ثلاثة أسباب تجعل الرعاية الصحية عن بُعد جاذبة للاستثمار

اقرأ بهذه اللغة

في كتابه Healthcare Disrupted أي ثورة في عالم الرعاية الصحية، يقول جيف إلتون إنّ "العالم تغيّر، لكنّ الرعاية الصحية – على نطاق واسع – لم تتغيّر"؛ حتّى الآن.

يمكن تعريف الرعاية الصحية عن بعد Telehealth بأنّها توفير الرعاية الصحية عبر وسائل تكنولوجيا الاتصالات. وهي إذا ما استثنينا النقل، تعتبر القطاع التكنولوجي الذي يقدم خدمات حسب الطلب الأسرع نموّاً في العالم.

وأتاح الابتكار التكنولوجي المجال لحصول تحولات كبرى في قطاع الرعاية الصحية ركّزت على تعزيز نتائج الصحة والرفاه اللذين يعتبران بالغي الأهمية للاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل. والعلاقة بين الرعاية الصحية والاقتصاد، هي التي تضمن أن تحصل الرعاية الصحية، على نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق المتقدمة والناشئة؛ كما هو الحال في الولايات المتحدة حيث شكّلت الرعاية الصحية 18.7% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2015.

في حين تواجه نظم الرعاية الصحية في العالم ضغوطاً هائلة تتمثّل في التكاليف الكبيرة والخسائر في الإنتاجية، ليس من المستغرب أن يتضاعف الإنفاق العالمي على الرعاية الصحية من 8.4 تريليون دولار في العام 2015 إلى 18.3 تريليون دولار في العام 2030، خصوصاً وأنّه من المتوقع أن تتراجع الإنتاجية بسبب الأمراض المزمنة وحدها 47 تريليون دولار ضمن الفترة نفسها. وبالتالي، نأمل في أن تكون الرعاية الصحية عن بعد قد وصلت في الوقت المناسب.

مع استمرار معاناة الاستثمار من عدم اليقين الاقتصادي على صعيد العالم، في الوقت الذي تكافح فيه العائدات المحقّقة من فئات الأصول التقليدية (المال النقدي والسندات والأسهم، على سبيل المثال) لتواكب التضخم، يسعى المستثمرون إلى أمرين: 1) دخول القطاعات الدفاعية (مثل التعليم والرعاية الصحية)، و2) الاستثمارات ذات المخاطر الجذابة: الاستثمارات التي تحقّق عوائد أعلى من مخاطرها reward profiles. وبالتالي، لا يعود مستغرباً أن تقرأ على "موبي هيلث نيوز" Mobihealthnews أنّ الربع الأول من العام 2017 شهد نمواً غير مسبوق في تمويل خدمات الرعاية الصحية عن بعد حيث استثمرت شركة "روك هيلث" Rock Health ما يزيد على مليار دولار أميركي على مستوى العالم في إطار 71 صفقة، ورصدت شركة "ستارتب هيلث" Startup Health 124 صفقة بقيمة 2.5 مليار دولار أميركي، بما في ذلك الاستثمار المذهل بقيمة 914 مليون دولار في شركة "جرايل" Grail للكشف عن السرطان.

المرة الأولى التي دغدغت فيها الرعاية الصحية عن بعد خيال المستثمرين كانت في تموز/يوليو 2015. فمنصة "تيلادوك" Teladoc للاستشارات المصوّرة بتقنية الفيديو والتي تتخّذ من تكساس مقراً لها، أصبحت أول شركة رعاية صحية عن بعد تنجح في الوصول إلى الاكتتاب العام IPO جامعة 156.8 مليون دولار في بورصة نيويورك، لتدخل (إلى جانب "أميركان ويل" American Well) كإحدى شركتي الرعاية الصحّية المدرجة على قائمة الشركات العشرة التي تقدّم خدمات حسب الطلب الأكثر تمويلاً في كلّ العصور.

وفي العام 2016، بلغت قيمة السوق العالمية للرعاية الصحية عن بعد 2.5 مليار دولار، ومن المتوقع أن تنمو لتصل إلى 12.1 مليار دولار بحلول العام 2022، ما يشير إلى أنّ قطاع الرعاية الصحية في طريقه إلى أن يصبح قطاعاً رقمياً بالدرجة الأولى.

هذا هو الوقت المناسب للاستثمار في شركات الرعاية الصحية عن بعد، وذلك لعدة أسباب:

  1. الابتكار على الصعيد التنظيمي

تتعرّض الحكومات لضغوط هائلة لإصلاح قطاع الرعاية الصحية ولتبنّي مقاربة أكثر ابتكاراً. ولدى الرعاية الصحية عن بعد القدرة على خفض التكاليف، وتحسين وصول الرعاية الصحّية إلى من يحتاجون إليها، وتحسين جودتها، وفي الوقت نفسه الحدّ من الاعتماد على موارد الطوارئ وزيادة إنتاجية الشركات (من خلال انخفاض عدد الإجازات المرضية). وكما نرى في الولايات المتحدة، فإنّ التكنولوجيا هي من يقود التنظيمات وليس العكس.

  1. راحة المرضى

في اقتصاد اليوم الذي يعرف بالاقتصاد القائم على الطلب  on-demand economy، يبحث العملاء عن السرعة والراحة قبل أيّ شيء آخر، والرعاية الصحية ليست استثناءً. ففي عالم بات يمكننا فيه تسوّق البقالة ونحن جالسون على الأريكة، وتتبّع سيارة الأجرة أثناء توجّهها نحو موقعنا، بات العملاء يطلبون الوصول إلى خيارات الرعاية الصحية بسرعةٍ وسهولة. ومع قيام "تيلادوك" بمعالجة مريضٍ واحدٍ كلّ 8.5 ثانية في الولايات المتحدة من خلال تطبيقها للاستشارات عبر الفيديو، يبدو واضحاً أنّ تبنّي المستهلك للرعاية الصحية عن بُعد ينمو بسرعة.

  1. مشاكل التأمين

مع قدرة الرعاية الصحية عن بعد على معالجة 9 من أصل 10 حالات يزور فيها المريض الطبيب وذلك من خلال الاستشارات عبر الفيديو، يمكن أن تتقلّص خسائر شركات التأمين الصحي إلى حدّ كبير. ففي حين تقدّر الخسائر في دولة الإمارات بنحو 3.67 مليار درهم إماراتي سنوياً بسبب إفراط الأطباء في وصف الأدوية وإجراء الكثير من الفحوصات التشخيصية غير الضرورية، يمكن للرعاية الصحية عن بعد أن تحدّ بشكل كبير من سوء الاستعمال هذا، وبالتالي الحدّ من التكاليف.

في صيف العام 2016، أحدث "صندوق الاستثمارات العامة" Public Investment Fund السعودي صدمةً في أوساط المستثمرين في التكنولوجيا في الشرق الأوسط، وذلك باستثماراتٍ غير مسبوقة في شركة "أوبر" Uber بلغت 3.5 مليار دولار. فما يعتبر أمراً جيداً لحكومة قوية في المنطقة سيكون بالتأكيد جيداً للمستثمرين الإقليميين الآخرين. وفي الأشهر الأخيرة، شهدت المنطقة زيادة هائلة في النشاط الاستثماري في الشركات الناشئة التكنولوجية في دول مجلس التعاون الخليجي من مستثمرين آخرين من المنطقة، وصناديق أسهم خاصة وصناديق استثمار مخاطر، بالإضافة إلى شركات عائلية. وبالتالي، مع استثمار أكثر من 1.7 مليار دولار في الشركات الناشئة الإماراتية وحدها في العام 2016، لم يكن هناك وقت أفضل من هذا الوقت لتأسيس شركة ناشئة تكنولوجية تبحث عن رأس مال في المنطقة.

قبل هذا الوقت، كانت الشركات الناشئة في مجال الرعاية الصحية عن بُعد في دول مجلس التعاون الخليجي قليلة ومتباعدة، ولكن من المتوقع أن يتغير الوضع مع شركات مثل "هيلث آت هاند" Health at Hand، وهي منصّة تقدّم تطبيقاً للاستشارات الطبية عبر الفيديو ستنطلق في منتصف العام 2017 (بداية في الإمارات، على أمل التوسع بسرعة إلى دول مجلس التعاون الخليجي وخارجها)، فيما تعمل حالياً على جمع تمويل في إطار جولة أولى للاستثمار التأسيسي Seed A.

استناداً إلى التقديرات الحالية، فإنّ استثماراً بقيمة 100 ألف دولار أميركي في العام 2013 في شركة "دكتور أون ديمند" Doctor on Demand الأميركية التي تعمل في مجال الرعاية الصحية عن بعد، عاد على المستثمر بأكثر من مليوني دولار في العام 2015؛ وأن استثماراً مماثلاً في شركة "تيلادوك" درّ 900 ألف دولار بين عامي 2009 و2015، فيما سمحت صفقة التخارج التي سعت إليها شركة "دكتور كير أنيوير" Doctor Care Anywhere في المملكة المتحدة، للمستثمرين بتحقيق عائد بنسبة 400% في السنوات الأربعة الأخيرة.

وكما كتب مايكل سبيكتر مؤخراً في مجلة "نيويوركر" Newyorker، "انتهى عصر الطب الأبوي الذي يقدّم الطبيب على أنه هو صاحب المعرفة الوحيد والمريض محظوظ لأنه يعاينه". يعني هذا أنّ الرعاية الصحية عن بعد تُحدث - ببطء ولكن بثبات - تغييراً كبيراً في قطاع الرعاية الصحية، وعلى المستثمرين أن ينتهزوا الفرصة.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة