هل تناقض الدولة ريادة الأعمال أم تكملها: الولايات المتحدة نموذجاً [رأي]

اقرأ بهذه اللغة

بعد انتخاب دونالد ترامب الرئيس الـ45 للولايات المتحدة الأميركية، كتبت بعض التعليقات والمقالات حول العلاقة بين الإدارة الجديدة مع "السيليكون فالي" (وادي السيلكون)، أي علاقة الدولة الأميركية مع المركز الرئيسي للابتكار وريادة الأعمال في أكثر الأنظمة الرأسمالية ديناميكية وحرية في العالم.

بالإضافة إلى ذلك، كثر الحديث عن "انفصال كاليفورنيا" عن الولايات المتحدة أو ما أصبح يعرف بـ"كاليكزيت" Calexit تيمّناً بحركات الخروج من الاتحاد الأوروبي التي شهدناها في بريطانيا ("بريكزيت" Brexit) ولفترة في اليونان.

 لماذا يرتدي هذان الأمران أهمّيةً نسبة إلى الأعمال في وادي السيليكون أو غيرها من المراكز الجغرافية مثل "طريق 128" Route 128 في ضواحي بوسطن التي تمثل ديناموات الابتكار والتكنولوجيا والشركات الناشئة في أميركا؟

 فاذا كانت محفزات الشركات الناشئة متروكةً للأسواق الحرة من دون تدخّل الدولة كما يعتقد البعض، لما كان هناك أهمية كبيرة لمَن يصل إلى البيت الأبيض ولا أهمية إذا بقيت كاليفورنيا في الاتحاد أم أصبحت جمهورية مستقلة. لكن الأمور أعمق من ذلك.

في المجال الأول، فإنّ اهمّ المفاصل في سياسات ترامب التي ستؤثر على حالة ونمو الأعمال في القطاعات الناشئة والتكنولوجية هي: أولاً، تأثير تباطؤ الهجرة على تدفق المهارات إلى أميركا؛ ثانياً، موقفه من إجبار الشركات مثل "آبل" Apple على التصنيع في الولايات المتحدة. ثالثاً، موقفه من التجارة الحرّة؛ ورابعاً، سياساته في مجالات الضرائب والتقديمات الحكومية مثل الصحة.

بالإضافة إلى كلّ ذلك، فإنّ من أهمّ ما يمكن أن يؤثّر على الابتكار والريادة في المستقبل هو ما سيفعله ترامب بخصوص تمويل الأبحاث والتطوير (research and development) من قبل الحكومة الأميركية. توحي دايفي ألبا في مقالٍ لها في مجلة Wired نقلاً عن مطّلعين أنّ ترامب قد لا يكون لديه سياسة واضحة حول هذا الأمر. وتنقل عن روب أتكينسون، رئيس "مؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار في أميركا" Information Technology and Innovation Foundation، أنّ التمويل العام للأبحاث والتطوير "قد يُهمل" بسبب عدم الوضوح هذا.

 وهنا تطرح أهمية التمويل من الدولة لهذا القطاع.

في هذا الإطار هناك عدة أبحاث أجريَت مؤخّراً توصّلت إلى أنّ الريادة لا تجري في ما يمكن أن نسميه "فراغ" الأسواق، بل إنّ للدولة وسياستها - خصوصاً في مجال الإنفاق على العلوم والأبحاث - دوراً أساسياً في إطلاق واستدامة الشركات الناشئة.

في سلسلةٍ من المقالات للاقتصادي في "جامعة ماساشوستس في لويل" University of Massachusetts Lowell ومدير مركز التنافسية الصناعية في الجامعة،  وليام لازونيك، فإنّ الدولة التنموية أساسيةٌ في عملية الابتكار  في الولايات المتحدة الأميركية. كما أنّ تمويل الأبحاث والعلوم من قبل الدولة تحديداً يلعب دوراً مفصلياً.

يقول لازونيك إنّه في قطاع الصناعة البيوتكنولوجية بلغ مجمل الإنفاق التي قامت به "مؤسسة الصحة الوطنية" NIH من عام 1938 إلى عام 2007 لدعم إنشاء قاعدةٍ معرفية تستفيد منها الشركات، 615 مليار دولار أميركي بأسعار عام 2007.

كما أنّه بداية من السبعينيات، بدأت الحكومة الأميركية بتشجيع الشركات الناشئة للاستفادة من هذه القاعدة المعرفية عبر خفض معدلات الضريبة على تحسن رأس المال من 49% إلى 20% بتأثير لوبي "الجمعية الوطنية لرأس المال المخاطر"National Venture Capital Association.

كذلك قامت الحكومة بإصدار تشريعَين في عامَي 1980 و1983. يتيح الأول للشركات التكنولوجية الاستفادة من الخروقات العلمية التي تحققها الجامعات والمستشفيات من أبحاثها المموّلة من الخزينة الفدرالية. أمّا الثاني فيقدّم للشركات التي تطور عقاقير لأمراض نادرة أو أسواق صغيرة إعفاءات ضريبية للأبحاث والتجارب، بالإضافة إلى إمكانية إعطائها حصريةً في السوق لـ7 سنوات، في ما عُرف بتشريع "العقاقير اليتيمة"Orphan Drug Act.

بعض التشريعات تساهم فعلاً في تحفيز الابتكار ضمن مجالٍ معين. (الصورة من "ميد سكايب" Medscape.com)

من هنا فإن تراجع التمويل الحكومي المحتمل في عهد ترامب سيؤدّي إلى تراجع القطاعات التكنولوجية في أميركا حتماً.

بعد انتخاب ترامب أيضاً، ازدادت وتيرة التذمّر في ولاية كاليفورنيا، وهي إحدى الولايات التي صوتت بأكثريةٍ ساحقةٍ لهيلاري كلينتون. يقول سام ألتمان، مدير حاضنة الشركات الناشئة "واي كومبينايتور" Y Combinator في تغريدةٍ بعد صدور نتائج الانتخابات " يبدو لي أنّ هذا أسوأ امر حدث لي في حياتي".

عكسَ هذا الشعور إحساس الكثيرين في وادي السيليكون الذي يتقدم بعضهم حركة "كاليكزيت". لكنّ إيجابيات خروج كاليفورنيا من الاتحاد  يجب أن تُقارَن مع سلبية تأثيره على قطاع التكنولوجيا العالية التي تعتمد بشكلٍ كبيرٍ على التمويل الفدرالي وعلى السوق الأميركية الضخمة وحركة العمالة الماهرة. وهذا ما يطرح هنا أيضاً أهمية الدولة القومية في تحفيز (أو عدم تحفيز) التطوّر التكنولوجي ودوره في النمو والرفاه الاقتصاديين. وعليه يمكن طرح السؤال التالي: هل يعي مؤيدو الاستقلال الكاليفورني تبعيات الانفصال عن الولايات المتحدة؟

يؤيد أستاذ الاقتصاد في "جامعة كامبريدج" Cambridge University، ها جون شانغ، أنّ الريادة في الرأسمالية المتقدّمة لم تعد امرأً يقوم بها "أبطالٌ فرديون". كما يعتبر جوزيف شومبيتر بل أنّ الريادة أصبحَت عملاً جماعياً (collective) بسبب مساهمة البنية التحتية العلمية والتعاون بين الشركات والتنظيم الداخلي التعاوني المعقد للشركات في التطوير والتقدم التكنولوجيين. وفي هذا الإطار يقول كنصيحةٍ لسياسات الريادة في الدول النامية، إنّه "إذا لم نساهم في بناء مؤسّساتِ وأنظمة الريادة الجماعية ونرفض أسطورة البطل الريادي الفردي فإنّنا لن نساعد الدول الفقيرة على الخروج من حالة الفقر بطريقة مستدامة".

كل هذا يجب أن يدفعنا في العالم العربي إلى التفكير بعمقٍ حول دور الدولة والأبحاث والتطوير، وغيرها من المحدّدات للريادة النافعة والمستدامة، والتي تساهم في بناء اقتصادات متقدمة وديناميكية تُخرجنا من حالة التراجع الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه المجتمعات العربية حالياً.

الصورة الرئيسية: الرئيس الأميركي باراك أوباما يستقبل عدداً من رواد الأعمال من حول العالم في عام 2015. (الصورة من البيت الأبيض).

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة