، ففي حين لا يمكن تطبيق الحوافز الضريبية مباشرةً نظراً لعدم وجود ضريبة دخل اتحادية، يمكن أن تأتي مبادرات تحفيز اعتماد خدمات التكنولوجيا المالية على شكل إعاناتٍ للمؤسّسات الصغيرة والمتوسطة التي تستخدم حلول التكنولوجيا المالية، أو السماح بالملكية الكاملة (للمؤسّسين غير الإماراتيين) خارج المناطق الحرّة المخصّصة.


تُعدّ الإمارات بالفعل واحدةً من أكثر الدول جاذبيةً للشركات الناشئة في المنطقة، ومع ذلك فإنّ الإبداع لا يمكن أن يُترَك للشركات الناشئة وحدها لأنّ القوانين والتشريعات الجديدة ضرورية لتسهيل نموّ هذه الشركات الناشئة واندماجها.

وعليه، فإنّ خطواتٍ مثل وضع الحوافز واتّخاذ خطواتٍ وقائية في مجال الأمن السيبراني، يمكن أن تثبت أنّها مفيدة بالتوازي مع نموّ البيئة الحاضنة للشركات الناشئة. ويمكن في هذا الإطار لدولة الإمارات أن تحاكي الخطوات التي اتّخذت المملكة المتحدة وتعدّلها لتطوير البيئة الحاضنة الخاصّة بها وتصبح مركزاً للشركات الناشئة كما تطمَح.

 

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة