الاستثمار المخاطر من الألف إلى الياء

اقرأ بهذه اللغة

نشر هذا المقال أساسًا على "ميديوم" Medium.

شركات الاستثمار المخاطر المؤسسة حديثاً هي شركات ناشئة تتنافس لتحقيق النجاح تماماً مثل الشركات التي تموّلها. ومثل أي شركة ناشئة، بعض منها سيحقق النجاح، وبعض سيسترجع أمواله والبعض الآخر سيضمحلّ ويختفي.

وبالتالي فإنّ إزالة الغموض والأساطير والتركيز على حقيقة وطبيعة سلسلة القيمة لدى شركة الاستثمار المخاطر، يساعد روّاد الأعمال على فهم دوافع شركات الاستثمار التي يلتقون بها بشكل أفضل. وشخصياً، آمل أن يتشجّع بعض قرّاء هذه المقالة ويؤسّسوا شركات استثمار مخاطر خاصّة بهم إذا وجدوا أنّه بوسعهم تقديم قيمة إضافية للعالم الريادي.

الأطر الاستراتيجيّة المناسبة لتحليل مجالٍ ما تكمن في النظر إلى سلسلة القيمة الخاصّة به؛ وقد قسمّتُ سلسلة القيمة الخاصة بمجال الاستثمار المخاطر إلى خمسة نشاطات: التمويل، والموارد، والاستثمار، والدعم، والتخارج.

التمويل

يهدف التمويل إلى جمع صندوق استثمار مخاطر من شركاء محدودين، ويمكن اختصار الأمر على النحو التالي:

-         المصداقية: شركات الاستثمار المخاطر تشبه في عملها روّاد الأعمال، إذ أنّها تعرض أفكارها للحصول على تمويل من الشركاء المحدودين، الذين سوف ينظرون بدورهم إلى إنجازات شركة الاستثمار المخاطر وسيرتها ومفهومها للاستثمار وما يميّزها عن غيرها.

-         الوصول إليهم: الشركاء المحدودين هم غالباً من المصارف والأوقاف والحكومة وصناديق الثروة السيادية وصناديق التقاعد والمؤسسات والأثرياء والشركات العائلية والشركات التي تعتمد سياسات استثمارية تقوم على الاستثمار بشركات الاستثمار بدلاً من الأسهم والسندات Funds of funds.

-         تحديد الشركاء المحدودين: يرتبط الأمر هنا بإقامة الأبحاث والتواصل وتحديد المواعيد والاجتماعات والتحدث مع هؤلاء الشركاء أو الشركات التي يمكنها المساعدة في إيجاد شركاء محدودين.

-         جمع الأموال: بعد إيجادهم، يجب وضع الاتفاق قيد تنفيذ من خلال سلسلة قيمة تقوم على نشاطات قانونية ومالية.

جمع الموارد

يكمن أحد أهمّ نشاطات سلسلة القيمة لدى شركات الاستثمار المخاطر في إيجاد صفقات ناجحة ومناسبة مع الشركات الناشئة.

أرى أنّه من الأفضل أن يكون لديك مشكلة في الاختيار، وليس مشكلة في المسار المتّبع. ولاختيار الصفقات المناسبة، عليك اتّباع استراتيجية ناجحة للعلامة التجارية وتأسيس علاقات التي يمكن أن تجذب أنواعاً محددة من الشركات الناشئة إليك.

إيجاد الصفقات المناسبة أمر أساسي لأيّ صندوق استثمار مخاطر، وهذه هي المراحل الأساسية لإيجاد أفضلها (الصور لمحمد شرف الدين).

 

تحديد الموارد من خارج دائرة الشركة outbound sourcing هو عندما تسعى شركات الاستثمار المخاطر للوصول إلى الشركات الناشئة، وغالباً ما يرافق ذلك كلفة استحواذ عالية.

-         الوصول إلى صفقات من مصادر خارجية Outbound deal sourcing: تلجأ شركات الاستثمار المخاطر إلى شبكات ومعارف موظّفيها ومستشاريها ومرشديها والشركات التي تعمل معها ومؤسسيها للوصول إلى شركات ناشئة واعدة.

أحياناً، تكون شركة الاستثمار المخاطر استباقية في وصولها إلى شركات ناشئة في مرحلة مبكرة، فتؤسّس صناديق تمويل صغيرة للطلاب في الجامعات الأساسيّة (مثل "دورم روم فاند" Dorm Room Fund من "فيرست راوند كابيتال" First Round Capital) وتسعى إلى اكتشاف الصفقات في الجامعات ومراكز الشركات الناشئة ("سيكوية كابيتال سكاوت" Sequoia Capital Scouts). من جهةٍ أخرى، يمكن أيضاً لشركات الاستثمار المخاطر هذه أن تتعاون مع مستثمرين أفراد ونقابات ومسرّعات أعمال وحاضنات نموّ للوصول إلى الصفقات؛ كما يمكنها اللجوء إلى التشبيك والعلاقات الجيّدة بمؤسّسي الشركات الناشئة والمواقع التي تساعد في عملية البحث مثل "إينجل ليست" AngelList و"ريديت" Reddit للأفكار السابقة لعصرها في توجّهات التكنولوجيا.

  •       الفعاليات: تحديداً التواجد فيها أو رعاية فعاليات أساسيّة في الحقل الأكاديمي أو المجال الريادي، ومراقبة الأفكار والتوجهات ومتابعة أخبار الشركات الناشئة المشاركة والبقاء على اتّصالٍ معها.
  •       بناء الشبكات:هناك قسمان لهذه الشبكة: الأشخاص الذين يجدون الصفقة، والصفقات بحدّ ذاتها. وعلى هؤلاء الذين يجدون الصفقات أن يركّزوا على كيفية التخطيط ووضع الاستراتيجيات والتركيز والتنسيق والتمكين والدعم.
  • في المقابل، تحديد الموارد داخل دائرة الشركة inbound sourcing هو عندما تسعى الشركات الناشئة بنفسها للوصول إلى شركات الاستثمار المخاطر؛ ولكن للاستفادة من ذلك، يجب على شركة الاستثمار المخاطر أن تتّبع استراتيجية تسويق ثابتة ومتينة لبناء علامتها التجارية.
  •   إنشاء المحتوى: غالباً ما يقوم ذلك على الخبرة، إذ أنّ المؤسّسين قد ينجذبوا إلى شركة استثمار مخاطر محدّدة بسبب معرفتها وخبرتها وتطلّعاتها الفريدة في مجالٍ ما. يتفاوت المحتوى بين ذلك التعليمي والمحتوى التشجيعي والمحادثات المفتوحة حول التوجهات المستقبليّة، ولكن ما يجب أن يميّزه، بالنسبة لي، هو قدرته على التواصل مع الجمهور بإظهار تعاطف حقيقيّ من حيث النوايا، وتواضعٍ في التعامل معه.
  •   النشر والتوزيع: يتراوح ذلك بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وإرسال النشرات الإخبارية الأسبوعية أو الشهرية بواسطة البريد الإلكتروني، أو حتّى اللجوء إلى قناة وسيطة وموقع نشر وصوتيات وحصص دراسيّة، مثل "بليتز سكايلينج باي جرايلوك" Blitzscaling by Greylock من جامعة "ستانفورد" Stanford.
  •    بناء العلامة التجاريّة: هذا مجموع ما تُعرف به، وما تؤيّده، وقيمة اقتراحك، وكيف تقدّمه. لذلك، يجب الاعتناء بذلك من خلال سلسة القيمة الخاصة بشركة الاستثمار المخاطر.

الاستثمار

اختيار الاستثمار الناجح علمٌ وفنّ بحدّ ذاته؛ أما التفاوت بين العلم والفنّ فيقوم على اختلاف مستوى نضوج الشركة الناشئة.

أعتقد أنّ نقطة التحوّل في هذا المزيج تتمثل في المرحلة التي تمرّ بها الشركة الناشئة قبل وبعد تناسب المنتج والسوق. قبل هذه المرحلة، يعتمد المستثمرون على المؤسّسين والأنماط والمؤشّرات النوعيّة. ومن بعدها، تتوفّر البيانات لتقييم أعمال الشركة الناشئة وتقدير مستقبلها بعد 3 إلى 5 أعوام من الآن.

والعامل الآخر هو تناسُب المنتَج والسوق والاستراتيجيّة الذي يرتبط بقدرة الشركة الناشئة على إيجاد القيمة والمحافظة عليها وحمايتها من المنافسين.

  • الحرص على اتّخاذ القرار المناسب: هذه أولى مراحل الاختيار، وعامل الاختيار الأهمّ فيها يقوم على نظريّة الاستثمار لأنّها مرشد شركة الاستثمار المخاطر. يمكن لنظرية الاستثمار أن ترتبط بسوق محددة – التكنولوجيا المالية أو الرعاية الصحية أو الإعلام أو غيرها -  ويمكن أن تعتمد على نموذج العمل أو استراتيجيّة المنتج أو مرحلة الشركة الناشئة أو العوامل الإقليمية أو أنوع السوق أو التكنولوجيا، أو مزيجٍ من العوامل المذكورة. في المستقبل، سوف تستخدم علوم البيانات لاختيار الاستثمار الأنسب.
  • الدراسات الإعدادية: يمكن الاستعانة بالعملية أدناه لتقييم الشركات الناشئة التي تنجح في مرحلة الاختيار الأولى.


  • تصميم دفتر الشروط: دفتر الشروط هو مزيج من إدارة المخاطر والمفاوضات وإدارة العرض والطلب والتحفّظات. يجب أن يكون دفتر الشروط سهل الفهم لرواد الأعمال، و/أو أن تقوم شركات الاستثمار المخاطر بتعليم رائد الأعمال ومساعدته في هذا الإطار، بخاصةٍ وأنّ شراكةً ستتكون بين الطرفين ومن الأفضل أن تبنى على أسس متينة وثقة.
  •   حوكمة القرارات الإدارية: بعض هذه الشركات يحتاج إلى شراكة واحدة عامة، والبعض الآخر يعتمد مقاربة تقوم على التصويت، وبعضها يقوم على التوافق. من المفيد أن تكون مستفزاً في دعمك لفكرة مميزة ومناقضة، ولكنّها تعِد بعائدات كبيرة خاصةً إذا كانت فكرة صائبة. من حيث التعريف، فإنّ الأفكار التي تثير التناقضات لا تناسب مفهوم التوافق.
  • الأمور القانونية: لا يتمّ التطرق إلى هذا الموضوع في الاستثمار المخاطر، لكنّه في الوقت عينه أصبح ممارسةً تنمو باستمراروتواكل الدروس والخبرات والتغيّرات في المجال. في وادي السيليكون، هناك علاقة تكافليّة بين شركات الاستثمار المخاطر والمشاريع والشركات الجديدة وشركات المحاماة. وبالنسبة لشركات الاستثمار المخاطر والشركات الناشئة، يجب تقوية هذه الشراكات منذ البداية.

النشاطات الداعمة

يقوم الهدف من هذا النشاط على دعم نموّ الشركة الناشئة بعد الاستثمار، ويتفاوت ذلك بين شركة استثمار مخاطر وأخرى، وغالباً ما يتناسب هذا الدعم عكسيّاً مع حجم الصفقات بسبب الموارد المحدودة.


  •  الشركاء الرئيسيون: قد يتفاوت الدعم من الجلوس في مجلس الإدارة إلى المشاركة فعلياً في السوق عندما يقتضي الأمر. ومن الحكايات الجميلة التي تعجبني في هذا الإطار قصّة مؤسس " آندرسن هورويتز" Andreessen Horowit، مارك آندرسن، الذي زار براين تشيسكي في منتصف الليل عندما واجهَت "إر بي أن بي" AirBnB أزمة في العلاقات العامة لأنّ أحد الضيوف كان قد خرّب منزل شخصٍ مستضيف. ففي شركةٍ تؤسس للثقة كمنتَج وكان الخطر الذي يلاحقها حقيقياً، يُعدّ الدور الذي أدّاه مارك رئيسيّاً. في وقت الأزمة (وهي شائعة مع الشركات الناشئة)، من الضروريّ أن تعلم أنّه يمكنك الحصول على هذا النوع من الدعم القيّم حتّى في منتصف الليل؛ وهذا أمرٌ لا يقدّر بثمن. أمّا روّاد أعمال، فعليكم الاعتماد على هذا ليكون بمثابة اختبار عند تقييم العلاقة مع المستثمر الأساسي.
  • توظيف الخبراء: بحسب حجم الصندوق، يمكن للشركة أن تضمّ إلى فريقها خبراء؛ شركتا "آندرسن هورويتز" و"جوجل فينتشرز" Google Ventures سباقتان في هذا الإطار.
  •  التشبيك: يمكن للشركة أن تنمّي خدمات الدعم الخاصة بها من خلال الدخول إلى شبكات خبراء وشركات ومجتمعات مختلفة. "واي كومبينايتور" YC هي مثال عن مجتمعٍ حيث يوجد روح تضامن رائعة بين الخرّيجين، إذ أنّهم يدعمون بعضهم بعضاً ويشاركون الدروس التي تعلّموها.
  •  تشكيل العمليّة وتبسيطها: لقد رأيت مسرّعات أعمال تبني شبكة من المرشدين من دون أي فائدة. يجب أن تخضع هذه العمليّة للتقييم وأن تحسّن باستمرار، ومن المهمّ أن تحظى بالهيكلية الإدارية المناسبة لكي تنمّي وتقيّم وتحسّن هذا النشاط في سلسلة القيمة.

التخارج (البيع أو الاستحواذ)

 

شركات الاستثمار المخاطر تصل إلى يوم الحساب عندما تحتاج إلى إغلاق الاستثمارات وأخذ أموالها وردّ أموال الشركاء المحدودين؛ وعادةً يحصل ذلك بعد 10 سنوات على الاستثمار.

من المهمّ جدّاً أن يفهم روّاد الأعمال هذه الناحية من سير الأعمال.

شركات الاستثمار المخاطر تريد نجاحات كبيرة وتريد أن تكتشف وتنمّي وتزيد القيمة بسرعة فائقة، فهي بحاجة إلى معدّل عائد داخلي بنسبة 20 إلى 25% على تمويلها. من حيث الإحصاءات، تبوء ثلث صفقات شركات الاستثمار بالفشل، ونسبة 25% من معدّل العائد الداخلي للصفقة لا تكفي. وبالتالي، تريد هذه الشركات أن ترى أنّه بمقدورك جني دولار من 15 سنتاً.

فيما يقترب يوم الحساب، تزيد الضغوطات على الرئيس التنفيذي للشركة الناشئة للوصول إلى صفقة تخارج (سواء كانت دمجاً أو استحواذاً).

  •  تحديد طرق التخارج: الطرق الأساسيّة غالباً ما تكون صفقات الاستحواذ والاكتتابات مع بعض حالات التخارج من خلال أسواق ثانويّة أو مساهمين حاليين. أمّا إذا كانت الشركة الناشئة في ضيقة ماليّة وليس لديها آمال بتحقيق صفقة استحواذ أو اكتتاب، سيتوجّب عليها أن تجمع تمويلاً متوسّط المخاطر mezzanine أو تمويلاً مقابل أسهم خاصة، ما قد يعرّضها إلى استيلاء الدائنين عليها إذ أنّ الملكية تتغيّر وحقّ اتخاذ القرارات الإدارية لا يبقى للمؤسسين وشركات الاستثمار المخاطر.
  • إيجاد شارٍ أو ضامن: فيما يتعلّق بصفقات الاستحواذ، من الأفضل للشركة الناشئة أن تُشترى على أن تُباع. أن تُشترى شركتك يفرض امتيازات إضافية، وأن تُباع يرافقه حسم. أمّا عند الاكتتابات، يمكن لشركة الاستثمار المخاطر أن تساعد في إيجاد مصرفٍ استثماري كضامن للشركة الناشئة، كما يمكنها أن تدعم الشركة الناشئة ومجلس إدارتها في عملية الاكتتاب.
  •  التنفيذ: وهو غالباً عمل البيئة الريادية في سلسلة القيمة هذه، والتي تتألف من المصرفيين الاستثماريين والمحامين والسلطات القانونية وغيرها.

كون ما ينطبق على طرف ينطبق على الطرف الآخر أيضاً، فإنّ روّاد الأعمال يهتمّون بالدعم الذي سيتلقونه من شركات الاستثمار المخاطر، والشركاء المحدودون يهتمون بنتيجة التخارج، وشركات الاستثمار المخاطر تهتمّ بسلسلة القيمة من الألف إلى الياء علماً أنّ نشاط الاستثمار هو العنصر الحاسم والأهمّ في هذه العملية.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة