سارة ماجدة التومي تزرع الأمل في الصحراء

اقرأ بهذه اللغة

انشغلت سارة ماجدة التومي طيلة عقد من الزمن تقريباً في التفكير بإيجاد حلول لمحاربة التصحّر في وطنها الأم تونس، وتعزيز الزراعة المستدامة في ظل التغير المناخي.

واليوم تملك التومي مختبر أبحاث ومشتلاً للبذور في تونس حيث تعمل مع نساء لتغيير السلوكيات في الزراعة. وتهدف إلى إنشاء مؤسسة اجتماعية عبر زارعة أشجار المورينجا (أو البان) والأكاسيا، والتوسّع لاحقاً إلى الجزائر والمغرب.

التعايش مع التغير المناخي

تبلغ التومي من العمر 30 عاماً، وهي فرنسية من أصل تونسي. وفي فرنسا حيث نشأت وترعرعت، بنت سمعةً لها من خلال تأسيس حاضنة أعمال للطلاب في العام 2008 تحمل اسم "دريم" Dream. بعد ذلك، أطلقت شركتها الاجتماعية الأولى "أكاسيا للجميع" Acacias for All، بمنحة من "آشوكا" Ashoka، ومساعدة تقنية من صندوق التمويل غير الربحي الأميركي "إكووينج جرين" Echoing Green.

كانت فكرتها الأساسية تقوم على غرس أشجار الأكاسيا في الصحراء لتشكل سوراً أخضر يحمي المزارع من الرمال والرياح، وقد عرضتها على وزارة البيئة التونسية لكنها لم تلقَ موافقة.

بئر صالح، قرية يسكنها 5 آلاف نسمة معظمهم من المزارعين الذين يعانون من التغير المناخي. (الصورة لليليا بلايز)

لم تستسلم التومي وتوجهت إلى الناس مباشرة، فعملت "أكاسيا للجميع" على تعليم النساء كيفية محاربة التصحر من خلال غرس الأشجار وتعلّم تقنيات الزراعة الحديثة. جمعت التومي 21 امرأة لزرع شجر البان والأكاسيا، وهما نوعان من الأشجار السريعة النمو والإنتاج.

وتقول التومي عن هذه التجربة: "لقد عشت مثلهن عندما تزوجت من رجل من بئر صالح في العام 2012 وعشت فيها لفترة كامرأة ريفية. تعرفت إلى طريقة عيشهن، وأدركت أنهنّ لا يستطعن جني المال نظراً إلى سوء محاصيل القمح والشعير بسبب الجفاف. لذلك، اقترحت زراعة نباتات أخرى".

وتضيف أنّ "بناء بيئة حاضنة جديدة قد يتطلب 20 عاماً. ولكن أشجار البان قد تعطي بعض المحاصيل السريعة في الوقت الذي ينمو فيه باقي النظام البيئي".

عمل النساء

لم يكن تغيير العقلية السائدة بهذه السهولة أيضاً، وقرار التومي بالعمل مع نساء كان لأنّهنّ أكثر استعداداً لتغيير العادات الزراعية.

وتقول في هذا السياق إنّ "المسألة مسألة حياتية، فإذا لم تجد طريقة لزراعة وتنمية شيء يمكنك بيعه، لا يمكنك إطعام أطفالك والمحافظة على بيتك".

حقول جديدة تستخدم طرق التومي التي يفترض أن تبلل الأرض وتقلل من خطر التصحر.

تقول إحدى جارات التومي التي لديها شجرة بان مزدهرة في حقلها، إنّه "في هذه المنطقة يوجد الكثير من العاطلين عن العمل، لذلك تُعتبر العودة إلى الممارسات التي تركناها، بسبب النقص في المال اللازم لشراء المعدات والأدوات، طريقةً جدية لكسب المال من جديد. علماً أنّ لا مال لدينا لكي نستثمره مجدداً لاكتساب ممارسات جديدة".

تمثل الزراعة أكثر من 10% من الناتج المحلي الإجمالي في تونس، وتشغّل 23.9% من النساء. ومع ذلك، يصعب العثور على إحصاءات رسمية، خصوصاً وأنّ النساء الريفيات يعملن مع أزواجهن في الحقول، وفقاً لدراسة أجرتها "الفاو" (منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة). وفي العام 2016، ورد في تقرير لوزارة الزراعة التونسية أنه في بعض المناطق التونسية، يعمل 80% من النساء في الزراعة، وأنّ القطاع يحتاج إلى إصلاح.

الأعمال الاجتماعية ليست سهلة

تولّت التومي في العام 2012 مسؤولية جمعية غير ربحية تابعة لوالدها، تعمل على الترويج لطرق جديدة في الزراعة.

