الاتصالات التقليدية في معركة شبه خاسرة مع تطبيقات الاتصال عبر الإنترنت

اقرأ بهذه اللغة

إذا كنتم تعتقدون أن بإمكانكم الحفاظ على خصوصية علاقاتكم الشخصية عن بعد، فأنتم على الأرجح مخطئون. فشركات الاتصالات والحكومات تريد حصة من الحب.

وعلى عكسكم فهي سعيدة لأنكم بعيدون عن بعضكم البعض. فهذا يعني أنكم سوف تستعملون خدماتها لإجراء مكالمات دولية. ولكن ما يُثير غضبها، أنّكم تستطيعون إجراء مُكالمات دولية بالمجّان.

من شعارات شركة "نيمجو": المحافظة على روابط الحب.

وهذا الغضب في محلّه، فمن المُتوقع أن تؤدي تطبيقات الاتصال عبر الإنترنت (voice over IP) كـ"فايبر" Viber و"سكايب" Skype إلى إنقراض الاتصالات الهاتفية التقليدية خاصة الدولية منها. ونتيجة لذلك من المتوقّع أن يخسر قطاع الاتصالات العالمي قرابة $500 مليار دولار بحلول العام 2020.

ويقول عمر أنسي، مؤسس تطبيق "نيمجو" Nymgo للاتصالات عبر الإنترنت ومقرّه بيروت، "لقد وصلت شركات الاتصالات إلى نُقطة حرجة بحيث لم تعد إيراداتها كما كانت عليه في السابق، لأنها خسرت عدداً كبيراً من المُستخدمين لصالح شركات مثلنا". 

وبالرغم من أنّ زيادة الطلب على تطبيقات الاتصال عبر الإنترنت تزيد الطلب على حزمات الإنترنت التي توُفرها شركات الاتصالات، إلا أنّ الربح منها لا يتناسب مع الطلب المُتزايد. فعلى عكس الاتصالات الهاتفية العادية التي تحدد الدقيقة كوحدة تسعيرية، لا يمكن تحديد وحدة قياس لهذه التطبيقات إذ يُمكن استخدام غيغابايت واحد لعدة تطبيقات.

يُعد الاتصال عبر الإنترنت منخفض الثمن مُقارنة بوسائل الاتصال الأخرى، مما يجذب العديد من المُستخدمين سواء كانوا أفراداً أم شركات. فعلى سبيل المثال، أدرجت شركة "يا مسافر" Yamsafer  الفلسطينية لحجز الفنادق والشقق، خدمة الاتصال عبر الإنترنت للتواصل مع الزبائن من أجل تحسين نوعية الخدمة.

يعتقد فارس زاهر، مؤسس الشركة، أنّ تطبيقات الاتصال عبر الإنترنت "مُفيدة جداً خاصة لقطاع السفر نظراً إلى وجود الزبائن في أماكن مُختلفة من العالم. تتيح هذه التقنية لمُستخدمينا إمكانية تفادي تكاليف المكالمات الدولية".  

الأردن: مثال من المنطقة

في الأردن، بدأت شركات الاتصالات تشعر بالتغيير وهو ما يظهر واضحاً في تراجع أرباحها. فقد تراجعت عائدات شركة "أورانج" Orange، إحدى أكبر شركات الاتصال في الأردن، بنسبة 83% في غضون خمس سنوات فقط بين 2009 و2015.

رسم بياني يظهر تراجع عائدات وأرباح شركتي "أورانج" و"زين" في الأردن بين عامي 2009 و2015.
(الصورة من "حبر" والأرقام من التقرير المالي لـ"زين" للعام 2015)

بدأت الحكومة بمناقشة فرض اشتراكات مدفوعة لاستخدام تطبيقات الاتصال عبر الإنترنت منذ العام الماضي، كحل لتراجع أداء الشركات. كما وعادت لمناقشة الأمر قبل قرابة ثلاثة أسابيع عندما أعلنت وزارة الاتصالات احتمال فرض ثلاثة دولارات شهرياً، 75% منها من نصيب الحكومة، لمن يريد استخدام تطبيقات الاتصال عبر الإنترنت.

لاقى الإعلان رفضاً كبيراً من الشارع الأردني قاد إلى تنظيم حملة مُقاطعة تحت عنوان "سكّر خطك" دعت إلى إقفال الهواتف الخلوية ليوم واحد.

وبدلاً في فرض رسوم إضافية على الاتصالات عبر الإنترنت، نصّ القرار النهائي للحكومة على رفع قيمة ثلاث ضرائب مُختلفة تتعلق بقطاع الاتصالات، أهمها ضريبة المبيعات على خدمة الانترنت الثابتة والمتنقلة والتي ارتفعت من 8% إلى 16%.

سيزيد رفع هذه الضرائب عائدات الحكومة من قطاع الاتصالات المرتفعة أصلاً. فالمملكة تحقق 12% من ناتجها المحلي الإجمالي من هذا القطاع كما أن الضريبة المفروضة على شركات الاتصالات 6% من مجموع الحاصل الضريبي.

وقد أظهرت دراسة صدرت عام 2014 أن الأردن يفرض ثاني أعلى ضريبة مبيعات في العالم على حيازة المحمول.

غير أن مروان جمعة، وزير الاتصالات السابق، والذي سبق أن شغل منصب مدير تنفيذي لشركة اتصالات، يرى أنّ مُحاولات الحكومة وشركات الاتصال لإنقاذ القطاع، سطحيّة، وناقصة. ويوضح في مقابلة مع "ومضة" قائلاً: "نحتاج إلى إصلاح شامل ومتُكامل للقطاع في الأردن. فكل شيء تغيّر، بالأخص تدفق الإيرادات. وما نجح قبل سبع سنين لن ينجح اليوم".

إنها الحرب!

لم تأت تسمية Over the Top أي "فوق القمة" التي تطلق على تطبيقات الاتصال عبر الإنترنت من فراغ. فهي كالطفيليات تتغذى على ما لا تملكه وهو في هذه الحالة البنى التحتية التي تملكها الحكومات وشركات الاتصالات. إضافة إلى ذلك، تُعتبر هذه التطبيقات مُخالفة للقوانين لكونها غير مُرخصة.

مؤسس "نيمجو" عمر أنسي. 

فالعمل وفق القانون يتطلّب من أي شركة أن تحصل على ترخيص من كل دولة تقدّم فيها خدماتها، وهذا أمر مُستحيل بحسب أنسي (مؤسس "نيمجو") الذي يعتقد أن الإنترنت غيّر القواعد التقليدية لعمل الشركات، ولا شيء يستطيع إيقاف ذلك.

تتعرّض شركة أنسي للحجب في بعض الأحيان خاصة في الإمارات المُتحدة. فبالرغم من اعتماد الأخيرة سياسات أساسها التكنولوجيا والابتكار، إلا أنها تُلاحق تطبيقات الاتصال عبر الإنترنت، بجدية كبيرة.

وأوضح المؤسس أنّ "الإمارات تحجبنا ثلاث مرات في الأسبوع على الأقل، ولكنّنا حالما نُحدد مصدر الحجب نتغلّب عليه خلال دقائق معدودة".

يعتبر جمعة بدوره أنّ السبب وراء قيود الحكومة الإماراتية يعود إلى ما يراه سيطرتها على قطاع الاتصالات، إذ أنّ الشركتين الوحيدتين في الدولة مملوكتان شبه كليّاً من الحكومة.

قد يبدو حجب تطبيقات الاتصال عبر الإنترنت أو فرض إشتراك مدفوع على مستخدميها، حلّا للمشكلة، ولكنه على المدى البعيد لا يبدو كذلك.

فوفقاً لأنسي إنّ "حجب كل التطبيقات التي توّفر خدمة الاتصال عبر الإنترنت مستحيل، لأنها كثيرة جدّاً ولذلك يعتبر تنظيمها وتعقبها من قبل شركات الاتصال أمراً مُكلفاً ومُتعباً بخاصة وأن الكثير من المُستخدمين يستعملون الـ'في بي ان' VPN".

إذاً، عوضاً عن حل المشكلة الجذرية التي تقود إلى التغيير الكبير الذي يشهده القطاع، يبدو أن استهداف تطبيقات الاتصال عبر الانترنت يعالج العوارض فحسب.

ويعترف أنسي أن المعركة محتدمة ولكنه على يقين من أنها حرب خاسرة لشركات الاتصال ويؤكد أن النصر سيكون حليف شركات مثل شركته حتى لو استغرق الأمر خمس سنوات أو عشرين سنة.

 
الصورة الرئيسية من بيكسيلز Pexels.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة