وسام صباغ: رؤية ناضجة لتحويل الفكرة إلى منتَج

اقرأ بهذه اللغة

"سكس و550 دولار".

بهذا العنوان أرسَل وسام صبّاغ ابن الـ18 عاماً الرسائل الإلكترونية إلى آلاف العملاء المحتملين، قائلاً فيها:" الآن حزتُ على اهتمامكم، لماذا لا توسّعون أعمالكم وتُنشئون موقعاً إلكترونياً مقابل 550 دولار أميركي؟"

هذه الجرأة التي يتمتّع بها صباغ هي التي ساعدَته على إنشاء شركته الأولى في لبنان، "دوت كوم" Dotcom، مسوقاً نفسه بالطريقة الفضلى التي يعرفها. لقد أمضى أسابيع في كتابة رسائل إلكترونية تروّج للشركة ومن ثمّ إرسالها إلى عناوين البريد التي وجدها على الصفحات الصفراء. وما إن مرّ عليه عشرات الليالي وهو على هذا النحو، حتّى كان قد جمع نحو 35 ألف عنوان بريد إلكتروني.

أوّل عميل له مقابل مالٍ كان مجموعةً من الراهبات تجاوبت مع رسالته الإلكترونية بعد ساعاتٍ من إرسالها، وذلك في سبيل التسويق لمكان إقامةٍ يدرنَه.

بعد ذلك، "قرّرتُ أنّني احتاج إلى أن أكون أكثر احترافيةً وبالتالي غيّرتُ عنوان الرسائل".

وسام صبّاغ. (الصور من وسام صباغ)

صبّاغ الذي أطلق شركته في عمر الـ18، كان قد حصل على وظيفته الأولى في سنّ الـ15. وعلّم هذا الشاب نفسه كيفية إنشاء المواقع الإلكترونية باستخدام برنامج "مايكروسوفت فرونت بايج" Microsoft Frontpage، وهي برمجية تسمح للمستخدِمين بكتابة رموز موقعهم الإلكتروني الأساسيّ وتصميمه وإنشائه، مدفوعاً بحبّه للتكنولوجيا وبرمجيات الكمبيوتر.

"منذ أن كان صغيراً وكلّ مَن حوله يشعر بأنّه سيصبح شيئاً ما،" حسبما يقول عنه كريكور أوهانسيان، الصديق والشريك في الاعمال والذي يعرفه منذ صغره.

بعد تعليم نفسه لغات البرمجة بما فيها "إتش تي إم إل" HTML و"سي إس إس" CSS، طلب منه والده بناء موقعٍ إلكترونيّ لتسيير عمليات شركته. فعل ذلك بالمجّان، ثمّ راح أصدقاؤه يطلبون منه إنشاء مواقع إلكترونيةٍ لهم، ففعل ذلك أيضاً وبالمجّان كذلك.

ويقول صباغ عن هذا الأمر إنّه "في ذلك العمر، تشعر وكأنّه يمكنك أن تصبح أيّ شيءٍ تريده، لديك هذه الأحلام الكبيرة، لدينا ميزة تنافسية هائلة - السماء هي الحدود. هذا [الشعور] بأنّه يمكن أن تصبح أيّ شيءٍ تريده، يُعطي نوعاً من الأمل".

بعد خمس سنوات أدرك صباغ أنّ نموذج تقديم الخدمات مثل "دوت كوم"، حيث ينشئ مواقع إلكترونية وبرمجيات، لم يكن مستداماً وتشبّعت به وسائل التواصل الاجتماعيّ. لذا، في أقلّ من عام، أنشأ مع فريقه مؤشّر أداء تنظيميّ جديداً OPI يأخذ في الاعتبار أكثر من 200 عاملٍ متغيّر، مثل عدد الإشارات وإعادة التغريد على "تويتر"، وتوليد مؤشّر أداءٍ واحد يمكن للعميل من خلاله أن يقارن نفسه مع المنافسين بنسبة واحد إلى واحد. وهذه الشركة التي تحمل اسم "دوت أو بي آي" DotOPI، تمثّل صفقة التخارج الأولى [بيع أو استحواذ] التي قام بها صباغ قبل أربعة أعوامٍ تقريباً من الآن، لكنّه رفض الكشف عن مزيدٍ من التفاصيل حولها.

صباغ وفريقه.

شركة "دوت كوم" التي ما زالت مستمرةّ حتى الآن وتقدّم الحلول الرقمية وخدمات تطوير البرمجيات وغيرها لأكثر من 500 شركة، تُعتبَر أيضاً بمثابة حاضنةٍ لأفكار صباغ وفريقه من أجل تأسيس شركاتٍ ناشئةٍ جديدة. ومن هذه الأخيرة، شركة "أجورا" Agora التي ستُطلَق قريباً، وهي منصّة ولاءٍ تُزوّد تجار التجزئة بنظامٍ مباشر لإدارة العلاقات مع العملاء كوسيلةٍ لقياس تفاعل الشركة مع عملائها. بالإضافة إلى ذلك، تعمل "دوت كوم" على تطوير شركةٍ ناشئةٍ لتجارة الأزياء عبر الإنترنت باسم "جراب ذا لوك" Grab the Look تستهدف النساء العربيات.

 "مانجومولو"

بعد إطلاق "دوت كوم"، أطلق صباغ عدّة شركاتٍ أخرى أبرزها الشركة الأخيرة "مانجومولو" Mangomolo التي تقدّم منصّةً لشركات البثّ التلفزيونيّ لتشغيل البثّ المباشر ومقاطع الفيديو عبر الإنترنت عند الطلب VOD.

بعد النجاح العالمي الهائل للفيديوهات عبر الإنترنت، بدءاً من "نتفليكس" Netflix، بدأت شركات البثّ التلفزيونيّ الرئيسية والمستقلّة في المنطقة تحرص على مواكبة تيّار الفيديو عبر الإنترنت.

وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، باتت شركات البثّ والمعلنون على حدٍّ سواء يلاحظون القيمة المتزايدة للتوجّه نحو الفيديو الذي يُبثّ ويُشغّل عبر الإنترنت OOTv أو الهواتف الذكية أو الحواسيب اللوحية، خصوصاً مع المحتوى الموجّه للمنطقة.

ففي حين لا يزال التلفزيون التقليدي هو أكثر مَا يجذب المشاهدين العرب، فإنّ طلبات المستهلكين على الفيديو في أيّ وقت، وفي أيّ مكانٍ وعلى أيّ جهاز، بات لا يمكن تجاهلها، وهي في ازديادٍ مستمرّ.

وبالتالي، فإنّ "مانجومولو" التي أُطلِقَت في عام 2014، تتوجّه لتصبح أكثر شعبيةً لدى شركةً البثّ في الشرق الأوسط التي تتحوّل من الأنظمة القديمة إلى ما يقولون إنّه أكثر مرونةً.

في سياق ذلك، قامت "شبكة قنوات دبي" Dubai Channel Network، قطاع التلفزيون والإذاعة في "مؤسّسة دبي للإعلام"، بالاعتماد على نظام "مانجومولو" لتشغيل أكبر مكتبة فيديو في المنطقة باسم "أوان" Awaan.

وتقول هبة الصمت، مديرة الإعلام الرقمي في "مؤسَّسة دبي للإعلام" Dubai Media Incorporated (DMI)، وهي الذراع الإعلامية الرسمية لحكومة دبي، إنّ " الأمر استغرقنا [مع ’مانجومولو‘] بضعة أشهر فقط للانتقال من النظام القديم إلى نظامٍ جديد. العمل مع هذه الشركة لم يكن تجربةً صعبة، بل كانت تجربة مستقرّة".

ومن جهته، يَعِد صباغ بأن تتمّكن "مانجومولو" من "السماح لشركات البثّ بإطلاق منصّة فيديو إلكترونية ببساطة ومن أيّ مكان".

ويشرح قائلاً: "لقد لبسنا ثوب شركات البثّ والناشرين وفكّرنا في كيفية تسهيل هذه العملية لهم، وكيفية جعلها أكثر آليةً، وكيفية مساعدتهم على الاستغناء عن 20 شخصاً لإدارة الفيديو عند الطلب إلى شخصٍ أو شخصين فقط".

لقطةٌ من موقع "مانجومولو".

على الرغم من المنافسة مع غيرها من الأسماء الكبيرة في مجال استضافة الفيديو على الإنترنت مثل "لايم لايت" Limelight و"برايت كوف" Brightcove، يأمل مؤسِّس "مانجومولو" في الاستمرار بإقناع الشركات بالتحوّل نحو الاعتماد أكثر على النظام الذي تقدّمه.

وفي حين ما زالت هذه الشركة تعتمد على التمويل الذاتيّ، يريد صباغ أن تصبح شركته أوّل شركةٍ تتوجّه نحو الاكتتاب العام الأوّلي IPO في المنطقة.

الواقعية والتنفيذ

ما يمّيز صباغ، بحسب أصدقائه، هو قدرته على الواقعية وتنفيذ ما يقوله. فخلافًا لروّاد الأعمال الشباب الآخرين، يرى هذا الشاب أفكاره من خلال من المنتَج.

وبحسب الدكتور إيلي ضاهر، مرشده في مجال الأعمال، فإنّ "وسام شخصٌ يتمتّع برؤية. يفكّر بشيءٍ ما ثمّ بدأ بتنفيذه، ويعمل على تجريب الفكرة على أشخاصٍ يثق بهم. وبعدما تصبح الفكرة أكثر تعقيداً، يُطلقها على الفور لاختبارها. وكونه رائد أعمالٍ شاب، فهو يمتلك رؤيةً يريد تحقيقها".

ولكن مثلما هي الحال مع معظم روّاد الأعمال، فإنّ الطريق ليست مفروشةً بالورود، وفي الكثير من الحالات كان على صباغ أن يوازن بين أمواله وموارده وطموحاته.

هناك دائما مسعى لدخول السوق بسرعةٍ قَبل المنافسين، وهو ما يحتاج إلى أن يكون متوازناً مع الرغبة في تحديد وتيرةٍ مناسبة لتطوير الوعود وتنفيذها للعملاء، بحسب ضاهر.

ولكنّ صباغ ينجح في الموازنة بشكلٍ جيّد، كما يقول ريان (16 عاماً)، ابن ضاهر، والذي يتدرّب مع صباغ منذ أن كان في سنّ الـ13.

المُضيّ قدُماً

لعلّ أكثر ما يميّز صباغ هو امتنانه الحقيقيّ لمسيرته وعزمه على المضيّ بها قدُماً.

فهو بالإضافة إلى تأسيس شركاتٍ ناشئةٍ ناجحة، يكمن جزءٌ من رؤيته في تمكين الشباب في سنّ المراهقة - الذين ربّما يذكّرونه بنفسه عندما كتب 35 ألف عنوان بريدٍ إلكترونيّ في صفحة "إكسل" Excel، مسلّحاً بشعور المراهق الذي لا يشوبه استسلام أو خوف.

فريق صباغ في بيروت.

"كلّما انطلقتَ باكراً، كلّما تقلّص حجم المسؤوليات والأخطار التي تواجهك في سبيل اتّباع شغفك بإطلاق عملٍ خاصٍّ بك". يقولها صباغ، مضيفاً أنّه بدأ بالعمل عندما كان في سنّ الـ15 أو الـ16، "وأنا مدينٌ بنجاحي للانطلاق في سنٍّ مبكرة". ولذلك يقوم في كلّ عامٍ بتوظيف متدرِّبَين اثنَين دون الـ18 عاماً لمساعدتهما مع شركته الناشئة.

أحد هذَين هو ريان ضاهر، الشاب الذي عمل في أوّل صيفٍ له على إجراء بحثٍ عن المواقع الإلكترونية للشركات، وكتابة تقريرٍ من 20 إلى 30 صفحة عن نقاط الضعف في تفاعلها على وسائل التواصل الاجتماعيّ ومواقعها الإلكترونية. وفي ثاني صيفٍ له، ساهم في إنشاء عروض وشروحات "مانجومولو"، والبحث عن الرؤساء التنفيذيين للشركات لتقديم المنتَج لهم. والآن يعمل على "أجورا" في محاولةٍ للوصول إلى الشركات والأعمال لجذب مزيدٍ من العملاء.

ريان الذي يقرّ بحصوله من هذه التدريبات على فرصةٍ لتعلّم خصوصيات وعموميات إطلاق الأعمال، لا يُخفي إعجابه بكيفية تفويض صباغ للعمل وحثّه الأشخاص على تأدية مهام مختلفةٍ لتنفيذ هدفٍ واحد.

 "أريد بالتأكيد أن أصبح رائد أعمالٍ عندما أكبر، هذا هو هدفي، وفي مجال التكنولوجيا الذي بتّ أمتلك خبرةً فيه"، كما يقول ريان الذي سيبلغ 17 عاماً بعد شهرين، وهو العمر الذي بدأ فيه صباغ مسيرته. "لطاما كنتُ مهتمّاً بالتكنولوجيا في حياتها كلّها، على الرغم من أنّني لا أريد أن ألجأ إليها من الناحية التقنية".

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة