تعميم مصرف لبنان 331: ولادة قطاع

اقرأ بهذه اللغة

في شهر آب/أغسطس 2014، أصدر مصرف لبنان (البنك المركزي) التعميم 331 بهدف ضخ 400 مليون دولار أميركي في "اقتصاد المعرفة" اللبناني، على شكل استثمارات تقوم بها المصارف اللبنانية الخاصة. وبعد ثلاث سنوات، يبدو أنّ البيئة الحاضنة لريادة الأعمال تتشكّل تدريجياً رغم بعض العثرات التي تواجهها.

ملخصّ

يهدف التعميم بشكل أساسي إلى الحدّ من هجرة الأدمغة وتحفيز ريادة الأعمال عبر كفالة مصرف لبنان لكلّ استثمارات البنوك التجارية في اقتصاد المعرفة، سواء كانت استثمارات مباشرة مقابل أسهم في الشركات الناشئة، أو غير مباشرة عبر المؤسّسات الداعمة للشركات الناشئة.

يعني هذا أنّه في حال إفلاس الشركة الناشئة، سيسدد مصرف لبنان ما يصل إلى 70% من الاستثمار الذي وضعه المصرف التجاري في هذه الشركة (ولا يتحمل المصرف التجاري أكثر من 25% كخسارة). في البداية، كان يُسمح للمصارف بالمساهمة ضمن حدود 3% من أموالها الخاصة في الشركات الناشئة المحلية، سواء عبر صناديق تمويل أو بشكل مباشر - أي ما يقدّر بـ400 مليون دولار. ولكن في التعميم الوسيط (التعديل) رقم 419 الذي صدر في نيسان/أبريل 2016، رفع مصرف لبنان نسبة مجموع مساهمات المصارف في الشركات الناشئة إلى 4%، ما يرفع المبالغ المحتملة المخصّصة للاستثمار إلى 600 مليون دولار.

الوضع الحالي

جُمع حتى الآن بين 300 و320 مليون دولار، استُثمر نصفها تقريباً في أكثر من 40 شركة ناشئة. وساهم تدفق المال في زيادة إنشاء صناديق استثمار مخاطر تغطي مختلف مستويات التمويل (تأسيسي، في مرحلة النمو، جولة ثانية Series B)، بالإضافة إلى مسرعات أعمال جديدة ومساحات عمل مشتركة جديدة.

ومن الاستثمارات المشتركة التي أنجزت: استثمار صندوق "آزور فاند" Azure Fund و"شركاء المبادرات في الشرق الأوسط" MEVP في "واشد أند فاوند" Washed and Found؛ استثمار مشترك من "بيريتك" Berytech و"شركاء المبادرات في الشرق الأوسط" في كلّ من "سكريبتر" Scriptr و"موبي نتس" Mobinets؛ واستثمار مشترك من "شركاء المبادرات في الشرق الأوسط" و"ليب فينتشرز" LEAP Ventures في "بوكويتي" Bookwitty عدّة مرّات.

يقول مدير صندوق "بيريتك فاند" Berytech Fund، بول شكرالله، إنّ "التعميم 331 يمكنه أن يكون محرّكاً للاقتصاد اللبناني". وفي مؤتمر "عرب نت" Arabnet السنوي في بيروت، في شهر آذار/مارس الماضي، أعلن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أنّ هذا القطاع ساهم بمليار دولار في الناتج المحلي في لبنان ووفّر آلاف فرص العمل، من دون إيضاح مصدر هذه الأرقام. من ناحية ثانية، فإنّ امتلاء وتوسع "منطقة بيروت الرقمية" Beirut Digital District التي تتركّز فيها الشركات الناشئة، يشيران إلى أنّ هذا المسعى قد حقّق معياراً أساسياً من معايير النجاح.

البيئة الحاضنة للشركات الناشئة في لبنان تصبح أكثر نشاطاً مع تزايد المفاهيم المبتكرة (الصورة من "ومضة")

جذب المغتربين

يعود أصحاب المواهب اللبنانيون الذين يعيشون في الخارج إلى وطنهم، خصوصاً الذين يعملون مع صناديق الاستثمار المخاطر ومسرعات الأعمال: سامي أبو صعب، الرئيس التنفيذي لـ"سبيد" Speed، عاد من مونتريال في كندا؛ ونزار الهاشم، مؤسس "آزور فاند" ، كان في دبي قبل أن يأتي إلى لبنان؛ وفريق "ليب فينتشرز" جاء معظم أفراده من الخارج. والشركات الناشئة بدورها تشهد ظاهرةً مماثلة.

يقول أبو صعب إنّ ثلاث إلى خمس شركات ناشئة من أصل 18 شركة في "سبيد" لديها مغتربين في فريقها. ويرى هيرفيه كوفيلييه، الشريك في "ليب فينتشرز"، أنّ أحد أهم العوامل الجاذبة في لبنان هي الملاءة: "يوجد هنا بيئة لائقة للعيش، والضرائب أقلّ مما هي عليه في أوروبا. صحيحٌ أنك مضطر إلى دفع فاتورتي كهرباء وفاتورتي مياه، إلى آخره، ولكن رغم ذلك تبقى المعيشة هنا أكلّ تكلفة".

ندرة المواهب

مشكلة النقص في أصحاب المواهب التكنولوجية ما زالت قائمة. وعلى سبيل المثال، لا تبلغ مسرعة الأعمال لدى "سبيد" أقصى قدرتها في كلّ دفعة وهي 10 شركات ناشئة. ويشرح أبو صعب أنّه "في الدفعة الحالية كان لدينا تسع شركات ناشئة، وهو أفضل من الدفعات التي سبقت، ولكن حتى الآن ليس لدينا دفعات جيدة بما يكفي".

بدوره، يرى شكرالله من "بيريتك" أنّه "لا يزال من الصعب العثور على مديرين تقنيين جيدين وخبراء تقنيين جيدين في اختصاصات محددة مثل الذكاء الاصطناعي والتشفير وسواهما". ويواجه القطاع هذه المشكلة من خلال الاستثمار في تدريبات متخصصة للطلاب والمهندسين الذين يعملون في المجال. كما نشأت أكاديميات لتعليم الترميز والبرمجة مثل "إس إي فاكتوري" SE Factory التي تقدّم تدريباً لمدة ثلاثة أشهر للمطورين. هذا بالإضافة إلى أن شركات أكبر مثل "بوكويتي" تبرم شراكات مع جامعات لتدريب المهندسين وتوظيفهم. انطلقت البيئة الحاضنة ببطء إنّما بثقة؛ ومن "الأمور الجيدة" كما يقول أبو صعب "مشاركة عدد من أصحاب شهادة الدكتوراه في هذه الدفعة من ’سبيد‘".

القوانين والتشريعات

من المشاكل الأخرى التي تواجه القطاع هي القوانين والتنظيمات البالية. يقول وليد منصور، الشريك في "شركاء المبادرات في الشرق الأوسط"، إنّه "يجب إعادة النظر في قانون التجارة"، والأمور التي تحتاج إلى إصلاح لا تعد: لا يزال إغلاق شركة أمراً معقداً للغاية، السندات القابلة للتحويل وأنظمة الأسهم التفضيلية لا تعمل بسلاسة كما ينبغي، كما أنّ الحد الأدنى من متطلبات رأس المال لإنشاء شركة مساهمة لبنانية (20 ألف دولار) يعتبر مرتفعاً جداً بالنسبة للكثير من الشركات الناشئة. تحاول شركات وصناديق استثمار مخاطر التعامل مع هذا الواقع، ولكنّه يستغرقها الكثير من الوقت.

قوانين العمل تعقد الأمور، فبحسب أبو صعب من "سبيد"، "أفضل المطورين في العالم هم من الهند، ولكن لا يمكن إحضارهم إلى لبنان لأن الطريقة الوحيدة لفعل ذلك هو عبر تأشيرة للعمل في المنازل". والنظام المصرفي متأخر أيضاً، إذ يضيف سيريل حاجي ـ توماس، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "بوكويتي" التي حصلت مؤخراً على 10 ملايين دولار، أنّه "عندما يكون لديك شركة تعمل بنجاح فسوف تحتاج إلى قروض، وهنا لا تمنحك المصارف قروضاً إلا بضمانات شخصية".

تشكيل جماعة ضغط

ينظّم المستثمرون المخاطرون أنفسهم لمواجهة هذه المشاكل. وبالفعل يجري العمل حالياً على تأسيس جمعية لشركات الاستثمار المخاطر. ويقول شكرالله من "بيريتك": "عملنا على هذا الأمر لسنة ونصف، والأوراق أصبحت جاهزة منذ خمسة أشهر". من جهته، يرى فادي بزري الشريك في "بي أند واي فينتشرز" B&Y Ventures أنّ "(تأسيس) الجمعية شيء جيد، إذ يجب أن نوحد صوتنا، ونشكل جماعة ضغط، ونظهر للناس أن التعميم 331 ينجح، وأن نواصل العمل على جمع التقارير".

أعطى التعديل رقم 452 الذي أصدره مصرف لبنان في شباط/فبراير 2017 دفعة غير متوقعة لتأسيس الجمعية، على الرغم من النزاعات طويلة الأجل والعامة في بعض الأحيان بين صناديق التمويل ومديري صناديق التمويل. وعن هذا التعديل الذي يُعرّض التعميم 331 للخطر كونه يحظر أي نفقات خارج لبنان، يقول منصور إنّ "المشكلة تكمن في أنّ التعديل لا يميز بين الاستثمار في الخارج والنفقات في الخارج. كيف يفترض أن ندفع ثمن ’إعلانات جوجل‘ Google Ads بعد الآن؟"

كان هذا التعديل بمثابة جرس إنذار لشركات الاستثمار المخاطر التي اجتمعت وضغطت من أجل التغيير، فأثمرت جهودها: ففي أقل من ستة أسابيع استبدل التعديل رقم 452 بالتعديل رقم 455 الذي يسمح بصرف النفقات خارج البلاد لشراء الخدمات والمعدات غير الموجودة في البلاد.

تفاؤل مستمر

يبدي مخضرمو القطاع تفاؤلاً حذراً، ويشرح البزري أنّ "مجال التكنولوجيا ينمو لأنّ هناك الكثير من المال الذي يُضخّ في بيئة متطورة نسبياً". ويتابع: "لقد مرّ على دخول لبنان إلى مشهد ريادة الأعمال قرابة 10 سنوات، وكان لدينا شركات استثمار مخاطر، ومسرعات أعمال، ورواد أعمال، قبل ضخ المال حتى. أما حقيقة وجود الكثير من المال فهي شيء جيد لأنّها تساهم في شهرة القطاع، فقبل ثلاث سنوات على سبيل المثال لم يكن يعرف الناس أنّ لبنان ينشط في مجال التكنولوجيا".

لا يزال أمام البيئة الحاضنة سنتان إلى ثلاث سنوات على الأقلّ قبل أن تصبح قصة نجاح حقيقية، وقبل إثبات فعالية التعميم 331. وفقاً لكوفيلييه، وصلت البيئة الحاضنة إلى نقطة حساسة لأنّ "الأمر هنا يشبه ما يجري مع الشركات الناشئة، إذ عليك أن تقرّر ما إذا كنت تؤمن بمنتجك أو لا". يرى كثيرون أنّ هذا القرار قد اتُخذ، ويؤكد كوفيلييه الذي يتحدّث بلسان عدد كبير من أقرانه أنّ "هذا الأمر ينجح".

هذه المقالة هي الأولى من مقالتين. اقرأ الجزء الثاني هنا.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة