'أراجيك': 'القارئ أولاً ولو على حسابنا'

اقرأ بهذه اللغة

"محتوى عربي يستحق القراءة" شعار ترفعه العديد من منصّات المحتوى العربي الجديدة كدليل على خروجها من صلب المعاناة من تدهور مستوى المحتوى المنشور بلغة الضاد على صفحات الشبكة العنكبوتية.

"أراجيك" Arageek هي إحدى هذه المحاولات الفردية التي قد لا تكون "إنقاذية" ولكنّها تحاول تقديم نموذج مختلف ومستوى جيّد من المحتوى بعيداً عن المنشورات الهابطة التي تنتشر على الإنترنت. وبحسب أحد مؤسسيها، ملاذ المدني، يستهدف هذا المحتوى "جيل الألفية العرب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و22 عاماً، والذين لا يتوجّه إليهم الكثير من الإعلام بشكل خاص".

أسس ملاذ مع صديقه عماد شمس "أراجيك" في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، والدوافع كثيرة على ما يقول ملاذ في دردشة مع "ومضة": "إثراء المحتوى العربي"، "ردم الهوة في المحتوى الجيّد"، "تثقيف القارئ"، "تقديم محتوى مختلف".

محتوى "جامع"

بالنسبة إلى ملاذ، ثمة أزمة أخرى تطال المحتوى العربي، وهي جنوحه نحو التفرقة الدينية والمذهبية والسياسية حيث أصبح سلاحاً أساسياً في الأزمات الإقليمية وأداة في أيدي الجهات النافذة، به تفرّق لتسود.

هذا ما جعل فريق "أراجيك" يبحث عن تقديم مضمون "جامع للقرّاء العرب" كما يصفه، يكتبه خليط من المدوّنين العرب من سوريين ولبنانيين وخليجيين وغيرهم.

توصّل الفريق إلى أن المضمون "الجامع" للقراء العرب اليوم هو المحتوى الذي لا يمتّ للسياسة والدين بصلة، والقريب من اهتمامات الشباب العربي اليوم أي التكنولوجيا والفن والتعليم بعيداً عن الإسفاف.

لذلك يكتب المحتوى بناء على سياسة تحريرية "مشددة" تفرض على المدوّنين في المنصّة احترام المعايير الصحافية الأساسية.

وعن ذلك يقول ملاذ "نبني كل مقالاتنا على مصادر موثوقة ومعلومات شاملة قدر الإمكان، نحترم عقل القارئ فيبادلنا الاحترام والحب".

تُكتب 70% من المقالات بناء على اقتراحات وأفكار الفريق الأساسي المؤلّف من ملاذ وعماد وثلاثة مدراء تحرير مسؤولين عن ثلاثة أقسام: "تك" و"فن" و"تعليم".

الملفت في المقالات المنشورة على صفحات "أراجيك" أن معظمها مقالات من النوع الطويل رغم القناعة السائدة اليوم أن العرب إجمالاً لا يحبّون القراءة ويميلون أكثر نحو المحتوى البصري.

يوضح ملاذ أن "المنصّة ليست للنصوص السريعة أو القصيرة التي تهدف فقط إلى حصد مشاهدات عالية بغض النّظر عن المضمون".

بهذا المحتوى المتخصص كما يصفه ملاذ، نجحت "أراجيك" في تحقيق انتشار كبير حيث يبلغ عدد زوارها الفريدين 1.6 مليون شهرياً والقراءات الشهرية 6 ملايين إضافة إلى 1.7 مليون متابع على المنصّات الاجتماعية.

هذا الخليط من التخصص والجودة والتنوّع هو ما يدفع ملاذ إلى عدم رؤية أي منافسين للمنصة رغم الفورة الأخيرة في المحتوى العربي.

ملاذ مدني متسلماً جائزة أفضل مدونة للعام 2016 من الشيخ محمد بن راشد في "قمة رواد التواصل الاجتماعي العرب" (الصورة من "أراجيك")

الانتشار لا الثروة

في زحمة المنصات المموّلة أو المدعومة، يؤكد ملاذ أن "أراجيك" مستمرة بقوة الدفع الذاتي من دون أي تمويل.

هل تجنون المال؟ "بما يكفي لندفع للكتّاب ولنعيل أنفسنا"، يجيب الشاب السوري الذي انتقل إلى لندن في العام 2006 حيث درس التسويق بالمعهد الملكي للتسويق وحيث التقى بعماد لأول مرة.

ويوضح أن مصادر الإيرادات هي إعلانات "البانرز" التي يؤكّد أنها لا تجتاح القارئ بل تأتي "بخفر" في الصفحات الداخلية، إضافة إلى المحتوى الترويجي.

يشرح ملاذ أن الفضل في انتشار المنصّة هو معرفة الفريق الجيدة بتسويق المحتوى إذ إن المؤسسين يأتيان من خلفية تسويقية وخبرة في مجال "تحسين الظهور في محركات البحث" SEO. ويضيف أنّ ثمة أشخاص مؤثرين على المنصات الاجتماعية ساعدوا في انتشار "أراجيك" والأهم برأيه شريحة المتابعين الوفيّة التي تشارك المقالات بكثرة.  

هذا إذاً هو الجانب المحزن في تجربة "أراجيك" كما في تجارب منصات مماثلة غير مرتهنة سياسياً أو إعلانياً فهي تحقق أرقام مشاهدات ومتابعين تفوق أرقام الكثير من مواقع أخرى تنعم بالدعم أو بالأفضلية في الإعلانات، من دون الاستفادة منها لتحقيق عائدات عالية. 

فسحة الأمل الوحيدة التي لاحت لملاذ والفريق كانت العام الماضي حين صنّفت "أراجيك" أفضل مدوّنة عربية للعام 2016 في "قمة رواد التواصل الاجتماعي العرب".

فورة في المحتوى العربي ولا نماذج عمل واضحة

تقول زهراء مرتضى رئيسة تحرير "رصيف 22" إن السنوات الأخيرة شهدت فورة فعلاً في منصّات المحتوى العربي على الويب، ولكنّها لا تعتمد نماذج عمل واضحة ومحددة لتحقيق عائدات تضمن لها الاستدامة.

وتصف هذا المجال بأنه حقل اختبار لا سيّما للمواقع غير المموّلة، "سيأتي يوم ويتوقّف التمويل وستجد المواقع نفسها مضطّرة للعثور على نموذج عمل".

زهراء مرتضى (الصورة من زهراء للمصوّرة ميليندا تروشو)

وتلفت إلى أن الإعلانات تبقى المصدر الأساسي للإيرادات ولكنّ دخول هذه السوق صعب أولاً لأنّها سوق مشبعة ومن الصعب على المواقع الجديدة أن تجد مكاناً لها فيها، وخطر ثانياً لا سيّما على المحتوى الذي تقدّمه المواقع لأنّ المعلنين قد يتحكّمون به.  

لذلك ترى أنه "كمنصّة للمحتوى يجب عليك أن تكبر (لناحية عدد الزوار) في البداية من خلال المحتوى الجيّد والهادف بغض النظر عمّا إذا كان موضوعه خفيفاً أم معقّداً ومتشعّباً. وبالتالي فإن المعلن هو من سيبحث عنك وستدخل سوق الإعلانات بقوّة بشكل لا يجعل المعلن يتحكّم بك".

وتحذر من أن نشر محتوى "مثير" ولكن فارغ من المضمون أو عناوين "صادمة" من دون مضمون هادف فعلاً، يجذب المشاهدات لبعض الوقت ولكنه لا يصنع الجمهور.

وتوضح أن الجمهور ذكي لذلك فإنه في البداية سيضغط على رابط الموضوع ولكن في المرات اللاحقة لن يفعل.

القارئ "ملك"

"لا نرغب في إثقال كاهل القارئ"، هو الشعار الذي يرفعه ملاذ الذي يغيظه "عدم احترام القراء وخصوصيّته لا سيّما في العالم العربي"، مؤكّداً أن الهمّ الأول في منصّة "أراجيك" هو "احترام الأشخاص الذين يثقون بنا وعدم التعامل معهم على أساس أنهم مستهلكون ومجرّد مصدر للـ"كليك" click وبالتالي للمال".

احترام القارئ على ما يشرح ملاذ، يكون بعدم إزعاجه بالإعلانات العديدة من جهة، ومن جهة أخرى بعدم نشر مقالات فارغة من المضمون لمجرّد أن موضوعها واسع الانتشار Trending.  

ولكنّ احترام قرّاء "أراجيك" كان أيضاً بالتزام الفريق الاستقلالية ما أتاح التركيز عليهم ككائنات بشرية تحب وتكره وتنزعج وتستسيغ.

"قد يبدو ما سأقوله رومنسياً وغير واقعي إلاّ أنك حين تحبّين شيئاً ترغبين في حمايته من أي شيء وأنا بالضبط كذلك أحبّ 'أراجيك' وأحب من يقرأونها لدرجة أنّي لا أرغب بتشويهها بأي شكل".

الصورة الرئيسية من صفحة "أراجيك" على "فيسبوك".

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة