'يلا ريد': أحدث أشكال الاقتصاد التشاركي في تونس

اقرأ بهذه اللغة

في حين لم ينطلق الاقتصاد التشاركي المباشر فعلاً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا يزال بعض روّاد الأعمال، مثل التونسي أحمد الحضري، يؤمنون بأنّها فكرةٌ قد تحقّق نجاحاً في هذه المنطقة.

بعد أن شارك الحضري في تأسيس منصّة "يلا ريد" Yallaread لتبادل الكتب والتي تشبه مكتبةً رقميّة إنّما من دون وسيط، ها هو الآن يحاول جاهداً حلّ المعضلة التي يواجهها: هل يمكن لخدمةٍ مباشرة أن تحقّق النجاح في المنطقة؟

التشارك، حلّ لندرة الكتب

في أوائل شهر أيّار/مايو، أطلق الحضري المتخرج حديثاً منصّة "يلا ريد" بالتعاون مع شريكه المؤسّس كريستيان كوشار، وهو مديرٌ تنفيذي متمرّس من فرنسا.

ففي تونس، قد يكون إيجاد الكتب أمراً صعباً، بخاصةٍ النادر منها أو المكتوب باللغات الأجنبية، إذ أنّ تخزينها في المكتبات لا يعود عليها بفائدة. كما أنّ شراء الكتب من منصّة "أمازون" Amazon أو نظيرتها العربية "جملون" Jamalon صعبٌ للغاية، لأنّ الدينار التونسي غير قابل للتحويل. أمّا عمليّات الشراء بالعملات الأجنبية، سواء كان خلال السفر أو عبر مواقع عالمية، فهي محدودوة بألف دينار (400 دولار) في العام للشخص الواحد.

كذلك، يشير الحضري إلى أنّ هواة القراءة الذين يطلبون الكتب من الخارج غالباً ما يُجبرون على الانتظار شهرَين لاستلام الكتاب بسبب مشاكل الشحن، كما أنّ الكتب تباع بالأسعار نفسها التي في أوروبا، ما يجعلها الحصول عليها أمراً صعب المنال بالنسبة للكثير من التونسيين.

تبادل الآراء والتوصيات (الصورة من "يلا ريد").

اليوم وبعد أربعة أشهر على إطلاق "يلا ريد"، تسجّل في المنصّة 1440 مستخدماً، أغلبهم من الطلاب، لإعارة واستعارة الكتب، فيما أُضيف أكثر من 1200 كتاب وجرى تبادل نحو 210 كتب.

منذ انضمامها إلى المنصّة في أيّار/مايو، قامت مدرّسة علم الاقتصاد ناديا المرزوقي بتبادل ستّة كتب.

وتشرح أنّ "ما جعلني أحبّ هذه المنصة هو أنّها تتيح لي فرصة إيجاد كتب لا أجدها في تونس عادةً أو تكون باهظة الثمن، بخاصّةٍ الكتب التي تتناول موضوع تنمية القدرات الذاتية، والسيرة الذاتية، وإدارة الأعمال."

تنمية المجتمع    

من أجل استعارة كتاب، يجب على الأعضاء أن يتواصلوا مع صاحب الكتاب وتحديد موعد لقاءٍ معه ومن ثمّ التقابل. هذه اللقاءات التي قد تبدو مضيعةً للوقت لبعض الناس، تشكل عاملاً جاذباً للبعض الآخر. فبحسب المرزوقي، "يسمح لنا هذا اللقاء بمناقشة الكتب التي تبادلناها وتبادل الآراء؛ لقد سمح لي هذا الأمر بلقاء أناس رائعين."

بدوره يشير الحضري، وهو الرئيس التنفيذي لمنصة "يلا ريد"، إلى أنّ الكثير من الناس يتردّدون في إعارة كتبهم إلى غرباء خوفاً من عدم استعادتها أو استعادتها بحالةٍ سيئة، ولكن في "يلا ريد"، كما في أغلب منصّات التشارك المباشر، يمكن للأعضاء تبادل كتبهم مع أصدقائهم فقط ويمكنهم أيضاً تقييم تجربتهم مع الأعضاء آخرين.

من أجل تنمية هذه الخدمة، يجب على الحضري أن يكتسب ثقة محبّي القراءة التونسيين وأن يبرهن منافع الانتماء إلى هذا المجتمع. ولهذه الغاية، يسعى إلى تنظيم الفعاليات، فكان أولّها في تموز/يوليو حيث شرح أهميّة تقييم الكتب على منصّة "يوتيوب" Youtube.

بالإضافة إلى ذلك، لدى "يلا ريد" شراكة مع محطّة الراديو "إكسبرس إف غم" Express FM تقوم الأخيرة بموجبها باستعراض ثلاثة كتب تتناول موضوعاً معيّناً في يوم الأحد من كلّ أسبوعٍ.

أعضاء "يلا ريد" بعد مناقشة تقييم الكتب عبر "يوتيوب" في فعالية أقيمت في "ستارتب هاوس". (الصورة من "يلا ريد")

مهمّة اجتماعية

عندما بدأ الاقتصاد التشاركي بالانتشار في العالم منذ خمس سنوات، تعلّقت الآمال عليه، ولكنّه اليوم فقد اهتمام الناس به.

بحسب مركز الأبحاث المتخصّص "وي شير" OuiShare، لقد تخطيّنا مرحلة الانبهار بمفهوم الاقتصاد التشاركي (بالرغم من أنّه جاء متأخراً إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وعانى لإيجاد مكانةٍ له فيها).

في هذا السياق، تقول أسماء غديرة، مديرة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "وي شير"، في حديثها مع "ومضة"، إنّ الاقتصاد التشاركي "لم ينجح أبداً؛ وما ينجح في المنطقة هو الخدمات عند الطلب – مثل خدمات ’أوبر‘ Uber و’كريم‘ Careem وخدمات التوصيل."

من جهةٍ ثانية، يمكن للخدمات ذات الرؤية الاجتماعية أن تنجح أيضاً لأنّها تحاكي عواطف المستخدمين والقيم الموجودة في الثقافة العربيّة. هذا ويستفيد المشروع الاجتماعي من حيث التمويل أيضاً، لأنّه رغم ندرة المستثمرين الذين يموّلون الشركات الناشئة فإنّ المؤسسات الساعية إلى تمويل المشاريع الاجتماعية تتوفّر بكثرة.

من حظّ الحضري إذاً أنّه يعتبر "يلا ريد" مؤسّسة اجتماعية.

"نعمل على جعل القراءة والثقافة في متناول الجميع، وإذا نجحنا في حلّ هذه المشكلة سنتمكّن من حلّ مشاكل أخرى مثل البطالة،" كما يقول الحضري الذي يعمل الآن على تنظيم حملة للترويج للقراءة ويجري محادثاتٍ مع وزارة الثقافة للانضمام إليه في هذا المسعى.

تحدّي التوسّع

لا يمكن لهذه الخدمة أن تتوسّع إلا إذا تمكّنت من تحقيق نموذجٍ تجاريٍّ ناجح.

بشكل عام، تحقق منصّات التشارك، مثل منصّات تشارك ركوب السيارات وإعارة الملابس، الإيرادات عبر إضافة رسوم على التبادلات وبيع خدمات إضافية. لكنّ تكلفة التبادلات والرسوم غالباً ما تكون صغيرة، لذلك تحتاج هذه المواقع إلى عددٍ كبيرٍ من التبادلات لتحقق الأرباح.

لذلك، للوصول إلى التوسّع، يجب على الحضري أن يُقنع الناس بالقراءة من أجل تحقيق الأرباح من باقةٍ مميزة لم يفصح عن تفاصيلها.

في هذا الإطار، ترى غديرة من "وي شير أنّ "يلا ريد" قد لا تتمكّن من الوصول إلى التوسّع، لكنّها قد تغري عدداً صغيراً محدداً من العملاء،" لافتةً إلى أنّ "الاستهلاك التعاوني" collaborative consumption كان ظاهرةً تنتشر بين الأقلية المثقفة والملمّة بالإنترنت، وأنّ القراءة هي نشاط يهمّ عدداً صغيراً من المواطنين العرب.

لهذا "يتطلّب النجاح وقتاً،" بحسب غديرة التي تؤكّد أنّه "إذا وُجد نادي مشجّعين جيّد قد ينجح الأمر، لأنّ الثقافة أمرٌ مثيرٌ في المنطقة."

بدورها، بعدما تكشف المرزوقي التي تعلّم الاقتصاد أنّ عدد القرّاء وعشّاق الكتب "يتضاعف"، تلفت إلى أنّ "مفهوم ’يلا ريد‘ ساعد كثيراً في هذا الإطار لأنّه شجّع الناس على القراءة من دون إنفاق الأموال."

يأمل المؤسس أن يجمع أعضاء أكثر من خلال التوسّع إلى بلدان أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بدءاً بمصر والمغرب، ولكن في جميع الأحوال، سيكون عليه الذهاب إلى أبعد من وضع رسومٍ على تبادلات الكتب والباقات المميزة.

وفي حين يخطّط الحضري لتقديم خدمة إعلانات للمكتبات ودور النشر والمراكز الثقافية، تعتقد غديرة أنّ "نموذج العمل هذا هو الوحيد القابل للتطوير بالنسبة له."

يبحث رائد الأعمال التونسيّ حاليّاً عن تمويلٍ لإطلاق النسختين العربيّة والإنجليزية من الموقع، والاستثمار في التسويق، علماً أنّ نجاح الأعمال المباشرة مثل "يلا ريد" يرتبط بقدرة بعض روّاد الأعمال على القيادة وفهم السوق والتنفيذ.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة