أعمال الفنّ: عندما يتحوّل الفنانون التونسيون إلى روّاد أعمال

اقرأ بهذه اللغة

فيما تعجّ مدينة تونس بالحماسة في المهرجان السنوي، "أيّام قرطاج السينمائية"Carthage Film Festival، الذي يقام منذ أكثر من 50 عاماً، يجبر قطاع الفنون الحافل بالعثرات والصعوبات في البلاد الفنانين على أن يصبحوا روّاد أعمال سواء أرادوا ذلك أم لا.

يتحوّل كلّ فنان في هذه البيئة الريادية الجديدة إلى وكيل ومستثمر ومدير علاقات عامة، في وقتٍ يُستبدَل فيه الدعم الحكومي بالمؤسسات الخاصة أو الراعية.

يمتلك حبيب بلهادي (58 عاماً) مسرحاً باسم "لو ريو"  Le Rio قام بترميمه بالكامل في عام 2014. وهو معتاد على تمويل مسرحيّاته بنفسه، وأن يكون مديناً للمصارف في أغلب الأحيان، كما هي حال أغلب مالكي المسارح في تونس.

ويقول بلهادي إنّه "في بعض الأحيان نتلقّى تمويلاً من الحكومة [لشراء المعدات الجديدة]؛ فعلى سبيل المثال تمكّنتُ من شراء معدّات ثلاثية الأبعاد بفضل هذا الدعم، ولكننا لا نحقق أرباحاً من الإيرادات الثقافيّة".

أمل عمراوي وحبيب بلهادي في مسرح "ريو" (الصورة لليليا بلايز)

في عام 2015، خصّصت وزارة الشؤون الثقافية في تونس ميزانيّة وقدرها 228 دينار (100 مليون دولار) لعام 2016، ولكنّ بلهادي يذكر أنّ هذا المبلغ صرف بأغلبه على العمليّات الإدارية للوزارة بدلاً من صرف الميزانيّة على القطاع.

تحقيق النجاح

لا يوجد قصص نجاح كثيرة في هذا المجال. فالراقص ومصمم الرقص التونسي رشدي بلجسمي مثلاً، اضطرّ أن يتعلّم كيفية بيع أعماله الفنية واسمه، وهو يجمع الأموال من الناس في جولات يجريها في أوروبا حيث يحاول دعم ومساعدة الفنانين في بلاده.

يشرح بلجسمي أنّ "الرقص لا يزال يصنّف كرياضة وليس كفنٍّ في الحكومة التونسيّة، لذلك لم أتوقّع أبداً أيّة مساعدة وسلكتُ طريقي الخاصة بالعمل الجاد والتشبيك".

الراقص رشدي بلجسمي في إحدى عروضه (الصورة لـ أحمد تابت)

بدورها وبعد بنَت مسيرتها المهنيّة في مصر، تقاضت الممثلة التونسيّة الشهيرة، هند صبري، نصف أجرها للعمل على الفيلم المحلّي "زهرة حلب" Flower of Aleppo والذي عُرض في افتتاحيّة "أيّام قرطاج السينمائيّة" المذكور أعلاه.

تلفت صبري إلى أنّ هذا النوع من الالتزام ضروري للمجال السينمائي وبقائه، مضيفةً أنّه "علينا التضامن والتعاون لإبقاء الحياة الثقافيّة على قيد الحياة".  

حياة الفنان

يعدّ هذا المجال نضالاً يومياً لعدد كبير من الفنانين الآخرين. أمل عمراوي (28 عاماً) مثلاً تمشي مثل راقصة الباليه وتلبس مثل ممثلة إيطالية من الستينات وتتحدّث بصوت عميق فيما تدخّن سجائرها. لقد تخلّت عن مسيرتها المهنيّة في الهندسة المدنيّة لتصبح ممثلة، وانضمّت إلى العالم المسرح التونسي الفوضوي.

تقول عمراوى عن هذا المجال إنّ "البروفات الأولى التي أجريناها كانت في مكانٍ مهمل في وسط المدينة تسكنه الفئران وتكتسيه الرطوبة؛ هناك تمرّنا سبع ساعات في اليوم طوال ثمانية أشهر مقابل 700 دينار (306 دولار) في الشهر". وتضيف "أنّني تركتُ منزل والديّ لأسكن مع زملائي في الشركة، ولكننا لم نتمكّن من تأدية المسرحيّة أكثر من ثلاث مرّات لأنّ الأموال لم تكفي لهذا الإنتاج والمسارح التي خصصت وقتاً لعرض المسرحيّة كانت قليلة".

أمل عمراوي في مسرح "ريو" في تونس. (الصورة لـليليا بلايز)

ما من مساعدة في العلاقات العامة

مجال الفنّ في تونس يفتقد إلى مساحات تسمح للفنانين بعرض أعمالهم. ففي البلاد 5 صالات عرض فنيّة وحوالي 500 فنان تشكيلي مسجّل في النقابات، و15 صالة سينما و5 مسارح رسميّة لأكثر من 400 منظّمة للممثلين و250 شركة تعنى بالمسرح.

تشير الفانة التشكيلية، هالة لمين (32 عاماً)، التي تعاني من غياب الدعم وتحاول الترويج لأعمالها بطريقةٍ مختلفة  إلى "أنّني أستخدم منصّة الـ’فايسبوك‘ كثيراً لمراقبة الدعوات المفتوحة لعرض الأعمال أو المشاريع". حتّى أنّ إحدى مشاريعها باسم "ذا لايف أوف سامانثا سي" The life of Samantha C ضمّت شخصيّة طوّرتها على منصّة التواصل الاجتماعي هذه. وقد بدأت لمين باكتشاف خيارات أخرى، بعيدة عن عرض أعمالها في معرض فنيّ، مثل عرضها في متجر لأدوات التجميل في وسط المدينة بمساعدة أمين معرض فنّيّ يحاول أن يقدّم تحفاً فنية أكثر في شركات أو متاجر.

هالة لمين في ورشة عملها في الضاحية الشمالية لـتونس (الصورة لليليا بلايز)

تطمح ألفة الفقي، وهي أمينة معرض بنت مسيرتها المهنيّة بإدارة أعمال الفنانين بشكل مستقلّ، إلى وضع تونس على خارطة الفنون الأفريقيّة والعالميّة إذ تتفاجأ بـ"كيف أنّ تونس لا تنتمي حتّى إلى مشهد الفنّ المعاصر في أفريقيا في حين أنّ الفنون الأفريقيّة تشتهر الآن؟"

غياب التخطيط  

بعد الثورة، انطلقت حركة فنيّة من دون خطّة تؤدّي إلى مشهد أكثر تنظيماً. فتونس تغيب عن السوق الفنية العالميّة فيما يستغنم المغرب، وهو البلد المجاور لها، كلّ فرصة تتاح له لتنمية الفنانين الجدد والترويج لصورته الثقافيّة.

تلفت المديرة في معرض "غاية" Ghaya Gallery في القرية السياحيّة سيدي بو سعيد، أديليد كومبي، إلى أنّه "أحياناً قد تكون مشاركة فنان تونسي بمعرض دولي سلبيّة جدّاً، لأنّ ذلك سيزيد من قيمة أعماله وسعرها [بشكل لا يسمح للتونسيين بأن يبتاعوها]، وذلك يؤدّي إلى فجوة ما بين المعرض الفنّي والفنان".

أيدليد كومبي في معرض "غاية" (الصورة لليليا بلايز).
 
كما تضيف كومبي أنّه في حين يتمتّع أصحاب المعارض بحريّة كبيرة لتحديد قيمة عمل الفنان، يؤدّي غياب سوق محليّة يمكن استخدامها كمرجعٍ إلى سوء تقدير لقيمة الأعمال الفنية في بعض الأحيان.

على سبيل المثال، لم يكن الفنان التشكيلي أسامة طرودي (36 عاماً) مشهوراً حتى ابتاعت أعماله اللجنة الخاصة بشراء الفنون من وزارة الشؤون الثقافية في تونس. وبعد أن تخلّت عنها الوزارة وباتت متوفّرة في معرض "غاية"، يقول طرودي إنّ "تحديد تسعيرة لأعمالي صعب للغاية، إذ بدأت بـ200 دينار (87 دولار) ووصلت إلى 3 آلاف دينار (1.313 دولار).

في تونس وفي الخارج

يمكن للفنانين أيضاً الانتقال إلى فرنسا لإطلاق مشروع ابتكاريّ.  

لم يحاول طرودي مغادرة تونس وبيع أعماله في الخارج إذ يعتبر أنّ بامكانه تأدية دور في وطنه. ولكنّ نجم معرض "سلمي فيراني" Selma Feriani Gallery الصاعد في تونس، نضال شمخة (31 عاماً)، يختلف معه في الرأي، وقد قرر هذا المصوّر الانتقال للعيش في فرنسا.

 
أوسامة طرودي في ورشة عمله في الزهراء، في الضاحية الجنوبية لتونس (الصورة لـليليا بلايز)

من جهته، اختار نضال شمخة البقاء في فرنسا بعد أن ذهب إليها بمنحةٍ لإكمال دراسته في الفنون التشكيليّة. ويشرح قراره بالبقاء قائلاً إنّ "هنا، يمكنني الحصول على ضمان اجتماعي والتسجل في ’بيت الفنانين‘  house of artists وبالتالي أحظى بصفة مهنيّة؛ أمّا في تونس فالأمر أكثر تعقيداً".

 

أمّا بثينة العويدي التي تعرف باسمها المهني كمغنية راب "ميدوزا" Medusa، فقد تركت البلاد لتنتقل إلى فرنسا حاملة "تأشيرة فنانين"‘skilled and talent’   تقدّمها الحكومة الفرنسية لمدّة عامين لمساعدة الفنانين الأجانب على تطوير مشاريعهم. وهذا تحديداً هو سبب انتقالها إلى فرنسا إذ تشرح أنّه "لا يمكنني أن أكبر هنا، فإنني أسجلّ الأغاني في المنزل بمساعدة زوجي، وليس لدينا شركة إنتاج موسيقي ولا مجال للموسيقى. لذلك، إذا أردت تسجيل ألبوم، عليّ أن أغادر البلاد".

ماذا عن المستقبل؟  

بالنسبة لمؤسسات مثل "مؤسسة كامل أزار" Kamel Lazaar التي انطلقت في تونس منذ 10 سنوات بميزانية سنويّة تساوي 150 ألف دينار (68 ألف دولار)، يحمل المستقبل الكثير للفنانين التونسيين.

تعتبر رئيسة جمع التحف الفنيّة في "مؤسسة أزار" أنّ "هناك كثير من الأمور التي يجب القيام بها، وهذا أمر مثير وممتع"، فعلي سبيل المثال، سوف تطلق المؤسسة قائمة من التحف الفنيّة في تطبيق على الهاتف باسم "أرت مينا" artMENA.

وتخصص مؤسسات أخرى مثل "مؤسسة ألفة رامبور"    Olfa Rambourg Foundation التي انطلقت منذ عام فقط ميزانيّة قدرها ثلاثة ملايين دينار في العام (مليون دولار)، فيما تنظّم حاليّاً معرضاً عن تاريخ تونس قبل الاستعمار باسم "رايز أوف آيه ناشون" Rise of a nation  (أي نهضة أمّة باللغة العربية) في مكان قاموا بترميمه.  

وفي حين يفكّر فنانون كثر بكيفيّة تمويل المجالات الخلاقة في تونس، يختار كثيرون أن ينهضوا بمفردهم.

تحيي "أيّام قرطاج السينمائية" المدينة في كلّ عام (الصورة لليليا بلايز).

[الصورة الرئيسيّة من "فليكر" "سيتيزن 59". ]

اقرأ بهذه اللغة

الفئة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة