من المالية إلى تكنولوجيا الأغذية: هكذا تأسست هذه الشركة الناشئة لطلب الطهاة

اقرأ بهذه اللغة

بالنسبة إلى جيل الألفية، يتضاءل استقبال الضيوف في المنزل من أجل تقديم الطعام والمشروبات مقابل انتشار ثقافة الحصول على المنتَجات عند الطلب التي توفّر تجربةٍ ملائمةً ومريحة.

عندما أرادَت التخطيط لحفلة عشاءٍ من أجل عيد ميلاد زوجها في وقتٍ سابقٍ من هذا العام، لم تتردّد ديما العلمي (32 عاماً)، مستشارة التعليم المقيمة في دبي، في اللجوء إلى "شيف إكسشانج" Chefxchange للحصول على "تجربةٍ مختلفة لتناول الطعام اللذيذ".

وتقول لـ"ومضة" إنّه "في دبي، لديك الكثير من الخيارات، ولكن بعد فترةٍ ستشعر بالرتابة مهما كان المطعم شهيراً أو بارعاً".

أمّا عن "شيف إكسشانج"، الأولى من نوعها في الشرق الأوسط لربط عشاق الطعام الذين يريدون تجربةً مخصّصة بطهاةٍ خاصّين، فتشرح أنّها ما زالت تذكر "الطعام الذي أعدّه لنا الطاهي البيروفي في ذلك المساء، واختبار براعة الطهي شخصياً".

الاحتفال بالذكرى السنوية الأولى على إنشاء "شيف إكسشانج" في مطبخ "سيماتيك" (الصور من "شيف إكسشانج")

ما يدفع العلمي وغيرها إلى الاعتماد على هذه الشركة الناشئة لتكنولوجيا الطعام لتحضير شيءٍ مميّز، هو التجربة الغامرة التي توفّرها "شيف إكسشانج".

فبحسب الرئيس التنفيذي لهذه الشركة، كارل نعيم، اللبناني الفرنسي الذي يبلغ من العمر 32 عاماً، فإنّ "شيف إكسشانج" تريد "توفير عالم الطهي والطهاة للجميع، على غرار ما فعلته ’أوبر‘ Uber مع السائقين الخاصّين و’إر بي أن بي‘ Airbnb  مع المنازل الخاصّة".

نعيم الذي يعترف أنّه من عشاق الطعام وهواة الطهي، شارك في تأسيس الشركة إلى جانب الأميركي مارك واشنطن الذي يبلغ من العمر 35 عاماً، وذلك بعدما التقيا خلال دراسة ماجستير إدارة الأعمال في "كلية لندن للأعمال" London Business School في عام 2010، حيث اكتشفا شغفهما بالطعام.

الموهبة عندما تحتاجها

في حين قد يحظى كبار الطهاة وطهاة المشاهير بالشهرة والرضا المهنيّ، غير أنّ الكثير منهم (خصوصاً مساعدو كبار الطهاة) يتقاضون أجوراً قليلةً ولا يُطلبون كثيراً، وفقاً لنعيم.

الشيف أندريا (دبي) تقدّم وجبة تمبورا في عشاء خاص

وبالتالي، فهو يرى أنّ "شيف إكسشانج" تسمح للطهاة الموهوبين والواعدين إلى إطلاق العنان لمواهبهم المكبوتة وتخطّي الهرمية في الكثير من المطابخ. وبالنسبة إلى المستخدِمين، فهي تزوّدهم بتجربة الحصول على طاهٍ خاصّ بأسعار مقبولة، وهو أمرٌ لا يزال حتى اليوم محصوراً بأصحاب النفوذ ونخبة المجتمع.

هذه المنصّة التي انطلقت في شهر آذار/مارس من عام 2014 تنمو بسرعة، إذ وصل عدد الطهاة لديها إلى أكثر من 900 طاهٍ في 8 مدنٍ من مختلف أنحاء العالم (قام الفريق باختبار نحو 200 طاهٍ منهم)، وقدّمَت حتى اليوم أكثر من 3 آلاف و500 تجربة طهوٍ خاصّة.

من خلال بعض النقرات، يستطيع المستخدمون أن يبحثوا عن الطاهي المفضّل (هاوٍ، أو مبتدئ، أو محترف، أو حتّى حائز على نجمة "ميشلان" Michelin)، والمطبخ، والمكان، والتاريخ؛ كما يمكنهم التواصل مع الطهاة، وحجز التجربة التي يريدونها والدفع عبر الإنترنت. بعد ذلك، يهتمّ الطهاة بكلّ شيء، من شراء المكوّنات إلى جلب الأواني ومن ثمّ الطبخ، وحتّى التنظيف في بعض الأحيان.

من جهتها، تحقّق المنصّة إيراداتها من خلال عمولةٍ تفرضها على كلّ عملية حجز، حيث تحصل على 15% من الطاهي و3% من العميل.

كلّما قبل الطاهي المزيد من الحجوزات وكلّما حصل على تقييماتٍ إيجابية أكثر، يتمّ ترقية مكانه في ترتيب البحث. وبحسب نعيم، "نسعى أيضاً لإنشاء ما يشبه برنامج الولاء، ما سيخفّف العمولة المفروضة على الطهاة ويحفّزهم أكثر للعمل مع عشاق الطعام عبر المنصّة".

الشغف بالطعام

كيف تمكّن هذان الشابان اللذان يمتلكان خبرةً في العمل مع مالية الشركات الكبرى من الغوص في مياه تكنولوجيا الغذاء؟

سعى نعيم - وهو مستثمر نشط - إلى الاستثمار في مفهومٍ مشابهٍ في الولايات المتّحدة يُدعى "كيتشن سيرفينج" Kitchensurfing، فانتقل إلى جنبيف للعمل مع "يو بي إس" لإدارة الثروات UBS Wealth Management، فيما ذهب واشنطن إلى واشنطن العاصمة؛ وبالتالي تأخّرت الفكرة ولم يعملا عليها قبل أواخر العام 2013.

الشريكان المؤسسان لـ"شيف إكسشانج"، من اليسار مارك واشنطن، وكارل نعيم

بعد ذلك راح واشنطن يعمل بدوامٍ كاملٍ على الفكرة، فيما كان نعيم مستمرّاً في العمل بدوامٍ كاملٍ في النهار بالإضافة إلى عمله على الشركة الناشئة، ممضياً أكثر من 18 ساعةً من العمل يومياً.

خلال مرحلة الحدّ من النفقات والاستفادة القصوى من الموارد، تبادل الثنائيّ الأفكار ليحدّدا ما الذي سيفعلانه، ثمّ راحا يلجآن إلى الزملاء الخرّيجين من "كلية لندن للأعمال" عندما يعترضهما أيّ عائق.

في هذا الشأن، يذكر نعيم أنّ "خطّة العمل ودراسة الجدوى من الأمور السهلة، وكون شهادات الماجستير التي حصلنا عليها تصبّ في عالم المال كنّا مرتاحين من ناحية إدارة الأعمال. في المقابل، كنّا نعمل على تأسيس عملٍ يعتمد كثيراً على التكنولوجيا والتسويق، وهما مهارتان أساسيتان نفتقر إليهما".

لذا تمّ الاستعانة بفريقٍ من أوكرانيا لتطوير الموقع الإلكترونيّ، فيما كان على نعيم وواشنطن أن يتولّيا مسؤولية واجهة المستخدِم UI وتجربة الاستخدام UX فصمّماها بنفسيهما لاستخدام أدواتٍ مجانية مثل "بالساميك" Balsamiq. "لم نكن خائفين من إطلاق منتَجنا والبدء بالحصول على الآراء حياله في أقرب وقتٍ ممكن، ومن الدروس التي تعلّمناها هو ألّا ندع ’الممتاز‘ يقف في طريق ’الجيد بما فيه الكفاية‘".

بعد ذلك، انطلقت "شيف إكسشانج" في تشرين الثاني/نوفمبر 2014، في كلٍّ من دبي ولندن وواشنطن العاصمة في الوقت نفسه.

والآن، يأتي 50% من الطلبات من دبي، و30% من بيروت، فيما ينقسم الباقي بالتساوي بين لندن وواشنطن.

نعيم الذي يشرف على فريقٍ من 10 أشخاصٍ يتواجد معظم أفراده في بيروت، يعمل في الشركة كرئيسٍ تنفيذي ومديرٍ لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، في حين يعمل واشنطن كمديرٍ ماليّ ومديرٍ للأميركيتين؛ ويسعيان حالياً لتوظيف مديرٍ تقنيّ.

من أجل المزيد من التقدّم في مجال تكنولوجيا الأغذية، شارك الثنائيّ في الدفعة الأولى من مسرّعة الأعمال "ديجيت أول" Digeatall في عام 2014 والتي أقيمت في "مركز الباسك للطبخ"Basque Culinary Center في سان سيباستيان في إسبانيا.

وبالتالي، فإنّ هذه الشركة الناشئة التي كانت الفكرة الوحيدة القادمة من الشرق الأوسط، اختيرَت من بين 10 شركات ناشئة لتكنولوجيا الغذاء، ثمّ فازَت بالمركز الثاني بعد الحصول على علاماتٍ عليا من لجنة التحكيم الاستثمارية التي ضمّت مستثمرين أفراد ومستثمرين مخاطرين وطهاة يحملون نجوم "ميشلان" بالإضافة إلى مديرين مهمّين في قطاع الغذاء.

استمرّت الشركة في حصد الجوائز، وكان آخرها المركز الأوّل في يوم العروض للشركات الناشئة في مراحلها الأولى الذي أقيم في "عرب نت" Arabnet بيروت 2016. وبحسب نعيم، "فإنّنا ننمو بمعدّل 20% على أساس شهريّ وسنبدأ بتحقيق الأرباح في منتصف عام 2017".

في طليعة تكنولوجيا الغذاء

بعد شهرٍ على إطلاقها، حصلت "شيف إكسشانج" على استثمارٍ تأسيسيّ بقيمة 500 ألف دولار من زملاء سابقين وغيرهم من المستثمرين المحترفين. وفي نهاية هذا العام، يريد الفريق أن يغلق جولة التمويل الأولى Series A على مليوني دولار.

بالإضافة إلى ذلك، تريد الشركة "السيطرة على سوق الشرق الأوسط ومجلس التعاون الخليجي"، بحسب نعيم. لذا من المقرّر أن يتمّ إطلاق الشركة في الكويت وقطر في وقتٍ لاحقٍ من هذا العام، وفي إسطنبول بحلول عام 2017.

كذلك تضمّ قائمة التوسّع في المستقبل إلى جانب التطبيق، دروس الطبخ، والفعاليات المخصّصة للشركات، ووجبات العشاء الفجائية.

عشاءٌ مفاجئ في مطعم "ليزا" في بيروت

"شيف إكسشانج" ليست الشركة الأولى من نوعها عالمياً في هذا المجال، إذ يوجد شركاتٌ أخرى بارزة مثل "كيتشن سيرفينج" Kitchensurfing التي أغلقت في عام 2016، و"لا بيل أسييت" La Belle Assiette الأوروبية، ولكن يمكن القول إنّها المنصّة العاملة بالكامل الأولى من نوعها في الشرق الأوسط. أمّا من المشاريع الأخرى المماثلة التي تريد استهداف المنطقة، فهناك "فودياك" Foodiac و"ميام ميام" Miummium اللتان انطلقتا في عام 2015.

أمّا قطاع تكنولوجيا الغذاء فقد راح يزدهر بين عامَي 2012 و2014، وصولاً إلى عام 2015 حيث انفجر مع تدفق رؤوس الأموال إلى الشركات الخاصّة العالمة في هذا المجال والتي وصلت إلى 6.8 مليارات دولار. ووفقاً لتقريرٍ صدر عن "فود + تك كونكت" Food + Tech Connec، فإنّ ما يزيد قليلاً على ملياري دولار من نشاطات التمويل قد حصلت في الولايات المتحدة، يليها في النشاط الاستثماري وعمليات الاستحواذ كلٌّ من الصين وألمانيا والهند وبريطانيا. وفي الأسواق الناشئة، تواصل آسيا التمتّع بالجزء الأكبر من النموّ في التمويل، جامعةً أمولاً في هذا المجال أكثر من أوروبا وأمريكا الشمالية مجتمعتين في عام 2015 الذي انتهى عاماً قياسياً. أمّا هذا العام، فبينما خفّت حدّة نشاط الصفقات نسبياً، لا يزال هذا القطاع مناسباً للاستثمار.

فيما لا يزال قطاع تكنولوجيا الغذاء حديث العهد في منطقة الشرق الأوسط، هل يدرك المستثمرون الإقليميون إمكانات تكنولوجيا الغذاء أم أنّ إقناعهم بها أمرٌ صعب؟

يجيب نعيم أنّه "افتراضياً، سوق الشرق الأوسط أصغر بكثير من سوق الولايات المتحدة أو سوق أوروبا، وبالتالي فإنّ صغر حجم السوق المحتملة يؤدّي إلى خفض التقييمات. القدرة على التوسّع هي غالباً ما يهمّ المستثمرين، ويمكننا القول إنّه من خلال حواراتنا معهم تبيّن أنّهم يحبّون الفكرة والقطاع".

وعليه، سيكون مستقبل قطاع تكنولوجيا الغذاء واعداً في المنطقة، على حدّ تعبير نعيم.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة