برمِج مستقبلك: شركات ناشئة سورية تعلم لغة البرمجة بالعربية

اقرأ بهذه اللغة

في الوقت الذي ينزح فيه ملايين السوريين من بلادهم التي تمزّقها الحرب إلى بلدان أخرى ويحاولون الاندماج فيها، يبقى أمامهم عائقٌ أكبر من كلّ العوائق الأخرى وهو اللغة.

ومَن يريد من السوريين عشاق التكنولوجيا الانضمام إلى القوى العاملة المعولمة أكثر، عليه تعلّم لغتَين وليس لغة واحدة هما اللغة الإنجليزية ولغة البرمجة.

للمساعدة في تخطي هذا التحدّي، أطلقت الشركتان الناشئتان اللتان تتخذان من دمشق مقرّاً لهما، "رماز" Remmaz و"بت كود" Bitcode، دوراتٍ تفاعلية لتعليم البرمجة عبر الإنترنت باللغة العربية. وفي حين تستهدف "رماز" طلاب الجامعات، تركّز "بت كود" على الأطفال بين 7 أعوام و13 عاماً.

"هناك طفرةٌ في الطلب على المبرجين والمطوّرين على مستوى العالم،" حسبما يقول محمد سلطان، الشريك المؤسس لـ"رماز"، في حديثه مع "ومضة"، مضيفاً أنّ "سوريا لديها إمكانية نموّ هائلة مع انتهاء الأزمة، وبالتالي فإنّ تزويد الشباب بالمهارات الصحيحة سيساعد على دمجهم في سوق العمل".

"رماز" التي انطلقت في نيسان/أبريل 2015، تقدّم دروس برمجة باللغة العربية حول أساسيات تطوير الويب التي تشمل لغتي البرمجة "إتش تي إم إل" HTML و"سي إس إس" CSS، وتترجم تقريباً كلّ مصطلحٍ من مصطلحات الترميز من الإنجليزية إلى العربية، خلال شرح كيفية كتابة التعليمات وعناصر الترميز الأخرى (على الرغم من أنّ عملية الترميز تبقى باللغة الإنجليزية). وحتى الآن، لديهم 5300 مستخدم نشط.

فريق "بت كود" أثناء العمل على الإلكترونيات. (الصورة من "بت كود")

بدوره يقول مؤسس "بت كود"، طارق شيخ الشباب، إنّ التعليم في سوريا لا يزال قديماً مقارنةً مع المناهج الحديثة التي تعتمد على مهارات التفكير التحليلي والنقدي. وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ المنهاج السوري ضعيف في اللغة الإنجليزية، ما يعني أنّه لا يمكن تقديم هذا النوع من الدورات إلّا باللغة العربية".

جدول زمني للشركات الناشئة

سلطان وشيخ الشباب ولين درويش الذين أسّسوا "رماز" في مطلع عام 2014، قبل إطلاق المنتَج، التقوا في عام 2011 كمدرّسين متطوّعين مع المنظمة غير الحكومية السورية "ويكيلوجيا" Wikilogia التي أسّستها "الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية" Syrian Computing Society بهدف توفير التعليم مفتوح المصدر في البلاد. وفي حين درّس شيخ الشباب علم الروبوتات والأجهزة، درّست درويش كيفية كتابة الموز البرمجية.

وعن هذه التجربة، تقول هذه الأخيرة: "كنّا مضغوطين على لوائح الانتظار الخاصّة بكلّ الدروس في ’ويكيلوجيا‘، فالصفوف في ذلك الوقت كانت تستوعب من 20 إلى 25 طالباً فقط والتدريس لن يكن تفاعلياً كفاية".

وبالتالي، نشأت "رماز" في إطار محاولة أتمتة عملية التعليم أكثر والوصول إلى جمهورٍ أوسع، بحيث استلهم الفريق الفكرة من برامج ترميز في الولايات المتحدة تعمل على دمج التعليم التفاعلي في تعليم الترميز، مثل "كود أكاديمي" Codeacademy.

في عام 2014 تمّ قبول "رماز" في "حاضنة تقانة المعلومات والاتصالات" ICT، وقد "كان هناك الكثير ممّا يجب القيام به بعد قبولنا،" بحسب درويش التي تشرح أنّه "كنّا نركّز أكثر على اختبار السوق وبناء نموذج العمل الخاصّ بنا".

اشتملت هذه العملية على دراسةٍ مطوّلة لـ2500 مشارك، مع ألف مشارك من قسم الهندسة من "جامعة دمشق". و"بعدما قال أكثر من 75% من المشاركين إنّهم يفضّلون تعلم الترميز باللغة العربية أكثر من اللغة الإنجليزية، عرفنا أنّنا كنا على حقٍّ مع فكرتنا،" على حدّ قول سلطان.

تترجم "رماز" كلّ المصطلحات إلى اللغة العربية باعتبارها وسيلة لشرح الترميز للمستخدمين. (الصورة من "رماز")

وأخيراً، جاء وقت الاستفادة من الساعات الطويلة التي قضوها في ترجمة دروس الترميز عبر الإنترنت إلى العربية عندما كانوا معلمين متطوّعين في "ويكيلوجيا".

ففي "ويكيلوجيا"، تقول درويش إنّه "يمكن لكلّ المتطوّعين إيجاد دروس الترميز على الإنترنت ومن ثمّ ترجمتها إلى العربية باستخدام ’أمارا‘Amara، لذا كان من المفيد حقاً أن تكون لدينا المصطلحات جاهزة في أيدينا".

"رماز" و"بت كود" ليستا الوحيدتَين اللتين أدركتا الطلب على اللغة العربية في التكنولوجيا، إذ يوجد شركاتٌ ناشئةٌ أخرى، مثل "دارتي" Daraty و"لوجي" Loujee و"عتاديات" Atadiat، والتي تُعنى بالأجهزة وتوفّر للمستخدِمين خدماتٍ أو محتوى باللغة العربية. كما أنّ "ويكيلوجيا" ساهمت في تمهيد الطريق لهكذا نوع من الترجمات من خلال مجموعتها على "فايسبوك" التي تسمح للطلّاب بمساعدة بعضهم البعض في العثور على المصطلحات الفنية الصحيحة من العربية إلى الإنجليزية.

ولادة "بت كود"

في عام 2014 ترك شيخ الشباب "رماز" وأسس "بت كود" بمساعدة مطوّر برامج يعمل لحسابه الخاصّ.

ثمّ فاز كلّ من "رماز" و"بت كود" في مسار الشركات الناشئة ضمن "مسابقة جسور لريادة الأعمال" هذا العام، وحصل كلٌّ منهما على 15 ألف دولار كجائزة تكفي للمساعدة في تغطية تكاليف التشغيل.

كان شيخ الشباب يريد الحصول على أفضل تدريب ممكن لشركته الناشئة واضعاً نصب عينيه مسرّعة النموّ الأردنية "أويسيس500" Oasis500، إذ كانت "’جسور‘ تقدّم فرصة الانضمام إلى معسكر ’أويسيس500‘ التدريبي في عام 2015 من خلال ماراثون الأفكار الخاصّ بهم، وكنتُ مصمّماً عن الحصول على هذه الفرصة".

في نهاية المطاف، أثمرَت جهوده وانضمّ إلى جانب تسع شركات ناشئة سورية أخرى إلى معسكر "أويسيس500" التدريبي لمدّة 20 يوماً في "منطقة بيروت الرقمية" BDD.

لين درويش في مسابقة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP.
(الصورة من لين درويش)

تحدّي الدفع عبر الإنترنت

بعد عامٍ على انطلاقها، توقّفت "بت كود" بشكلٍ مفاجئ. لقد تمّ حجب منصّتها بشكلٍ كاملٍ تماماً لدى محاولة شيخ الشباب شراء سلعةٍ من الخارج باستخدام المخدم المحلّي الخاصّ به، وهو أمر ممنوعٌ كلياً على السوريين داخل سوريا. ويذكر هذا الشاب أنّ "عملية الشراء عُرف أنّها ستكون من داخل سوريا، وبالتالي فإنّ المخدم الذي بنيتُ عليه ’بت كود‘ تعطّل تماماً".

"أغلقت المنصّة الأساسية بالكامل وتمّ تعطيلها لثلاثة أشهر،" بحسب شيخ الشباب الذي يتابع: "لم ننشط لثلاثة أشهر، وكان هذا الفراغ صعباً للغاية".

أمّا الآن، فقد اشترى الآن عنوان بروتوكول إنترنت IP جديد لموقعه على الإنترنت على أمل جذب المستخدمين من جديد.

 من ناحيةٍ أخرى، فإنّ استخدام بطاقات الائتمان محدودٌ للغاية في سوريا ناهيك عن منعه في بعض الأحيان.

وبالتالي يفكّر مؤسّسو "رماز" الحاليون بطريقةٍ ما للتمكّن من قبول المدفوعات عبر الإنترنت إلى حسابٍ مصرفيّ سوريّ، علماً أنّهم و"بت كود" لم يحقّقوا أيّ دخلٍ مادّيٍّ بعد.

ووفقاً لسلطان، فإنّ "رماز" تخطّط "لتقديم دورات متميّزة في ’جافا سكريبت‘ وغيرها من اللغات، وذلك مقابل دفع مبلغٍ من المال مقابل هذه الميزات".

كما تخطّط هذه الشركة الناشئة لقبول المدفوعات الإلكترونية من المستخدِمين خارج سوريا من خلال عقد شراكاتٍ مع شركاتٍ وسيطة تمتلك حساباتٍ مصرفيةً في الخارج. أمّا بالنسبة للمستخدِمين السوريين، فيمكن لدرويش وسلطان الحصول على المال نقداً في مكتبهم في "حاضنة تقانة المعلومات والاتصالات".

"علينا أن نسعى جاهدين لحلّ هذه المسألة... يمكن أن نسجّل الشركة في بيروت أو دبي... فنحن نسعى للأفضل،" يقول سلطان.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة