عشر خطوات لبناء بيئة عمل ناجحة في الشركات الناشئة [رأي]

سبق ونُشر هذا الموضوع على "مدونة المسعودي".

عندما بدأت في تأسيس الشركة وبناء فريق العمل، اتّخذت قراراً مهمّاً أعتقد أنّه كان العامل الرئيسي في بناء بيئة عمل "عقارماب" Aqarmap. وكان هذا القرار أنّني لن أحاول بناء بيئة عمل startup culture مزيفة تركّز على ديكور المكتب ووجود الألعاب وتبدو إيجابيةً من الخارج، بينما هناك مشاكل كبيرة في الداخل.

لكي ننجح في تحقيق هذا الهدف، اعتمدت على فريق العمل نفسه في اختيار التوجّه الأنسب للشركة. لهذا سأستعرض بعض الأمثلة التي قد توضح لكم مدى أهمية بناء بيئة عمل ناجحة.

نعمل بجهد ونستمتع في الوقت نفسه

كلنا نعمل لساعات طويلة، وكلّ شخص يقوم بوظيفة 3 أو 4 أشخاص في الوقت نفسه، والمهام كثيرة، وساعات العمل طويلة؛ ولكن في النهاية كلّ هذا لا يمنع أن نستمتع ونمزح ونلعب قبل وبعد وخلال وقت العمل.

"عقارماب" ليست مجرد وظيفة

"عقارماب" هي حلم نسعى من خلاله إلى بناء قصة نجاح تلهم غيرنا من الشباب. انضمّ جزءٌ كبيرٌ من أعضاء الفريق إلى "عقارماب" لهذا السبب، وليس لأنّهم كانوا يبحثون على مجرد وظيفة. أعتقد أنّ بيئة العمل التي بنيناها وتصرّفات جميع أفراد فريق العمل تفرض على كلّ من ينضمّ إلينا أن يصبح مثلنا أو ربما أن يبحث عن فرصة أخرى.

لا عقاب على الخطأ

منذ تأسيس الشركة وأنا مؤمن بأنني سأخطئ عدّة مرّات وأرتكب أخطاء كبيرة، وأنّ كلّ من يعمل معي - وسيعمل معي في المستقبل - سيخطئ أيضاً؛ لهذا رفضت مبدأ العقاب والإنذارات والخصومات بسبب الخطأ مهما كان حجمه. هناك من قام بحذف قاعدة بيانات مهمة لم يكن لدينا نسخة احتياطية منها ولم يُعاقب، ولكننا بدأنا بإعداد نسخ احتياطية من جميع ملفاتنا المهمة. وهناك من ترك حملات إعلانية تُنفق ميزانية الشركة على صفحات غير موجودة في الموقع ولم يُعاقب، بل بدأنا إعداد تقارير ومهام أسبوعية لمتابعة واكتشاف مثل هذه الأخطاء.

المناصب والمسميات لا تهمنا

أحياناً تكون المناصب والمسميات عائقاً أمام إبداع فريق العمل، فيصبح همّ الجميع في الشركة تسلّق السلم الوظيفي بدلاً من التركيز على مهام العمل وتحقيق النجاح للشركة. لهذا في السنوات الأربع الأولى من تأسيس الشركة، لم يكن هناك أيّ مناصب في الشركة مثل (مدير، نائب مدير، وقائد فريق، إلخ). الكلّ كان يحمل مسمى "مسؤول" Associate، إذ كان هناك مسؤول تسويق، ومسؤول مبيعات، ومسؤول خدمة عملاء، وغيره. وبالرغم من اختلاف خبرات وكفاءات فريق العمل، إلّا أنّ المسمى واحد، ولكن بالطبع المرتّب مختلف ويتناسب مع خبرات كل شخص وطبيعة عمله.

بناء قادة "عقارماب" من الداخل

مع نموّ عدد الموظّفين واحتياجنا لبناء هيكل إداري، واجهت قراراً مهماً جداً ومصيريّاً يمكن أن يدمر بيئة العمل أو يحافظ عليها: هل نوظّف المدراء أصحاب الخبرات الحقيقية من خارج الشركة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّهم بالتأكيد سيُصدمون من بيئة عمل "عقارماب" التي لا تعطيهم صلاحيات المدراء الطبيعية وتتطلب منهم كمية تواضع وتفهّم ومرونة من الصعب وجودها في أي شركة؟؛ أم نراهن على أنسب الشباب والشابات من أعضاء فريق "عقارماب" لكي يكونوا هم القادة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ معظمهم ليس لديه أي خبرة إدارية أو قيادية وبالتالي سنواجه مشاكل في كفاءة الفريق الإداري من الناحية القيادية؟؛ اخترت بثقة المراهنة على قادة "عقارماب".

لسنا هنا من أجل أعلى مرتب

في سنوات التأسيس الأولى كانت ميزانيتي محدودة جداً، وكنت اضطرّ لدفع مرتبات منخفضة جداً. وعلى الرغم من أنّ هذا لم يكن اختياري الشخصي، إلّا أنّه أوصلنا إلى نتيجة ممتازة مفادها أنّ معظم من دخل فريق العمل لم يكن هدفه الحصول على أعلى مرتب، وبالتالي كان معظم أفراد العمل يبقون في الشركة لفترة طويلة لأنّ العروض التي تأتيهم من شركات أخرى لا تغريهم. في الآونة الأخيرة، حقّقت "عقارماب" نجاحاً مالياً متميزاً، وبالتالي تحسّن دخل فريق العمل وأصبح يتناسب مع السوق، وأصبح أحياناً أعلى من السوق، وطبعاً مثل هذا التغيير جعل فريق العمل يشعر بالتقدير وزاد من حبه للشركة.

الصراحة بدون مجاملات  

يصفني البعض في الشركة بالدكتاتور، بالرغم من أنني من دعاة الديمقراطية الوهمية: أحبّ أن أشرك فريق العمل في الكثير من القرارات، ولكنّني احتفظ دائماً بحقّ اتخاذ القرار النهائي، وذلك لأنّنا لا ندير الشركة برأي الأغلبية. ومع هذا، أتقبل النقد وأشجّع الجميع على الصراحة كما أتجنّب المجاملين وأقلّل من رأيهم دائماً لأنّني لا أثق برأي شخصٍ يجاملني أو يحاول التقرب إلي. في المقابل، بعض المدراء والقيادين في الشركة لديهم أسلوبٌ عنيف في تقديم آرائهم، ولكنّ أراءهم عقلانية ومبنية على خبرة وفهم، وهي نابعة من حبهم للشركة. هذا العنفوان في تقديم الأفكار هو ما يساعدني أحياناً على رؤية الحقيقة وتغيير رأيي.

التواضع وتصحيح المسار

اتخذتُ عشرات القرارات التي اختلف معي الكثير من أعضاء فريق العمل حولها، والكثير كانوا يؤكّدون لي أنّها قرارات خاطئة. يمكنني أن أقول إنّ نصف هذه القرارات هو جزءٌ لا يتجزأ من نجاح الشركة، والنصف الآخر كان أخطاء قاتلة ومكلفة، ولكنني لم أتردّد للحظةٍ عن الاعتراف بالخطأ وتصحيح المسار مباشرة عندما تتّضح لي الصورة.

المرونة قدر الإمكان

يتّسم أسلوب الإدارة الشرقي عادة بالقسوة، وذلك لأن سلوك الموظف الشرقي يتّسم عادة بالإهمال؛ وهذه الدائرة السلبية تولّد بيئة عمل فاشلة. لهذا حاولت قدر الإمكان بناء أنظمة العمل في الشركة لكي تكون مرنة جداً وفي الوقت نفسه لا تسمح لعادات الإهمال المتأصّلة في ثقافتنا العربية بالتسرب إلى داخل الشركة. مسألة الحضور والانصراف هي أكبر مثال: آخر موعد للوصول للمكتب هو 9:00 صباحاً، وإذا تأخّر الموظّف دقيقة واحدة يرسل اعتذاراً بالإيميل إلى فريقه، ويلتزم بالبقاء في المكتب لمدة 10 ساعات من ساعة وصوله وتسجيل بصمته عند الخروج. أما إذا وصل إلى المكتب في وقت مبكر، فلديه مرونة أكثر بكثير في مواعيد الانصراف، ولا يكون مُطالباً بتسجيل بصمته عند الخروج أصلاً.

إجازات مدفوعة بدون حدود

بدأت أكبر ميزة في "عقارماب" في العام 2011، وهي لا تزال موجودة حتى اليوم. تقوم هذه الميزة على أنّه يمكن لأيّ موظّف أن يأخذ إجازات مدفوعة في أيّ وقت، وبدون أي حدود، وبدون أيّ موافقة من الإدارة، حتّى وإن كانت الإجازة ستتعارض مع المهام الموكلة إليه. كان الجميع يراهن على أنّ هذا النظام سيفشل. أعتقد أنّه كان سيفشل إذا كنت قد بنيت فريقاً من الفشلة، أما إذا كان لديك فريق عمل يحب شركته ويتسم بالاحترافية في العمل، فستجد أنّهم لن يستخدموا هذه المرونة المطلقة إلا عندما يحتاجون إليها.

هذه أهم الجوانب التي تشرح بيئة عمل أو ثقافة عمل "عقارماب" Aqarmap Working Culture. وأخيراً، لمن لا يزال يعاني من فهم مصطلح بيئة العمل Culture المتداول بكثرة في الوقت الحالي، سأحاول تعريفه بهذه الطريقة:

بيئة العمل "هي المبادئ والأنظمة التي يستخدمها أعضاء فريق العمل عند تعاملهم مع بعضهم البعض داخل الشركة بشكلٍ خاص، وعند تعاملهم مع الغير خارج الشركة بشكلٍ عام".

الفئة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة