كيف تغيّر السخافة ملامح وسائل الإعلام

اقرأ بهذه اللغة

قد ننظر إلى "فايسبوك" Facebook، و"أوبر" Uber، و"إر بي إن بي" Airbnb كشركاتٍ غيرت وجه المجتمع كما نعرفه إلى الأبد، ولكنّ التغيير الكبير قد يبدو أحيانًا سخيفاً أكثر منه جادًا.

لنتأمل مثلًا قاعدة بيانات الصور بصيغة GIF المسماة "جيفي" Giphy على الإنترنت؛ يستطيع زائروها تصفح أرشيف ضخم من الصور المتحركة التي تتنوع مواضيعها بين الصور اللطيفة والمثيرة للضحك إلى الصور المواكبة للأحداث الراهنة.

على هذا الأساس قد تتجاهل هذا الموقع بوصفه مجرد سبيل للهو، حتى تكتشف أن قيمته قُدرت مؤخرًا بـ 600 مليون دولار، ويُوصف بأنه "نموذج لشكل جديد من شركات الإعلام".

وما إن تتجاوز سخافة المحتوى، سيصعب ألا ترى شكلًا جديدًا من أشكال التواصل الاجتماعي المطلوب والقائم على الصور المتحركة، والمتاح من خلال المنصة.؛ وهذا أمر جديّ لا هزل فيه.

أستطيع أن يكون لدي ميمات؟

(الميم meme هو وحدة المعلومات الثقافية المتناقلة بين الأشخاص مثل المعتقدات والعبارات الملتقطة في الشارع والنغمات وأنماط اللباس وطرق البناء وغيرها. وتتميز فكرة "الميم" بالانتشار السريع في الأوساط الثقافية وكذلك في الثقافة الشعبية. ويمكن تمثيل كل ذلك في صورة واحدة على الإنترنت)

كان بن هوه أحد رواد الأعمال في طليعة من قادوا تحولًا مماثلًا في المحتوى الرقمي الرائج.

يعمل بن الآن مع مبادرة "المدن الجديدة" New Cities من  "واي كومبينايتور ريسيرش" Y Combinator Research الحاضنة للشركات الناشئة، ولكن قبل أن يخوض بن غمار التصميم الحضري، كان منخرطًا في مجال مختلف، وهو : ميمات الإنترنت.

القط الذي بدأ معه كل شيء (الصورة من  Know Your Meme).

كثيرون يعرفون هوه على أنّه الرئيس التنفيذي السابق لشبكة "تشيزبيرغر" Cheezburger، وهي سلسلة من المدونات التي تتمحور حول الميمات والفكاهة على الإنترنت، لعبت دورًا كبيرًا في دفع ثقافة الإنترنت التي لم تكن منتشرة آنذاك لتصبح معروفة وواضحة للجميع.

بدأ الأمر كله في عام 2007، عندما عثر هوه بالصدفة على مدونة I Can Has Cheezburger?، وهي مدونة مكرسة لمشاركة ميمات القطط (أو ما يُطلق عليه "لول كاتس" lolcats). ففي حين كان غالبية الناس يرون في المدوّنة صورًا مضحكة للقطط وحسب، رأى هوه فيها ما هو أكبر من ذلك.

وفي حديثه مع "ومضة" يقول إنّ " سوق الويب 2.0 التشاركية كانت حديثة العهد وكان هناك مساحة كبيرة لنمو السوق".

بعد أن وضع هوه الميمات في إطار شكل جديد من المحتوى الاجتماعي الذي ينتجه المستخدم، نجح في الحصول على تمويل قدره 2.25 مليون دولار من التمويل من المستثمرين الذين يستثمرون في الشركات الناشئة للاستحواذ على المدونة، ومن ثمّ إطلاق شبكة "تشيزبيرغر" التي توسعت لاحقًا لتضمّ مواقع فكاهية أخرى على الإنترنت، مثل "فايل بلوج" FAIL Blog  و"نوو يور ميم" Know Your Meme.

الأدوات والمواهب

إضافة إلى استضافة الميمات، وفّرت شبكة "تشيزبيرغر" للمستخدمين أداة لإنشاء ميماتهم الخاصّة باسم "لول بيلدر" LOL Builder - والتي يرى هوه أنها ميّزت موقعه عن غيره من مواقع تجميع الميمات الأخرى في المراحل المبكرة من هذه السوق.

"لقد أصبحنا مقصد المبدعين لابتكار المحتوى، وكان لذلك أهمية كبرى لنا"، حسبما يصرّح هوه لـ"ومضة".

لكن كان ذلك في أواخر العقد الأول من هذا القرن، وكما يعترف هوه فإنّ "اقتصاديات هذه السوق قد تغيّرَت"، مضيفاً أنه ثمة ضرورة جديدة لتزويد المستخدمين بقنوات للتوزيع ومصادر للدخل لزيادة الجذب إلى هذه الأنواع من الأدوات، بوالتالي فإنّ إنشاء مقصد يستطيع جذب المواهب وتطويرها هو النهج الصحيح.

هذا هو النهج الذي يستوعبه جيدًا القائمون على موقع "جيفي"؛ فبالإضافة إلى تجميع صور جيف" GIF عبر الإنترنت، يوفر الموقع للمستخدمين أداةً لتصميم الصور مثل تطبيق "جيفي كام"Giphy Cam، كما يخصّص قسماً للفنانين يستضيف محتوى الرسوم المتحركة المبتكر.

هل هذا ما أصبح عليه "فاين"؟ (الصورة من Make A GIF).

تغيير  المجتمع

الميمات، والصور بصيغة "جيف"، ومقاطع الفيديو من ست ثوانٍ (هنا نستذكر موقع "فاين" Vine لإنشاء الفيديوهات القصيرة والذي اندثر)، يمكن أن نعتبرها كلها "أشياء سخيفة".

ولكن هل يمكن أن تكون "الأشياء السخيفة" هي الهوس القادم على الانترنت؟

يرى هوه أنّ الذي يجعل "الشيء السخيف" مهمًا هو قدرته على تغيير المجتمع، ويستشهد بشعبية بنطال الجينز الأزرق في شرق أوروبا في حقبة الحرب الباردة كمثالٍ على ذلك.

فخلال تلك الفترة، جعلت أفلام هوليوود الجينز الأزرق رمزاً للحرية والتمرّد، ممّا جعله سلعة (غير قانونية) يسعى الجميع للحصول عليها. تبدو المخاطرة بحياتك من أجل الحصول على بنطال الجينز الشهير في الأفلام مسألة سخيفة جدًا، لكنها لم تكن تتعلق بالجينز بقدر تعلّقها بما يرمز إليه.

الثقافة هي ما تجعلنا نشعر بالألفة مع بعضنا، وإحدى أفضل الطرق لنشر السلام في العالم هي المساعدة في مشاركة ثقافتك مع شخص آخر"، يقول هوه.

طفرة المحتوى

انتهت أيام هوه على رأس شبكة "تشيزبيرغر" عندما تنحّى عن منصب الرئيس التنفيذي في عام 2015.

وعندما سئل عن "الشيء السخيف" الذي سيركّز عليه إذا كان سيطلق شبكة "تشيزبيرغر" اليوم، كان إجابته بعيدة تمامًا عن السخافة، فقد قال: "كنتُ سأعمل في الواقع على الأداة التي تساعد الناس على ابتكار أشكال جديدة من المحتوى. لا محتوى جديد، بل أشكال جديدة من المحتوى".

 المستقبل هو للسخافة. (الصورة من Mashable)

يعتقد هوه إنّنا نشهد حاليًا "طفرة في الطريقة التي ننظر بها إلى العالم"، خصوصاً مع وجود الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزز (AR) كعناصر أساسية في هذه الطفرة. وبوسع تقنية الواقع المعزز وحدها أن تساهم في إعادة ابتكار أكثر الجوانب تقليدية في حياتنا اليومية.

ويتساءل هنا: "كيف يمكنك مشاهدة الأخبار بالواقع المعزز؟ هل ترغب في مشاهدتها على شاشة تلفزيون مسطحة مثلما تفعل في العالم الحقيقي؟ أم أن هذه التجربة ستكون شيئًا مختلفًا تمامًا؟

المستقبل ليس بعيدًا جدًا عنا، فقد بدأت تقنية الواقع المعزز بالفعل تجد سبيلها إلى حياتنا اليومية وأدوات التعبير عن الذات.

ومع المجموعة المتنوعة من الفلاتر المرحة والمجنونة، قدم تطبيق "سناب شات" SnapChat الواقع المعزز للجماهير. ولاحظ القائمون على موقع "جيفي" ذلك، فأضافوا ميزة الواقع المعزز إلى آخر تحديثٍ لتطبيق الكاميرا "جيفي كام" Giphy Cam 2.5، وقام بتطويع المحتوى ثنائي الأبعاد للأغراض الثلاثية الأبعاد.

فيما تستمرّ التكنولوجيا بالتطوّر، سوف تتطوّر طريقة إنشاء المحتوى، ومشاركة المحتوى، بالإضافة إلى طريقة استهلاك المحتوى. كذلك ستتطور مجتمعاتنا وثقافاتنا. ولكن الأمر الأكيد هو أنّ أسخف شيء يمكنك القيام به مع "الأشياء السخيفة" (التي اتّضحت أهميتها)، هو أن تعتبرها مجرّد "أشياء سخيفة".

اقرأ بهذه اللغة

الفئة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة