'سكايب' واللغة العربية ملجأ جديد للسوريين

اقرأ بهذه اللغة

خلال فصل الصيف، كان أندرو هاس الذي يقيم في سياتل في الولايات المتحدة يتّصل عدّة مرّاتٍ بالرقم نفسه على "سكايب" مع اللاجئ السوري في ألمانيا فراس شبارا. وذلك من أجل هدفٍ محدّد: التحدّث لمدّة ساعة كاملة باللغة التي يدرسها هاس منذ ستّ سنوات، اللغة العربية.

وبفضل الشركة الناشئة "نتكلّم" Natakallam التي انطلقت في عام 2015، تمكّن الرجل الأميركي من أن يتدرّب على التحدّث باللغة العربية مع نازحٍ سوري يجيدها.

تصدير اللغة ينطلق مجدداً من دمشق

تأسّست "نتكلّم" لتجمع متعلّمي اللغة العربية بنازحين سوريين يجيدون اللغة لممارستها عبر "سكايب". وقد عادت الآن المؤسِسة والرئيسة التنفيذية، ألين سارا، من الأردن مع جائزةٍ تبلغ 20 ألف دولار بعد المشاركة في مسابقة "إبتكر من أجل اللاجئين" Innovate for Refugees من "منتدى MIT لريادة الأعمال في العالم العربي" MIT Enterprise Forum Pan Arab.

بدأت قصّة اللبنانية الأمريكية سارا عندما أرادت تحسين لغتها العربية. وتشرح أنّه عندما قرّرَت التسجّل في صفوف لتعليم اللغة، "وجدتُ أنّ الأسعار غير معقولة بالنسبة للطلاب. ففي نيويورك قد يصل سعر حصّة تعليم اللغة إلى 60 دولار في الساعة الواحدة".

تعلم هذه الريادية أنّ "دمشق "قبل الحرب كانت مركزاً لتعلّم اللغة العربية، كما أنّ السوريين - على عكس اللبنانيين - لا يخلطون اللغة الإنجليزية والفرنسية في حديثهم باللغة العربية". ولذلك قامت هي وشريكها رضا رحنما بعرض الفكرة في مسابقة البنك الدولي ومن ثمّ إطلاق النسخة التجريبية للموقع.

تشرح سارا أنّهما "عندما أطلقنا النسخة التجريبية الصغيرة، تسجّل مستخدمون أكثر مما كنّا نتوقّع ولم نكن مستعدّين لذلك".
محادثة بين أصالة وطالب لغة عربية عبر "سكايب"، من خلال "نتكلّم". (الصور من "نتكلّم")    

عمل للاجئين

تضمّ "نتكلّم" حوالي 35 شريكاً سوريّاً لإجراء المحادثات حتّى الآن، فيما يستخدمها أكثر من 880 فرداً في أكثر من 50 بلداً من البرازيل إلى أرمينيا.   

تساهم هذه المحادثات الفردية التي تجري عبر المنصّة في زيادة الوعي حيال أوضاع اللاجئين، كما تساعد الأفراد على إيجاد حلول مستدامة لاستقبالهم في بلدانهم. و يقول شبارا الذي كان يعمل كأستاذ للغة الإنجليزية في دمشق، إنّ "هذه الحصص سمحت لي بتكوين صداقات من حول العالم، وجعلت لحياتي معنى فيما أنتظر للحصول على تصريحٍ للعمل في ألمانيا. بالإضافة إلى ذلك، منحَتني وقتاً لأتعلّم اللغة المحليّة وأتجنّب الوقوع في متاهة السوق السوداء".

تستقرّ الشركة الناشئة حالياً في "ستارتب لاب" Startup Lab في "جامعة كولومبيا" Colombia University في نيويورك. وهي أيضاً تحظى بدعم منظّمة "أرك آن سيال" Arcenciel غير الحكوميّة في بيروت، حيث تساعدها في توظيف اللاجئين. بعد ملء الاستتمارات، تُجري المنظّمة مقابلاتٍ مع المرشّحين المؤهّلين، ومن ثمّ تدرّبهم على أساليب التعليم وكيفية استخدام منصّة "نتكلّم".

بدوره، ومن مقرّه في نيويورك، يهتمّ فريق "نتكلّم" بإرسال الأموال إلى اللاجئين إمّا بالتحويلات الرقمية أو بالتعاون مع "أرك آن سيال". كذلك، يحرص الفريق على مطابقة مستوى اللغة والاهتمامات والأوقات، والتأكيد على جودة العمليّة التعليمية من خلال تأسيس نظام تقييم للحصص.

جني الأرباح من الأعمال الاجتماعية؟

تعتمد الشركة نموذج عمل يتراوح ما بين الربحيّة والخيريّة. ففي حين يُحدَّد سعر محادثةٍ لمدّة ساعة عبر "سكايب" بـ15 دولار، تذهب 10 دولارات منها إلى المدرّس السوري فيما يُخصّص المبلغ المتبقي لتكاليف التشغيل، مثل تشغيل الموقع الإلكترونيّ.

يساهم هذا الأمر في تمكين اللاجئين الذين يسكنون في بلدان مثل لبنان ويضطرّون إلى العمل في جمع النفايات أو البناء، وفي بلدان الاتحاد الأوروبي حيث يعانون لمدّة أشهر قبل الحصول على تراخيص للعمل. وقد يجني بعض السوريين رواتب تصل إلى 1500 دولار في الشهر بتعليم أكثر من طالب واحدٍ، وهو مبلغ يفوق معدّل الرواتب في لبنان وتركيا ومصر.

في ظلّ تزايد أعداد اللاجئين والمهاجرين، تصبح مثل هذه المبادرات أكثر من ضرورة. فبحسب "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين" UN refugee agency، وصل عدد السوريين الذين غادروا بلادهم منذ عام 2011 إلى 4 ملايين إضافةً إلى ملايين غيرهم نزحوا إلى مناطق أخرى داخل البلاد، ناهيك عن مئات الآلاف الذين قتلوا جرّاء الحرب.

لذلك، تشير سارا إلى "أننا اخترنا تعليم اللغة لأنّها مهارة قيّمة بغضّ النظر عمّا تعلّمه اللاجئ، فأغلب المدرّسين لدينا هم محامون ومهندسون مدنيون ومعماريون وكتّاب. وعلى المستوى النفسي والاجتماعي، فإنّ تعليم اللغة يتيح لهم فرصة مساعدة أفراد من حول العالم بدلاً من أن يكونوا ضحيّة ومتلقّي مساعدات".

 
تدريب مدرّسي اللغة العربية.

صيغة حديثة للمراسلات

باتريسيا كوبالا (39 عاماً)، وهي من مستخدمي "نتكلّم" في القاهرة، تصف هذه الخدمة بأنّها "طريقة حديثة للمراسلات بأسعار معقولة تساعد في تخطّى الحدود الجغرافية التي تفصلنا". فهي تتدرّب على اللغة العربية مع غصن، ناشط سوري وأستاذ فلسفة من حلب، هرب إلى باريس في أوائل عام 2015.

بالإضافة إلى ذلك، تسمح هذه المنصّة لمتعلّمي اللغة العربية بالتحدّث باللهجات العربية المحكية، على عكس الكثير من الدورات التي تدرّس اللغة الفصحى فقط. لذلك، تتعاون معها بعض الجامعات لتقديم تمارين تطبيقيّة محكيّة لحصص اللغة التقليدية.

وحتّى الآن، قام كلّ من "كلية سوارثمور"  Swarthmore College و"جامعة جورج واشنطن" George Washington University و"جامعة تافتس" Tufts University بتخصيص صناديق مالية صغيرة لتمويل حصص المحادثات عبر "سكايب" التي يجريها طلّابها.

اللاجئون السوريون ليسوا سوى البداية، إذ أنّ كثيراً من النازحين المتحدّثين باللغة العربية، مثل العراقيين والفلسطينيين، يعانون للحصول على تصريحات للعمل ومداخيل ثابتة. ولأن هؤلاء يتحدّثون بلهجات تثير اهتمام طلّاب اللغة العربية، تأمل "نتكلّم" ضمّهم إلى منصّتها في المستقبل القريب، كما تسعى إلى إطلاق خدماتها باللغة الفارسيّة مع اللاجئين السياسيين الإيرانيين.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة