كيف تضفي الطابع المهني على شركتك الناشئة من دون أن تخنقها؟

اقرأ بهذه اللغة

سبق ونُشرت هذه المقالة على مجلة "هارفارد بزنس ريفيو"Harvard Business Review، وهذه نسخة محرّرة منها.

الشركات المتمرّدة مليئة بقصص التأسيس التي ينطوي معظمها على البطولات.

وأكثر ما يُذكَر في هذه القصص هو الوقت الذي كان فيه الفريق الأساسيّ الذي يضمّ روّاد أعمال طموحين يقوم بالمستحيل للوفاء بالمهمّة التي تأسّست من أجلها الشركة، كما تحتفل باللحظات التي كانوا يحتاجون فيها إلى مساعدة الجميع عندما أغلق مصنعٌ أو ضاع طلبٌ أساسيّ في شحنةٍ من الشحنات.

يتمّ تذكّر هذا الوقت على أنّه "زمن الأبطال" - فترة الطاقة والنموّ التي لا تُصدّق، حيث كانت المسمّيات الوظيفية أقلّ أهمّيةً من الشخص الذي يمتلك الفكرة الأفضل.

ولكنّ هذا أيضاً غير قابلٍ للاستمرار، فبعد نموّ الشركات حجماً ونطاقاً، لا بدّ يكتشف الفريق أنّ النجاح المستقبليّ يتطلّب مهاراتٍ وقدراتٍ لا يمتلكها "الأبطال"، وهنا تبدأ المتاعب في كثيرٍ من الأحيان.

يُظهِر بحثنا حول كيف يمكن للشركات أن تحافظ على النموّ المربح أثناء التوسّع، أنّ كلّ شركةٍ ناميةٍ تواجه عدداً من العوامل المشتركة التي يمكن أن تُبعدها عن مسارها.

عندما يكون النموّ خطراً

مِن حالات النموّ الأقوى هي عندما تنمو عائدات الشركة أسرع من أصحاب المهارات فيها. عندما تحدّثنا مع الشركات التي يديرها مؤسّسوها، تذمّر القليل منهم بشأن وجود مشاكل في النموّ، في حين قال الكثير منهم إنّ لديهم مشاكل في النموّ المستدام، أي أنّه لا يمكنهم الحفاظ على نموّ وتوسّع الشركة بوتيرةٍ تواكب نموّ الإيرادات.

الاعتماد على الأعمال البطولية يصبح في نهاية المطاف فوضوياً جدّاً وغير مجدٍ لتوقّع الأمور، حتّى أنّ أفضل الأشخاص يُستَنفدون، ما يترك الشركة عرضةً للأخطاء والفرص الضائعة.

بعدما تدرك القيادة أنّها تحتاج إلى أنظمةٍ مهنيةٍ ومديرين محترفين لإدارة الشركة، يظهر تحدٍّ كبيرٌ هنا: كيف يمكن إضفاء الطابع المهنيّ على الشركة من دون تعقيداتٍ وبيروقراطيةٍ يمكن أن تخنق مهمّة التمرّد الأساسية التي غذّت نموّ الشركة في مراحلها الأولى؟

من خلال تجربتنا، يتّضح أنّ فرق القيادة غالباً ما تبالغ في إضافة المواهب الجديدة وإضفاء الطابع المهنيّ على المنظّمة. ففي سعيهم للتخفيف من الاعتماد على الأعمال البطولية، غالباً ما يستهلّ القادة الأمر بالاعتماد على أنظمةٍ غير مناسبة. وبالتالي فإنّ الكثير من الموظّفين قد يخسرون الزخم بسبب الخيارات التي يتّخذونها في هذه المرحلة الحاسمة من التحوّل.

لقد لاحظنا أنّ فرق القيادة ترتكب عدداً من الأخطاء الشائعة:

  • يحاولون تأطير عبقريّتهم. في كثيرٍ من الأحيان يقرّر الفريق المؤسّس أنّ أفضل طريقةٍ لتحديد المعادلة الفريدة للشركة هو تدوينها، ومن ثمّ يحاولون استخدام كلّ ما لديهم من حدسٍ وفطرة وتأطيره ضمن قواعد تحدّد عملية صنع القرار والبديهيات والإجراءات التي يمكن للآخرين محاكاتها للحفاظ على نجاح الشركة السابق.

    المشكلة هنا هي في أنّ الأدلّة الإجرائية تشجّع الشركة على تبسيط الأمور، ما يجذب نوعاً معيّناً من المديرين العاديين. وكلّما كانت الصفوف مليئةً بالناس الذين يفضّلون الإدارة بواسطة كتيّبات إرشادية، من الأفضل اتّخاذ المزيد من الإجراءات.
     
  • يبدأون بالتوظيف مثل الشركات الكبرى القائمة. بعد وضع الأنظمة واستقرار الشركة، يبدأ الكثير من الشركات في عكس هذا من خلال التوظيف. وبطريقةٍ أو بأخرى، يصبح من الجيّد أن تكون الشركة كبيرةً وبيروقراطية وتعتمد على الأنظمة المعقّدة للعمل. وفي المضمون، تقول الشركة: "تعال واعمل معنا، فنحن ناجحون، وآمنون بالفعل".

    ومع اكتشاف أنّ التجربة في الشركة الكبيرة مناسبةٌ لحلّ مشاكل الشركة الكبيرة، يسعى الفريق إلى توظيف أشخاصٍ سبق أن ترأسوا أقساماً رئيسيةً في شركاتٍ كبرى قائمة، على افتراض أنّهم سيحملون العراقة المهنيّة معهم. ولكن في كثيرٍ من الأحيان، لا يأتي هؤلاء إلّا بعقلية الشركات الكبرى القائمة، وذلك لأنّهم كانوا مديري أنظمةٍ كبيرة ولكنّهم في الواقع لم يشاركوا في بناء هذه الأنظمة. مثلاً، في حين تحتاج إلى شخصٍ يمكنه بناء سلسلة التوريد من الصفر، توظّف شخصاً يتوقّع وجود 45 موظّفاً لإدارة سلسلة توريد قائمة وجاهزة.

    اتّباع مقولة التمرّد هذه لم تعد صالحة للاستعمال: "سيكون الأمر عبارة عن رحلةٍ في البرّية، ويمكن أن تكون فوضوية، ولكن سوف تكون قادراً على ترك بصمتك". وذلك لأنّه يجذب النوع الحذر والمتقيّد بشكلٍ مفرطٍ بالقوانين من المديرين، والذي ينتشر بكثرةٍ في بيروقراطية الشركات الكبرى القائمة. كما أنّه ينفّر المواهب من الطراز الأوّل لديك - أي أولئك المغامرون الذين يعملون على الهامش والذين يزدرون الإجراءات والتراخي.
     
  • يريدون توليف كلّ شيء. في زمن الأبطال، تكون كلّ حزمة مستحقّات جاهزة ولمرّةٍ واحدة، وكثيراً ما يُتّفق عليها في الردهة دون إيلاء الكثير من الاهتمام لمناقشة الأمر سابقاً ومدى اتّساقه. أمّا الآن، فقد بات لدى الشركة 50 قائداً و50 حزمة مستحقّات مختلفة. يقرّر المؤسّسون التوليف والعمل على وضع إجراءاتٍ واضحةٍ ومستويات عمل واضحة وتخصيص حزمةٍ لكلّ مستوى. بعد ذلك يواجه القادة الـ50 الكثير من الصعوبات، لأنّ الأنظمة الجديدة تحصرهم في حزم اعتيادية لمستوى عملهم.

    لا تنطبق المسألة على مستحقّات المسؤولين التنفيذيين وحسب، بل إنّ الظاهرة نفسها تحدث في عقود التوريد، والتسعير للعملاء، ومستويات الخدمة وأكثر من ذلك. وبالتالي مع تنامي الشكاوى وبدء أصحاب المواهب بترك الشركة، يُطرَح السؤال التالي: هل يمكن حقّاً إيجاد حلٍّ للمشاكل الفردية مع حزم المستحقّات التي وضعتها لجان؟
هل تخنق طيور الجنة في شركتك الناشئة؟ (الصورة من "هارفارد بزنس ريفيو")

هذه الأخطاء لا تستنزف إحساس التمرّد لدى الشركة بين ليلةٍ وضحاها، فكما هي حال معظم التحوّلات الثقافية يحصل الوصول إلى الأنظمة الفاسدة تدريجياً وبشكلٍ دقيق.

كاختبارٍ لمؤسّسي الشركات، نطرح عليهم في العادة السؤال التالي: "اليوم، هل ستنضمّ إلى الشركة التي أنشأتها؟" فترة الصمت التي كثيراً ما تلي هذا السؤال تخبرنا بالجواب. فبعد منحهم فرصة للتفكير في ما ألهمهم لبناء الشركة في المقام الأول، يعترف الكثيرون بأنّ المهمة الأصلية قد دُفنَت تحت طبقاتٍ من الأنظمة والمسؤولين عن الأنظمة.

باسم الاحترافية، يتمّ إرهاق الشركة والتخفيف من حدّتها التي شكّلت دائماً مصدر قوّةٍ لها.

عُد إلى المستقبل

من الطرق المتّبعة لاستعادة مهمّة المتمرّدين في الشركة - وحتّى، أو، في الشركات الكبرى القائمة - هي في التخلّص من بعض الأنظمة المختلّة وتسخير إضفاء الطابع المهنيّ من أجل استراتيجية الشركة الأساسية.

لذا، تتّبع فرق القيادة الأكثر فعالية بعض المبادئ الهامة:

  • ترجِم الاستراتيجية إلى برنامجٍ لإضفاء الطابع المهنيّ. إذا لم يعد يمكن السيطرة على عملية إضفاء الطابع المهنيّ على الشركة من قبل أي أحد، فهي في النهاية ستكون معرقلاً لهذه الشركة.

    أفضل دفاعٍ في هذا الشأن، هو التأكّد من أن كلّ قرارٍ يُخصّص لبناء أنظمةٍ وتوظيف مهنيين، يرتبط بالاستراتيجية الأساسية للشركة، ويعزّز قدرة المنظّمة على تحقيق ذلك. وهذا يعني تحديد مبادرات الشركة الأكثر قيمةً ومواءمتها على وجه التحديد مع التجربة التي تناسب المهمة الأساسية للشركة - ماذا ينبغي على كلّ شخصٍ القيام به، وبالتالي، ما هي التجربة الحقيقية التي تبحث عنها؟ مِن دون هكذا برنامجٍ صارم، فإنّ الجهود المبذولة لإضفاء الطابع المهنيّ على الشركة ستفشل.
     
  • اسمَح للأبطال بحرّية الحركة مرّة أخرى. حيثما كان ذلك ممكناً، حوِّل بعض تلك المهام الأساسية إلى تحدّياتٍ تساهم في تنمية الأبطال المحتملين، واسمَح لأفضل الأشخاص لديك بأن يثبتوا أنفسهم عرب الطلب منهم أن يتولّوا مهام أعلى بكثير من درجة رواتبهم أو مستوى خبراتهم. سينجح البعض، ويفشل البعض الآخر، ولكنّ التحدّي سيُلهم الجميع باسم مهمّة التمرّد.

    اعمَل بالأنظمة بشكلٍ انتقائي وتأكّد من وجود تدريب، فهذا بالطبع مهمٌّ لتوليف التسعير وتقنين درجات الأجور. ولكنّ القادة يحتاجون أيضاً إلى تشجيع التدخّل الحدسي، لأنّ الأنظمة موجودة لتُنتِج 80% من القرارات، وبالتالي ينبغي تشجيع الناس على كسر القواعد في القرارات الـ20% الأخرى إذا كان ذلك يساهم في الإبقاء على العملاء الرئيسيين أو الفوز بتوظيف شخصٍ رئيسيّ.

    القادة أيضاً هم مَن يدركون أنّهم بحاجةٍ إلى أن يكونوا مدرِّبين وأن ينقلوا عبقريّتهم من خلال الدريب المهنيّ وليس من خلال الكتيّبات الإرشادية.
     
  • وظّف "الضحية". إضافةً تلك القدرات المرتبطة بالمهمّة الأساسية، سيتطلّب الأمر توظيف خبراء مدرَّبين تدريباً جيداً من كبرى الشركات الحالية. ولكنّ هذا لا يعني الاكتفاء بالأشخاص الذين يحملون عقلية الشركات الكبرى وتولّي المناصب.

    هناك الكثير من "الضحايا" في المنظّمات الكبرى - أولئك الذين يسعون جاهدين للانضمام إلى المتمرّدين والتعامل مع قليلٍ من الفوضى بدلاً من الاستقرار المريح في البيروقراطية. الشركات التي توظّف مثل هؤلاء الأشخاص المتمرّدين وليس أصحاب المناصب، تجذب أولئك الذين يفضّلون الطبيعة المتغيّرة والمتقلّبة للتمرّد المستمر.

سيشكّل إضفاء الطابع المهنيّ دائماً تحدّياً للشركات النامية، وليس هناك من طريقةٍ أسرع لكبح زخم الشركة أكثر من القيام بذلك بشكلٍ سيء. ولكن في كلّ الأحوال، من الممكن تحقيق التوازن بين الأبطال والأنظمة.

استدامة النموّ يعني تحديد الأماكن التي تكون فيها الأنظمة الجديدة ضرورية، مع الإصرار على أولوية مهمّة التمرّد في الشركة. وهذا الجهد لإضفاء الطابع المهنيّ على الشركة، ينبغي أن يكون دائماً وسيلةً لتحقيق الغاية، وليس غايةً في حدّ ذاتها.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة