الابتكار يدخل مجال الإغاثة في الأردن

اقرأ بهذه اللغة

نشرت هذه المقالة سابقاً على "ديفيكس" Devex.

تستمر التكنولوجيا ومعها الابتكار بتغيير الطريقة التي نعمل بها، ومجال الإغاثة ليس استثناء. فالطرق التقليدية لتقديم المساعدات التي تجعل المستفيدين أحياناً ينتظرون في طوابير للحصول على المال أو القسائم الشرائية أو السلع الغذائية، تحمل معها مشاكل كالاضطرابات الأمنية أو عمليات تزوير الوثائق أو حتى الفساد وسوء إدارة التمويل.

نتيجة لذلك أصبحت عمليات الدفع الرقمية خياراً أكثر جاذبية لمنظّمات الإغاثة، ومن المتوقع أن تصبح المساعدة التقليدية من الماضي في البلدان التي يمكن أن تعتمد الحلول الرقمية.

ولا بد من توافر ظروف ملائمة وبنى تحتية متينة لتمهيد الطريق أمام أي حلول مبتكرة. فالأردن مثلاً حيث قطاع الاتصالات قوي وشبكة طرق جيدة نسبياً هو قاعدة مستقرة لنشر المساعدات بدون دفع المال نقداً.

منذ العام 2012 وحتى الآن، سجّل مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين أكثر من 650 ألف لاجئ سوري يعيش في الأردن باستخدام الإحصاء الحيوي وأنظمة مسح بصمة العين. والمساعدات من دون دفع نقدي تسير في الاتجاه نفسه.

في مقابلةٍ مع "ديفيكس"، يقول تيدار ولد، المتخصص في العلاقات مع الشركات والحكومات لدى "تحالف أفضل من النقد" Better than Cash Alliance، إنّ "الاستجابة للأزمة السورية هي أول استجابة رقمية كاملة في التاريخ. عندما ترى كيف يسهّل شيء تقني ومعقد مثل المدفوعات الرقمية حياة الناس ستدرك هول التغيير الذي حصل".

إذاً ما هو مستقبل المساعدات من دون الدفع نقداً؟ إليكم أربعة عوامل ينبغي أن توضع في الحسبان عند التفكير في طرح برامج مساعدات إنسانية رقمية.

1. الأثر مقابل الابتكار

تماماً كجميع المبادرات المبتكرة التي تعتمد بشدة على التكنولوجيا المتقدمة، يسارع النادون سريعاً لتقييم الأثر الحقيق لبرامج المساعدة الخالية من الدفع نقداً.  

في العام الماضي، حث تقرير أصدره "معهد التنمية لما وراء البحار" Overseas Development Institute  في لندن، المجتمع الإنساني على التحول من التبرعات العينية إلى التبرعات المالية النقدية. وأوصى هذا البحث بتقديم المساعدة رقمياً حين يتاح ذلك، مع الإشارة إلى أنّ ذلك يعد وسيلة لترشيد الميزانيات المحدودة للمساعدات وضمان وصولها إلى مستحقيها.

يمكن لتزايد سرعة وأمان عمليات السحب هذه أن يساعد أيضاً في جذب المزيد من الجهات المانحة المحتملة. فـ"أحد الأسباب التي تؤدي إلى إحباط المانحين هو الشك"، بحسب عماد ملحس، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "آيريس جارد" IrisGuard التي طورت نظام الإحصاء الحيوي المطبّق في الأردن.

"برنامج الغذاء العالمي" يستخدم تقنية مسح القزحية لتزويد اللاجئين السوريين 
بالمساعدات الغذائية في الأردن. (الصورة من "برنامج الغذاء العالمي")

ولكن هل سيتفوّق الابتكار على المساعدات التقليدية على المدى الطويل؟

تعتبر التكاليف والمنافع الاقتصادية أساسية لتقييم الوضع. الحدود الأردنية مع سوريا مغلقة الآن، ويعود ذلك بجزءٍ منه إلى الضغوط التي تمارس على الأردن لدعم اللاجئين الذين يعيشون هناك. ولكن اللجوء السوري إلى الأردن، بحسب
تقديرات البنك الدولي، كبّد المملكة حتى الآن أكثر من 2.5 مليار دولار، أي ما يساوي ربع ميزانية الحكومة.

في المقابل، ترى شذى مغربي، مسؤولة العلاقات الإعلامية في "برنامج الغذاء العالمي" في الأردن، أنّ الكفاءة الاقتصادية لبرامج مثل مبادرات البطاقة الإلكترونية وغيرها تساهم في تغيير الصورة وحث الناس على التفكير في اللاجئين كفرصة وليس كعبء.

ومن خلال العمل مع المتاجر المحلية، تذكر مغربي أنّ برنامج الغذاء يهدف إلى ضخ السيولة من جديد في الاقتصاد المحلي. وتشرح قائلة: "نحن نبحث في سبل التعاقد مع تجار الجملة والحصول على أفضل الأسعار منهم، بحيث يزيد هامش ربحهم وتقلّ الكلفة على اللاجئين".

ووجدت دراسة نشرت العام 2015، أنّه منذ إطلاق مبادرة البطاقات الإلكترونية، تم ضخ 600 مليون دينار أردني (845 مليون دولار) من جديد في الاقتصاد المحلي.

2. نهج يرتكز على الإنسان

بما أن المستفيدين قادرون على اختيار ما يريدونه بناء على احتياجاتهم بدلاً من تلقي السلع وحسب، قد تذهب المساعدة أبعد من الحاجيات الصحية أو الملابس.

ويقول والد من "تحالف أفضل من النقد"، إنّ "تزويد الناس بالمال يعني الحفاظ على كرامتهم وحقهم في اختيار أنواع الغذاء التي يرغبون في تناولها".

هذا أمر مهم نظراً إلى محدودية الميزانيات المخصّصة للمساعدات الإنسانية؛ ومنذ انعقاد مؤتمر مانحي سوريا في شباط/فبراير العام الماضي، تلقى "برنامج الغذاء العالمي" ما مجموعه 623 مليون دولار من ألمانيا فعمل على تأمين دفعات مالية شهرية لنحو 535 ألف سوري في الأردن باستخدام البطاقات الإلكترونية.

تقول لاجئة سورية التقتها "ديفيكس" في أحد المتاجر الشريكة لـ"برنامج الغذاء العالمي"، وفضلت عدم الكشف عن هويتها، إنّه قبل البدء باستخدام البطاقة في العام 2014 كانت تنفق كل المساعدات دفعة واحدة. والآن، على الرغم من كونها على رأس أسرة من تسعة أشخاص، تتمكن هذه السيدة من جمع المساعدات لكل أفراد أسرتها وتقسيمها للتسوق على دفعتين في الشهر.

تجربة هذه السيدة ليست سوى واحدة من تجارب لاجئين سوريين يعيش 80% منهم خارج مخيمات اللجوء وهو سياق حضري يحمل معه عقبات محتملة.

توضح السيدة أنّها تشرف على الطبخ لجميع أفراد عائلتها، فالطعام يشكل جزءاً أساسياً من الحياة الأسرية. وتفخر في قدرتها على حسن إدارة ميزانيتها رغم أنها تقول: "أنا لا أهتم بالثمن، بل تهمني جودة المنتجات".
لاجئة سورية تتسوق في عمّان باستخدام قسائم المواد الغذائية المقدمة من "برنامج الغذاء العالمي".

3. جمع البيانات لصالح الجهات المانحة

يعود جمع البيانات الدقيقة من حيث النوعية والكمية بفائدةٍ كبرى على الوكالات الإنسانية المعنية. فالبيانات الآنيّة تكوّن فهماً أفضل لأنماط الإنفاق الاستهلاكي، وتساعد على معرفة السلع التي يشتريها المستفيدون وكم مرة اشتروها.

وتشرح كاثرين أوسبورن من "المجلس النرويجي للاجئين" Norwegian Refugee Council، أنّ أبحاث السوق المحدّثة هذه يمكن إطلاع الجهات المانحة عليها لتحسين حصول اللاجئين على المساعدات وتوزيع المساعدات المطلوبة فعلاً.

يساهم هذا النظام أيضاً في تمكين الناس من الاستفادة من المساعدة بدون أن يعرف فوراً أنهم لاجئون. وتقول أواف ماكدونيل، مسؤولة في مجال العلاقات الخارجية مع "المفوضية العليا لشؤون اللاجئين"، إنّ هذا يساعد في تجنّب الوصمة التي ترافق تلقي المساعدة أحياناً.

4. شراكات ناجحة

يشترط وجود بيئة حاضنة عملية لتطبيق هذا النوع من الحلول التكنولوجية في سياقات إنسانية، وهذا يعني جلوس جميع الجهات المعنية إلى طاولة واحدة، بحسب والد. فهذه الشراكات بين المنظمات والشركات وحكومات البلدان المضيفة، ضرورية لتطوير أي مشروع متعدد القطاعات، كما ينص عليه الهدف السابع عشر من أهداف التنمية المستدامة: "شراكات من أجل أهداف التنمية".

ويرى والد أنّه "لا يمكن أن يكون هناك طرف من دون الآخر، لذلك ما ينبغي أن تتضافر جهود جميع الأطراف"، مضيفاً أنّ "الحكومة الأردنية أنجزت الكثير لطرح آليات الدفع الإلكتروني".

تتخذ الشراكات في الأردن أشكالاً مختلفة. على سبيل المثال، يُستخدم الآن نظام مسح القزحية في إطار مبادرة بين "المفوضية العليا لشؤون اللاجئين" و"بنك القاهرة" تمكّن المستفيدين من سحب المال من جهاز الصرف الآلي عن طريق مسح قزحية العين بشكل مباشر على الصراف؛ وهذا بهدف تقليص مخاطر الاحتيال وتزوير الهوية إلى أقل مستوى ممكن. ومع ذلك، أعرب الكثير من المستفيدين عن مخاوف بشأن ما يمكن أن يلحقه الجهاز من ضرر في عيونهم.

وثمة خطط وضعت فعلاً لطرح مشاريع مساعدات نقدية رقمية. ففي شهر أيلول/سبتمبر الماضي، أعلنت "المفوضية الأوروبية" أنّ "الاتحاد الأوروبي" والدول الأعضاء ستخصص 348 مليون يورو (369 مليون دولار) كمساعدات إنسانية لتركيا لتلبية الاحتياجات اليومية للأسر اللاجئة الأكثر عوزاً. يعد هذا المشروع أكبر برنامج مساعدات إنسانية يستخدم التحويلات النقدية المباشرة، فيما تُعتبر "شبكة الأمان الاجتماعي الطارئة" Emergency Social Safety Net أول نظام مساعدات من نوعه ينفّذه "برنامج الغذاء العالمي" وشركاه.

لا يزال مستقبل الأزمة السورية قاتماً خصوصاً بعد الكارثة الإنسانية المستمرّة في حلب. ولكن هذه البرامج المستدامة وطويلة الأجل التي تنشأ في المنطقة، يمكن أن تكون عاملاً مهماً للاجئين كونهم يريدون البقاء على مقربة من سوريا ويفكرون في كيفية العودة إلى بلادهم إذا استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

اقرأ بهذه اللغة

الفئة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة