التكنولوجيا المالية في مصر: مجال الشركات الناشئة أم المصارف؟

اقرأ بهذه اللغة

رغم أنّ انطلاقة التكنولوجيا المالية في مصر كانت بطيئة لأنّ المصارف التي شددّت على فهمها لهذه الحاجة رفضت تقديم خدمات أساسية مثل الحسابات المصرفية، إلا أنّ الشركات الناشئة بدأت تملأ الفجوات في هذا المجال في بلاد النيل.

فيما تواجدت خدمة جمع التمويل لبعض الوقت في مصر، ترى أنّ أحدث الابتكارات تحدث في مجال الدفع وخدمات التوفير والادّخار حيث تؤمّن حلولاً رقمية وحسابات مصرفية وهمية في حالة الأموال التي يتمّ تداولها عبر الهواتف.

وفي حين يعتاد العالم على الخدمات المالية التي تعتمد على التكنولوجيا (أظهر تقرير عام 2016  للـ"جمعية الدولية لشبكات الهاتف المحمول"  GSMA الذي تناول موضوع الاقتصاد العالمي لهذه الأجهزة أنّه تمّ افتتاح 10 ملايين حساب توفير مخصّصة للأجهزة المحمولة في العالم)، يدخل روّاد الأعمال المصريون إلى مجال التوفير والإقراض والدفع.

التوفير والاستثمار والإقراض

في بلادٍ يعتاد شعبها على الاحتفاظ بأموالها حيث يمكنه رؤيتها – "تحت البلاطة" كما يُقال – قد تبدو منصّات التوفير الرقمية سابقةً لأوانها وغير موثوق بها، لكنّها تجذب المستخدمين يوماً عن يوم.

"فلوسي" Feloosy، شركة ناشئة للادّخار تقوم على تحديد المستخدمين لهدفٍ معيّن يريدون الادّخار لأجله ، وتربط حساباتهم المصرفيّة بالتطبيق. وعليه، يقوم المستخدمون بادّخار مبلغ معيّن يتمّ استثماره في منتَجاتٍ مختلفة مثل الأسهم أو السندات الحكومية ويقال إنّها تصلهم بالكثير من "شركاء الاستثمار".

منذ تأسيسها في عام 2015، تقدّم "فلوسي" خدماتها مجاناً للمستخدمين إذ تأخذ رسومها من "شركاء البيع بالتجزئة والاستثمار"، ما يعني أنّه عندما تدخل الأموال فعلاً في حلقة الاستثمار، يستفيد كلٌّ من "فلوسي" ومستخدموها.

ويشرح كريم البلتاجي، الشريك المؤسس لـ"فلوسي"، طريقة عمل هذه الشركة قائلاً إنّ "هذا هو مفهوم شركتنا، فنحن لا نطلب منك أن تجمع الأموال من دون أن تستخدمها وتحصل فقط على فائدة كما تفعل المصارف. بل تصبح ‘فلوسي‘ صديقك الذكي الذي يقول لك إذا أردت هذا الهاتف، سأساعدك في جمع الأموال للحصول عليه عاجلاً أم آجلاً. وبالتالي، يمكن أن نسمّيها تطبيقاً لادّخار الأموال في كلّ مرحلة على حدة."

"فلوسي" هي منصّة تساعد في الادّخار وتعرّف الناس على الاستثمار المناسب في الوقت عينه (الصورة من "فلوسي")

في الجمع ما بين الإقراض والتمويل، تجد تطبيق ومنصّة "موني فيلوز" Money Fellows الذي انطلق في بريطانيا في نيسان/أبريل ومن ثمّ في مصر في حزيران/يونيو هذا العام.

تسمح هذه الشركة لمجموعةٍ من الأشخاص بأن يجتمعوا ويدفعوا مبلغاً محدداً في الشهر، وفي كلّ شهر يتلقّى أحدهم المبلغ؛ وعندما يتلقّى الجميع أموالهم، يتمّ إغلاق المجموعة. تأخذ الشركة الناشئة رسوماً في كلّ شهرٍ ما بين 1.5 و2.5% عند تلقّى الفرد المبلغ، إلّا إذا اختار المستخدم أن يستلم الدفعة بالشراء من شريك لـ"موني فيلوز".

الرئيس التنفيذي لـ"موني فيلوز" أحمد وادي (الصورة لأحمد وادي) 

وهكذا تكون "موني فيلوز" قد قامت برقمة عملية الادّخار والإقراض هذه التي لطالما استُخدِمَت في مصر وعُرفَت باسم "الجمعيّة".

يشير الرئيس التنفيذي لـ"موني فيلوز"، أحمد وادي، إلى أنّ "هذه الشركة تعتمد على لجوء المستخدمين إلى معارفهم لجمع التمويل لحاجاتٍ معيّنة، وكلّما كانت دائرة المعارف أكبر، كلّما زادت صلاحياتك وإمكانياتك، وما تبقّى من جمع الأموال والدفع والإقراض وغيرها، تقوم به ‘موني فيلوز‘إلكترونيّاً."

ومع أكثر من ألف مستخدم وجولة تمويل تأسيسي، تعمل الآن "موني فيلور" في مصر وتغلق جولة استثمار أخرى؛ وذلك بالإضافة إلى إغلاق صفقة شراكة هائلة مع أحد المصارف.

الدفع إلكترونيّاً

تتصدّر الشركات الناشئة المعنيّة بالدفع الإلكتروني والمحفظة الإلكترونية قطاع التكنولوجيا المالية في مصر، رغم الاعتماد دائماً على التداول بالعملة النقديّة.

فبادئ ذي بدء، جاءت شركة "فوري" Fawry الرائدة التي تسمح بدفع الفواتير إلكترونياً، وهي تشهد اليوم منافسة من الخدمة العالميّة "بي" Bee. ومن ثمّ جاءت "والتي" Wallety في عام 2012، لكنّها منذ ذلك الحين غابت عن السوق، وبدورها ظهرَت "كويكلت" Quicklet التي تبسّط عمليات الدفع والاحتفاظ بالتذاكر.

ولكن فضلاً عن "فوري"، فإنّ الشركات الناشئة في الدفع الإلكترونيّ التي تأسّست في مصر ولم تغلق أبوابها قليلة ونادرة، ومنها "باي مي" Pay Me. هذه الفكرة التي توصّل إليها مراد العشري وحسين المناوي، تخرّجت من حاضنتي الأعمال المصريّتين "مركز الإبداع التكنولوجي وريادة الأعمال" TIEC ومختبر "فينتشر لاب" في الجامعة الأمريكية في القاهرة AUC Venture Lab، في حزيران/يونيو من هذا العام.

"باي مي" تسمح بالدفع وحفظ سجّلات المدفوعات (الصورة من "باي مي")

تقوم "باي مي" بمعالجة المدفوعات من خلال تطبيق على الأجهزة المحمولة، فيُدخِل المستخدِم رقم بطاقة الائتمان أو السحب الخاصة به، ويشتري من خلال مسح رمز الاستجابة السريعة الخاص بالبائع والموافقة على المبلغ في التطبيق.

وفي حين يتوجّب على البائع استخدام خدمات "باي مي" ورموز الاستجابة السريعة، تذهب الأموال مباشرة إلى حسابه من دون أن ينتظر البريد السريع أو عمليّات المعالجة الطويلة. ومؤخّراً، تعاونت هذه الشركة مع "البنك الأهلي المصري" The National Bank of Egypt لاستخدام رخصتهم المصرفية للتداولات اليومية، متجاوزةً بذلك قوانين البنك المركزي الذي يمنع المؤسّسات المالية من التداول في السوق من دون رخصة.

يلفت الشريك المؤسس، حسين المناوي، إلى أنّ "الفكرة وراءها كانت بسيطة للغاية، عندما تطلب توصيل الملابس والمأكولات إلى منزلك، لما هي حاجتك لاستخدام الأموال النقديّة وما هي حاجة البائع إلى نقطة بيع ملموسة لمعالجة عمليات السحب عبر بطاقات الائتمان أو السحب؟"

إذا كانت "باي مي" تسهّل عمليّات الدفع، فإنّ "دوباي" Dopay تساعد الناس على تلقّي الأموال.

تقدّم "دوباي" خدمة لدفع الأجور والرواتب تسمح لأرباب العمل باحتساب الرواتب ودفعها في حساب مصرفي من "دوباي" مرتبطٍ ببطاقة سحب. وتقدّم لهؤلاء الذين لا حسابات مصرفيّةٍ لديهم نظاماً مصرفيّاً مبسطاً من دون أن يضطروا إلى تقديم عدد هائل من الأوراق المطلوبة ودفع حدّ أدنى تفرضه عادةً المصارف المصريّة.  

انطلقت هذه الشركة الناشئة في حزيران/يونيو 2014، وجمعت استثماراً بقيمة 2.4 مليون دولار في وقتٍ سابقٍ من هذا العام لمتابعة عملها في السوق المصريّة، وهي حاليّاً تقدّم خدمات مصرفيّة من خلال شراكة مع مصرف "باركليز" Barclays. في الوقت الحالي، يبيع المصرف رخصته في مصر، ولكنّ "دوباي" أكّدت لـ"ومضة" أنّها تحظى باهتمام مصارف محليّة أخرى.

في تركيبتها، تشجّع "دوباي" الإدماج المالي ومحو الأميّة المالية، إذ أنّها تعلّم المستخدم إدارة الأمور المالية اليومية وتتيح له إرسال الأموال إلى أيّ مكان في أيّ وقت.

تبادل الأموال عبر الهواتف – أخيراً وصلت

عوضاً عن تقديم البطاقات أو الحلول المصرفية، قرّرَت بعض الشركات اعتماد دفع الأموال عبر فواتير الهاتف أو تقديم فرصة الدفع بواسطة رصيد الهاتف. وفي مصر، تترأس هذا التوجّه نحو طريقة الدفع البديلة شركتا "تي باي" TPay (التابعة لـ"إيه 15" A15 التي بدأت بالعمل منذ عام 2003( و"دي سي بي" مصر DCB Egypt  التي انطلقت في عام 2014.

وفي حين يسيطر على هذا المجال بالكامل أهمّ مزوّدي خدمات الهواتف، تنشئ الشركات الناشئة واجهة مستخدمٍ وتسجّل السلع الرقمية أو محتوى الباعة، وعندها تتمّ كلّ العمليات المالية للمستخدم من خلال شركة الاتصالات الخاصة به وعبر الرسائل النصيّة في أغلب الأحيان.

يقول الرئيس التنفيذي لـ"دي سي بي" مصر، مصطفى الشافعي، إنّ "دفع الأموال عبر رصيد الهاتف في بلد مثل مصر لا يستدعي التفكير مرّتين؛ فهناك 94 مليون بطاقة هاتف مسجّلة في مصر في ثلاث شركات اتصالات، والمستخدمون يريدون لعب الألعاب وتحميل المحتوى الرقمي (كالفيديوهات الحصريّة وغيرها) أو الاشتراك بالخدمات الإخبارية من دون أن يتركوا منزلهم أو مقهاهم المفضّل."

الشافعي الذي لا يزال في مرحلة الحدّ من النفقات والاستفادة القصوى من الموارد bootstrapping لكنّه يُجري محادثاتٍ مع مستثمرين، يشير إلى أنّ هذه الشركة وليدة الحاجة لمعرفة الأخبار واللعب والترفيه على الهاتف النقال من دون الذهاب إلى أيّ مكان، ولذلك "تقوم بتحويل رصيدك أو فاتورتك إلى عملةٍ قابلةٍ للتبادل."

وعن "دي سي بي" مصر التي حظيت بأكثر من مليون مستخدم عبر ثلاث شركات اتصالات في مصر في أقلّ من عامين، يلفت الشافعي إلى أنّ المشكلة الوحيدة التي تواجه تبادل المحتوى الرقمي من خلال دفع الأموال عبر فواتير الهاتف هي جودة المحتوى نفسه: "نركّز فقط على عرض محتوى جيّد ومناسب يطابق القوانين المحليّة، والمستخدمون يحبّون الحريّة التي تؤمنّها لهم ‘دي سي بي‘."

لا شكّ في أنّ تبادل الأموال عبر الهواتف رائج في مصر، ومع انضمام لاعبين آخرين في التكنولوجيا المالية وتخصيص مسرّعات وحاضنات أعمال لهذا المجال بالذات، يستحسن إزالة الأموال المصريّة من "تحت البلاطة" إلى الفضاء الرقمي.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة