ريادة الأعمال فرصة بقيمة 700 مليار دولار تلوح في أفق المنطقة

اقرأ بهذه اللغة

لا يمرّ شهر من دون أن يقول أحد بأن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تمتلك منظومة "وليدة نسبياً" للشركات الناشئة، فيما يرى آخرون أنها "وادي السليكون المقبل".  

فأين تقف منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حقاً مع بداية العام 2017؟

على الصعيد العالمي، إنّ "المؤشر العالمي لريادة الأعمال" (جي إي آي) قد صنّف المنطقة في الوسط تماماً، متوقعاً أن تبلغ قيمة الفائدة الاقتصادية الجماعية لريادة الأعمال فيها، 700 مليار دولار أمريكي، إذا ما حققت المنطقة تحسناً بنسبة 10 في المئة في ظروف ريادة الأعمال.

ومع ذلك، سيتضح لنا من نظرة أعمق على المنطقة، أنها بشكل عام، لم تشهد أي تقدم على مدار العام الماضي.

والمؤشر العالمي لريادة الأعمال، وهو تقرير سنوي يصدره المعهد العالمي للريادة والتنمية المرموق، يعد الإطار الأكاديمي الأشمل في العالم الذي يقيس مدى جهوزية أي دولة لتبنّي الاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال التقنية، بناء على معايير مثل الحرية الاقتصادية والتطور الحضري واستيعاب التكنولوجيا. ومن بين الدول الـ 137 التي قيّمها التقرير، ثمة 13 دولة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ولكل دولة من هذه الدول، ثلاثة مؤشرات فرعية، تُحتسب بناء على 14 ركيزة أساسية، تتكوّن كلّ منها من عنصرين فردي ومؤسسي. فعلى سبيل المثال، يتم احتساب الركيزة الخاصة بـ"مهارات بدء شركات ناشئة" بناء على حصة من يعتقدون بأن لديهم مهارات في بدء مشاريع أعمال جديدة، إضافة إلى الحصة الوطنية المكوّنة من خريجي الجامعات في بلد ما.

إذن، أين نحن اليوم؟

بناء على النسخة الأخيرة من هذا المؤشر، ثمة إجابتان على هذا السؤال: واحدة سهلة وأخرى معقدة.

الإجابة السهلة: منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي ثالث أكثر منطقة تطوراً في العالم

من بين ست مناطق حول العالم، احتلت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المرتبة الثالثة. ومع تسجيلها لرقم يقترب من الـ 40، تقع منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في موقع متوسط تقريباً بين كل من أميركا الشمالية (60) وأفريقيا جنوب الصحراء (20). ويلاحظ أن هذا الوضع تعززه الطموحات القوية للمنطقة، وتقوّضه قدراتها الضعيفة نسبياً.

الجواب المعقد: منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي أكثر مناطق العالم تنوعاً

يجد المؤشر العالمي لريادة الأعمال أن المناطق التي عادةً ما يقيّمها تكون متجانسة نسبياً. لكن الأمر ليس على هذا النحو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فقد تبين أن الدول الـ 13 تغطي طبقة كاملة من الظروف الاجتماعية والاقتصادية، إذ سجّل بعضها ما يقرب لـ 60 (المعدل الوسطي لأميركا الشمالية) بينما بالكاد سجل البعض الآخر 20 (المعدل الوسطي لأفريقيا جنوب الصحراء).

من بين الدول الـ 13، ثمة ست دول من مجلس التعاون الخليجي، وسبع دول من خارجه. وتمثل دول المجلس نصف الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لكنها لا تمثل سوى 20 في المئة فقط من إجمالي عدد السكان. فيعطي المعدل الوسطي الرسمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا البحرين الوزن نفسه الذي يعطيه لمصر (نصف مليون نسمة مقابل 90 مليون نسمة). 

المعوقات وفرصة الـ 700 مليار دولار

يستخدم المؤشر العالمي لريادة الأعمال خوارزمية تعاقب على التباينات الكبيرة في النظام البيئي للدولة.

تستطيع الدولة التي تسجل تعادلاً نسبياً في الركائز الـ 14، أن تفتح الباب للتعاون والتضافر، في حين أن وجود تفاوت واضح بين رأسمالها البشري مثلاً والرأسمال المخاطر المتاح، قد يخلق حالة ضارة من عدم التوازن.

وقد تتسبب المعوقات التي تبقى من دون معاجلة، مع مرور الوقت، في خفض أداء المؤشرات الأخرى. فعلى سبيل المثال، يتسبب النقص في الرأسمال المخاطر في الحد من عدد الشركات المتوسّعة (التدويل)، وتسريع وتيرة هجرة الأدمغة (المواهب البشرية) وكذلك استيعاب التكنولوجيا، والتي تقلل التشبيك أيضاً، ما يؤدي إلى تقليل قبول المخاطر وتناقص الدعم الثقافي.

فالولايات المتحدة التي تعد، بلا شك، النظام البيئي الأكثر تطوراً في العالم، تظهر أداءً متعادلاً نسبياً.

وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومن خلال حساب الفرق بين الرقم الأعلى والرقم الأدنى المسجل في المؤشرات الفرعية الثلاثة لكل دولة، تبيّن أن اثنين من بين كل ثلاثة أنظمة بيئية وطنية تظهر تفاوتاً بنحو 13 إلى 17 نقطة في المقياس المكون من 100 نقطة. والغريب في الأمر أن هذه الحالة من عدم التوازن تشمل النظام البيئي الأفضل بينها (الإمارات العربية المتحدة) والنظام البيئي الأسوأ (ليبيا).

يجب أن تكون هذه النتائج بمثابة دعوة لليقظة لصنّاع السياسات ورجال الأعمال والمعنيين بالنظام البيئي.

ويقدّر واضعو المؤشر العالمي لريادة الأعمال أنه إذا ما حققت الدول الـ 13 تحسناً بنسبة 10 في المئة في ظروف ريادة الأعمال، فإن الفائدة الإجمالية ستصل إلى ما يزيد عن 700 مليار دولار – وهو رقم يعادل الناتج المحلي الإجمالي لأكبر اقتصاد في المنطقة، وهو اقتصاد المملكة العربية السعودية.

تونس، ثاني أسرع دول العالم تحسناً، ولكن ...

استطاعت تونس، خلال عام واحد فقط، أن تقفز من المرتبة 62 إلى المرتبة 42 في المؤشر. وقد جعلها ذلك ثاني أسرع نظام بيئي تحسناً في العالم. ومن شأن هذا التطورّ أن يلفت انتباه المعنيين بالنظام البيئي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الذين لم ينظروا أبعد من الحدود المصرية حتى الآن.

تعتبر هذه القفزة أنباء عظيمة للتونسيين. فإذا حققوا نسبة الـ10 في المئة من التحسّن التي أشار إليها تقرير المؤشر العالمي لريادة الأعمال، فسيبلغون نمواً اقتصادياً بنسبة 104 في المئة، وسيجعلون بلادهم المستفيدة الكبرى من هذا التحسّن بناء على حجم اقتصادها.

وجاءت التغييرات في ترتيب الدول الأخرى بسيطة رغم ذلك. فقد تدهور معدل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من 41.1 العام الماضي إلى 37.5. وفي الواقع، شكلت تونس استثناء مثيراً للإعجاب في منطقة أظهرت فيها جميع البلدان تراجعاً خلال العام 2016.

 

 ما لم يظهره المؤشر

أقر معدّو التقرير بأن الحقائق "الصلبة" التي احتوى عليها المؤشر العالمي لريادة الأعمال لا تأخذ في الاعتبار الحقائق "الناعمة" التي تظهرها كل دولة على حدة. وهذا ما يفسّر وجود جميع دول مجلس التعاون الخليجي في مرتبة مرتفعة مقارنة بالدول الأخرى، على الرغم من أنه لم يحتل أي نظام بيئي بمنطقة الشرق الأوسط ترتيباً قريباً من النظام البيئي لدولة الإمارات (وعلى نحو مماثل، فوجئت مجلة "الإيكونوميست" بالترتيب المتأخر لهونج كونج على المؤشر).

ويقيس المؤشر مدى تقدّم إمكانات الدول، لذلك فإن درجة 100 يمكن قراءتها كنسبة مئوية للقدرات التي لم يتم إطلاقها.

يظهر بحث تقوم به "ومضة" ومؤسسات أخرى بوضوح أن الإمارات العربية المتحدة، ومن بعدها لبنان، والأردن، ومصر، تستحوذ على الغالبية العظمى من الشركات الناشئة، والحصة الأكبر من الاستثمارات سواء من حيث عدد الصفقات أو حجمها. ومن هذا المنظار، سنجد أن الدول الأربعة قد شهدت تحسّناً واضحاً على أساس سنوي، حيث شهد العام 2016 ظهور أول شركات عربية ناشئة تتعدى قيمتها المليار دولار أو ما يطلق عليها بالـ "يونيكورن" مثل: "سوق.كوم" و"كريم".

ومع ذلك، فإن التقرير يقول إن كلاً من مصر (23) ولبنان (29) والأردن (32)، لم تصل بعد إلى نصف إمكاناتها بعد.

الخطوات التي يجب القيام بها

يقدم المؤشر العالمي لريادة الأعمال أداة قوية للباحثين وصناع السياسات لتحديد العقبات وتفهم وضع بلدانهم مقارنة بالبلدان الأخرى إقليمياً وعالمياً. فالنظام البيئي لا يبنى بالمزيد من المساحات الفخمة للعمل المشترك، ولا بخطاب سنوي يلقيه نجم عالمي في مدينتك المحلية، ولا بإنفاق أموال طائلة على شركتين أو ثلاثة شركات ناشئة سريعة النمو.

بناء نظام بيئي مزدهر يتطلب أولًا وقبل كل شيء، فهماً واضحاً لما يصلح وما لا يصلح، وهذا بدوره يتطلب منهجيات سليمة، وبيانات موثوقة مفتوحة يمكن الوصول إليها، وكذلك أبحاثاً عامة وخاصة. في الواقع، استخدمت إيران، وهي الدولة الأسرع تحسناً في العالم خلال العام الماضي، تقرير المؤشر العالمي لريادة الأعمال في معالجة الحواجز الصعبة التي تقف أمام ريادة الأعمال.

إذاً على كل باحث في مجال ريادة الأعمال، خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي تندر فيها البيانات، أن يدرس هذه النتائج بعناية.

اضغط على اسم دولتك للحصول على المؤشرات الخاصة بها:

الجزائر   / البحرين  / مصر / الأردن / الكويت / لبنان  / ليبيا   / المغرب  / عمان  / قطر  / السعودية  / تونس  / الإمارات   

الصورة الرئيسية من "آي ستوك"

اقرأ بهذه اللغة

الفئة

شارك

مقالات ذات صِلة