أطلقت على هذه الجمعية اسماً جديداً هو "حلم"، وسوف تبدأ في العام الجاري بصنع منتجات من شجر البان والأكاسيا والألويه فيرا والنباتات الأخرى. كما تعمل الجمعية على بناء مصنع لإنتاج الشاي والمنتجات الطبية والمربيات والطماطم المجففة وصمغ الأكاسيا.

تشير التومي في حديث مع "ومضة" إلى أنّ "هدفنا الرئيسي يكمن في إنشاء ستة مصانع محلية ستوظف ما يصل إلى 40 شخصاً يتولون العمل على إعداد المنتجات وتحضيرها للتصدير. سوف ننتقل من المنتجات المصنعة منزلياً إلى طريقة صناعية أكثر، مع الحفاظ على الأخلاقيات الزراعية في هذه العملية".
سارة التومي (إلى اليسار) برفقة أم وابنتها تؤمنان بمشروعها وتزرعان أشجاراً جديدة في بستان زيتون.

تتعاون التومي مع شركة فرنسية صغيرة تدعى "إكيتاجرين" Equitagreen من أجل التصدير إلى أوروبا.

وتقول مؤسسة "إكيتاجرين"، ستيفاني ألارد، إنّه "بعد 10 سنوات من الخبرة في مساعدة النساء في المناطق الريفية على زراعة شجر البان في أفريقيا، أدركنا أنّه يمكننا اتباع طريقة مستدامة للزراعة وتكييفها مع التغير المناخي. وأردت العمل مع سارة لأننا نؤمن بالمعايير والأخلاقيات نفسها".

تغيير العقليات وليس الناس

لم تكن الأمور بهذه السهولة على التومي. فبعدما حصلت في العام 2012 على تمويل بقيمة 160 ألف يورو (170 ألف دولار أميركي تقريباً) من شركة "أورانج" Orange لتطوير قريتها (التي لم تكن تنشط فيها)، أحدث الأمر الكثير من الجلبة.

وتقول في هذا الشأن: "اتهمني بعض سكان القرية بالاختلاس، وقالوا إنّ المبلغ الذي حصلت عليه هو مليون دولار. وبالرغم من رؤيتهم للمدرسة الجديدة والأمور التي نفذناها، لم يتقبل أحد أن أتلقى مثل هذا المبلغ".

واحدة من حدائق الخضار التي تديرها نساء في بئر صالح، والتي تؤمّن لها التومي البذور والمواد والنباتات.

نفذت قوى التومي وذهبت إلى فرنسا متوقعة ألاّ تعود مجدداً إلى تونس، ولكنّها عادت في العام 2014 للدفاع عن مشروعها الزراعي "أكاسيا للجميع".

وتشرح قائلة: "يوجد لدي الآن حدائق مليئة بالزهور والنباتات تحيط بأشجار الزيتون، إلى جانب جاري الذي لا يسمح لشيء بالنمو إلى جانب هذه الأشجار اعتقاداً منه بأنه سيحرمها من الماء. أعتقد أنه سيغير رأيه خلال بضع سنوات عندما يرى أنّ حدائق النباتات والخضار التي تحيط بالأشجار مفيدة لأشجار الزيتون".

الأعمال الاجتماعية والعيش بكرامة

أفضل ما في رصيد التومي هو سمعتها في السوق، والتي كوّنتها على مدى سنوات من خلال حث الناس على زراعة الأشجار في تونس. وساعدها ذلك على الترويج لحملتها "مليون شجرة لتونس" One million trees for Tunisia في العام الماضي، والتي شجعت الناس على غرس الأشجار على طريقة "تحدي دلو الثلج". بالإضافة إلى ذلك، عملت على تعيين سفراء للأكاسيا في مختلف أنحاء البلاد يروجون للأولويات الزراعية للحملة، وهي الزراعة المعمرة permaculture والحراجة الزراعية agroforestry.

طموح التومي الأساسي حالياً هو أن تصبح رائدة أعمال اجتماعية كما تريد. لقد حصلت على جائزتين في عام 2016، واحدة من فرنسا وأخرى من شركة "روليكس" Rolex، وبعد استخدام المال الذي حصلت عليه لتطوير المصنع تريد رؤية الأثر الناتج عن عملها.

تختم التومي بالقول إنّ "هدفي يكمن في إرساء طريقة عيش مستدامة لهؤلاء النساء ولي أيضاً، ولذلك فإنّ الجزء الأصعب لم يأتِ بعد. لقد وعدتهنّ بالكثير، وأريد لهنّ أن يكسبن لقمة العيش بكرامة".

الصورة الرئيسية لليليا بلايز.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة