شركات التكنولوجيا المالية في مصر تستعدّ للإقلاع

اقرأ بهذه اللغة

في بلادٍ لا يمتلك حساباتٍ مصرفية إلا 14% فقط من السكان، تحاول شركات التكنولوجيا المالية التي تسعى إلى تلبية حاجات المصريين دخول مجالٍ لا يزال يميل لمصلحة المصارف.

أكبر تحدٍّ تواجهه الشركات الناجحة التي تطمح إلى الابتكار المالي، يكمن في صعوبة القوانين والأميّة المالية وغياب الثقة بالمزوّدين والنقص في البنى التحتيّة الأساسية مثل انتشار فروع للمصارف.

ووفقاً لأحدث إحصاءات "البنك الدولي"، فإنّ 94% من سكّان مصر الـ92 مليوناً يعتمدون على التبادلات النقدية، و6 إلى 8 ملايين مصري فقط يمتلكون حسابات مصرفيّة.

كذلك، يشير تقرير مشروع الإدماج المالي والرقمي التابع من مؤسسة "بروكينجز" Brookings Financial and Digital Inclusion Project، لعام 2016، أنّه "من جهة تزويد الخدمات المالية، وبحسب تقرير ’مسح إمكانية الحصول على الخدمات المالية‘ لعام 2015 من ’صندوق النقد الدولي‘ IMF، هناك حوالي 5 فروع لمصارف تجاريّة لكلّ 100 ألف راشد مصري، وحوالي 13 جهاز صرف آليّ لكلّ 100 ألف مصري ابتداءً من عام 2014."

في المقابل، فيما يعِدُ القطاع بالتقدّم وتعمل الشركات الناشئة على طرقٍ لتخطّي القوانين المصرفيّة الصارمة، يوجد لديها بداعمٍ واحد على الأقلّ هو حاضنة أعمال متخصّصة بمبادرات التكنولوجيا المالية التي تحمل اسم "مسرّعة الأعمال 1864" 1864 Accelerator والتي أطلقتها "فلات6لابز" Flat6labs في أيّار/مايو.

في هذا الإطار، تركّز الشركات الناشئة على إيجاد حلول قانونية مصرفيّة، مثل الشركة الناشئة في مجال المدفوعات "دي سي بي ايجبت" DCB Egypt التي تعمل مع شركات الاتصالات؛ ويتعاون مقرِضٌ جديد مع مصرف ما للاستفادة من رخصته المصرفية.  كما تشمل الحلول أيضاً افتتاح مقرٍّ رئيسي في خارج البلاد، إذ أنّ القطاعات المالية مثل جمع التمويل لا تزال غامضة قانونيّاً.

إعطاء حسابات مصرفيّة لغير المتعاملين مع المصارف

يشكّل المصريون الذين لا حسابات مصرفية لديهم مشكلة وفرصة في الوقت عينه بالنسبة لروّاد الأعمال. فمن جهة، يصعّب هؤلاء التجارة الإلكترونية فيضطر البائعون للتعامل مع المشاكل التي ترافق الدفع عند التسليم؛ ومن جهة أخرى، يوجد ذلك فرصاً لشركات ناشئة من "دوباي" Dopay لتأمين الحلول المناسبة.   

في تقرير "رود تو إنكلوجين 2014" Road to Inclusion (الطريق إلى الإدماج المالي) من "ماستر كارد" MasterCard، ذكر 16% من المصريين الذين شاركوا في الدراسة الإحصائية أنّ السبب الذي يمنعهم من الحصول على حساب مصرفي هو "عدم وجود أموال كافية"، في حين أشار 24% منهم إلى أنّه لا جدوى من الحصول على حساب مصرفي لأنّ كلّ تبادلاتهم المالية هي نقديّة. كذلك ذكر البعض أنّ رسوم الطلب المرتفعة وطوابير الانتظار الطويلة هي السبب في عدم إنشاء حساب مصرفي.

يفهم المصريون يفهمون أهميّة الحساب المصرفي، غير أنّهم لا يثقون بالنظام أو بآليات الأمان التي يتّبعها. وترتبط مشاكل الثقة بالأمية المالية أو فهم المفاهيم المالية الأساسيّة مثل التخطيط المالي والفائدة المركبة وطرق التوفير المربحة. 

في هذا الصدد، كشفت 10 مقابلات مع أشخاص من بيئات اقتصادية واجتماعية مختلفة إلى جانب مصرف كبير في القاهرة، أنّ أغلبهم يفتقر إلى المعرفة المعمّقة بأسس التمويل الشخصي.

يشرح 6 منهم أنّ سبب حصولهم على حسابات مصرفية يعود إلى أنّ رواتبهم تُرسَل تلقائيّاً إليها وأنّهم يستخدمون جهاز الصراف الآلي فقط. يخافون من فكرة طلب قرض ويقولون إنّ ذلك سيجعلهم مدينين ولا يثقون بالمصرف ليعرفوا ما إذا كان صادقاً أم لا.

يقول صاحب متجر يبلغ 62 عاماً: "لقد كمتُ أجري  الحسابات الخاصة بمتجري لسنوات وأنا لا أعرف حتّى الكتابة والقراءة لكنني أعلم ما أقوم به. لن أترك أموالي مع غرباء في المصرف، بل أتركها حيث يمكنني رؤيتها."

في حين يرحّب بعض المصريين بالتكنولوجيا المالية ويظهر ذلك من فورة استخدم بطاقات الائتمان عند طلب السيارات في بعض المناطق، لا يزال بعضهم يخاف على سلامة مدخّراتهم (الصورة من "ستارتب بوتكامب"). 

من "تحت البلاطة" إلى السحابة

"مدكّنها تحت البلاطة" هو تعبير مصري شهير يعود إلى الوقت الذي كان فيه المصريون يخفون مدخّراتهم النقدية تحت أرضية منازلهم.

أمّا المصريون الذين يمتلكون حسابات مصرفيّة، فتتراوح الفوائد بين 1% و3.85% لمبالغ تصل إلى 500 ألف جنيه مصري (56 ألف دولار) في حساب توفير في مصرف " إتش إس بي سي" HSBC مثلاً، وذلك في حين أنّ التضخّم المالي لامس نسبة 14.8 % في تموز/يوليو.

وبالتالي، رغمّ أنّ "التدكين تحت البلاطة" قد نجح لقرون عدّة، من الواضح أنّ المصريين يحتاجون إلى إيجاد بدائل أفضل لحفظ الأموال.

في عام 2015 وصلت نسبة انتشار الإنترنت على الأجهزة المحمولة في مصر إلى 113%، وعليه يمكن بسهولة ربط المدخّرات الشخصيّة بالتكنولوجيا، على حدّ تعبير مؤسس "فلوسي" Feloosy، كريم البلتاجي الذي يضيف أنّ "المصريين الملمين بالتكنولوجيا هم الأصغر سنّاً ولم يكتشفوا بعد مفهوم ’ادّخار الأموال للأيام الصعبة‘، لكنّهم في المقابل يجمعون الأموال لشراء لعبة إلكترونية جديدة أو سيارة جديدة".

لهذا، تسمح "فلوسي" للمستخدمين بتحديد المبلغ الذي يسعون لجمعه ومن ثمّ تربط حسابهم المصرفي بمنتَجٍ مالي، مثل صندوق تداول exchange traded fund (وهو صندوق يتابع عائدات مجموعة كبيرة من الأسهم في البورصة)، ومن ثمّ يُسحب مبلغٌ محدّد من الحساب كلّ شهر ويتمّ وضعه في منتج الاستثمار حتّى يتمّ تحقيق الهدف المالي.

الاستفادة من الآخرين    

هذه الهندسة المالية تفرض على "فلوسي" و"دوباي" وأيّ شركة ناشئة أخرى تقترح اخذ أموال شخص وإرسالها إلى مكان آخر، أن تكون كياناً لتلقّى الودائع أو ما يعرف أيضاً ـ’خدمة تجميع‘، وهذا يتطلّب رخصة مصرفية.

ولأنّ البنك المركزي المصري لم يصدر رخصة مصرفيّة منذ عام 1979، فإنّ أيّ شركة تريد تقديم منتَجٍ مالي عليها أن تجد شريكاً لها، وسواء كانت شركة اتصالاتٍ هائلة تريد إنشاء محفظة رقمية أو شركة ناشئة صغيرة تقدّم طريقة جديدة للتداولات المصرفية عبر الإنترنت، على الجميع أن يتعاون مع مصرف.

الطريقة الوحيدة للدخول إلى هذا المجال وفقاً للبلتاجي هي تعاون الشركات الناشئة في التكنولوجيا المالية مع المصارف، كما فعلت "دوباي" مع "باركليز" Barclays، وكما فعل نظام مدفوعات الهاتف "بايمي" Payme  مع "البنك الأهلي المصري" National Bank of Egypt. "فبالرغم من أنّ التعاون مع مصرف كبير يزيد من العمل، إلّا أنّه يبدو وكأنّه يسوّي كلّ أشكال الخلل."

يضيف المؤسّس أنّ مشهد التكنولوجيا المالية مزدهر في مصر وأنّ المشكلة الوحيدة تكمن في قوانين "البنك المركزي المصري" التي لا تناسب الابتكار المالي، مشيراص إلى أنّهم "ليسوا أشراراً لكنّ المعلومات المصرفية والوصول إلى المصارف موضوعٌ محرّمٌ هنا ومن الصعب شرح أنّ التكنولوجيا المالية هي فعلاً الحلّ للإدماج المالي والأميّة المالية والتداولات المصرفية غير الرسمية."

رقمنة عقليّة المجتمع المصري

عندما يتعلّق الأمر بالادّخار والإقراض، تطالب المصارف بكلّ أنواع المستندات من ورقة عمل إلى إقامة ومعالين حتّى ضمانات مقابل ما يقدّمه القرض.

مع نسبة بطالة تساوي 12.7% واقتصاد غير رسمي يتراوح بين 40 و70% من كامل الاقتصاد (بحسب المصدر الذي تقرأه)، يظهر أنّ عدداً كبيراً من المصريين غير مؤهّلين للحصول على قروض تبعاً للمعايير المصرفيّة الطبيعية.

ولكن لديهم أصدقاء وأفراد عائلة، كما يمكن الدخول إلى الجمعيات المصرية التقليدية التي تقوم على مجموعة من الأشخاص الذين يدفعون مبلغاً محدداً في الشهر وفي كلّ شهر يتلقّى أحدهم المبلغ؛ إنّها مزيجٌ من الادخار والإقراض من دون فائدة أو رسوم للدفع المتأخر.

إذاً تكمن الخطوة التالية في رقمنة هذه الجمعية، وهذا ما تفعله الشركة الناشئة "موني فيلوز" Money Fellows مع تطبيقها لجمع الأموال من مصادر مختلفة.

"الفكرة بسيطة نسبياّ وكلّ مصري قد اختبر هذا النوع من الإقراض/الادخار في وقت معيّن في حياته"، كما يشرح أحمد وادي، الرئيس التنفيذي لـ"موني فيلوز"، معرباً عن تفاؤله حيال القوانين وبيئة التكنولوجيا المالية بشكل عام.

"لم نخصّص أيّ مال للتسويق وها نحن لدينا ألف مستخدم مشارك؛ تكشف هذه الفكرة عن نجاح طبيعي ومن دون أي مساعدة لأنّك تجمع الأموال مع أشخاص تعرفهم، وهذا أفضل حافز للثقة يمكن لأحد أن يطلبه."

أمّا فيما يتعلّق بالبنك المركزي المصري، فيرى أنّ "السلطات سوف تغيّر رأيها عندما ترى مدى ثقة المجتمع بالتكنولوجيا المالية."

في الوقت الحالي، لا يتخوّف روّاد الأعمال من عدم الاستقرار والتضخم أو إيجاد الحلول والقيام بأعمال تحضيرية أكبر، وهم في انتظار أن تخضع القوانين القديم لثورة التكنولوجيا المالية.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة