المنطقة أمام فرصة كبرى لتحقيق اقتصاد تشاركي شامل

اقرأ بهذه اللغة

إنّها التاسعة صباحاً، تترك إحدى الموظفات منزلها متّجهة إلى مكتبها الذي يقع في مركز الأعمال التكنولوجية المحلي. بعد ثلاثين ثانية تصل سيارة لتقلها إلى المكان الذي تقصده – ربما مع ركاب آخرين وربما لا – وبأجرة أقل خمس مرات من أجرة سيارة التاكسي العادية .

يحدث هذا في بيروت وليس في وادي السيلكون، ولا يجري باستخدام نسخة من "أوبر" Uber معززة بالذكاء الاصطناعي بل بواسطة سيارة أجرة تعرف بالـ"سيرفيس"، وهي خدمة تاكسي تشاركية موجودة في بيروت منذ عقود.

ينتشر الاقتصاد التشاركي بأشكال مختلفة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ وقت طويل، وهو يأتي اليوم مدعماً بالتكنولوجيا. ولكنّ النهج الذي تعتمده الشركات المحركة للسوق مثل "كريم" Careem لا تستفيد بالكامل من الإمكانات الموجودة في هذه المنطقة.

بيب بيب، توت توت. سيارات "سرفيس" في مدينة طرابلس اللبنانية. (الصورة من "ويكيميديا كومونز" Wikimedia Commons)

نماذج الاقتصاد التشاركي

"الاقتصاد التشاركي" هو مصطلح واسع يحدد النماذج التنظيمية التي تنطوي على فعل المشاركة.

ويصفه إيهاب إيليا، المطور ومنسق "كيرو ويشير" Cairo Ouishare، بأنّه "ليس جيداً أو سيئاً بحد ذاته بل يقوم على الأهداف والنماذج المعتمدة".

قد تكون بعض نماذج خدمات التشارك من الند للند peer-to-peer مثل "يلا ريد" Yallaread في تونس، أو عامة مثل "بايك فور أول" Bike4all في لبنان؛ أو ربحية مثل "أوبر" Uber، أو غير ربحية مثل موائد الإفطار الرمضانية التقليدية؛ بالإضافة إلى ذلك، هناك مشاريع تعاونية مثل "ستوكي" Stocky في كندا، أو شركات مثل "ديليفيرو" Deliveroo في المملكة المتحدة.

في جميع الأحوال، مهما كان النموذج المعتمد، يجب أن يهدف إلى ضمّ الجميع لأنّ قيمة الاقتصاد التشاركي تكمن في تأثير الشبكة، أو عدد الأشخاص الذين يستخدمونه.

اقتصاد تشاركي "إقصائي"

برزت في المنطقة بعض المبادرات التشاركية الناجحة، مثل "أفيتو" Avito في المغرب، غير أنّ معظمها غالباً ما يكون نسخة عن خدمات منتشرة في أوروبا أو الولايات المتحدة.

ونتيجة لذلك، لا يصل هذه النوع من الخدمات إلاّ إلى شريحة محدودة من السكان، وعادة ما تكون شريحة تضم أشخاصاً من مستوى تعليمي جيّد، وميسوري الحال وكثيري السفر، وعلى استعداد للتشارك مع أشخاص من النخبة نفسها. هذا العنصر النخبوي من الاقتصاد التشاركي الحاضر في الغرب، والذي أشارت إليه شركة الأبحاث "بيو" Pew، يبدو أكثر ظهوراً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

فالكثير من قطاعات الاقتصاد التشاركي في المنطقة تحد خدماتها بنخبة معينة، مثل "ذا  لوكجيري كلوزت" The Luxury Closet في الإمارات أو "أوبر".

في المقابل، ما سيغير قواعد اللعبة هو الاقتصاد التشاركي الشامل وليس الإقصائي.

اقتصاد تشاركي شامل في المنطقة

قد تكون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بحاجة إلى نموذج مختلف من الاقتصادات التشاركية تلائم حاجاتها الاجتماعية والاقتصادية، وقد يكون الاقتصاد التشاركي الشامل هو الحل الأنسب.

يركز الاقتصاد التشاركي الشامل على حاجات واسعة، ويوفر خدمات متاحة لأكثر الناس، بحيث يمكن لكل شخص يمتلك الحافز والإمكانية أن يشارك فيه.

مهما كان النموذج الذي تعتمده، يجب أن تهدف إلى ضمّ الجميع. (الصورة من "ستوك فولت" Stockvault)

ومن الأمثلة عن الشمول، بعيداً عن الاقتصاد التشاركي حتى، تأتي الشركة الناشئة "ديموكرانس" Democrance، للتكنولوجيا المالية والتي تهدف إلى إتاحة التأمين للجميع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

يقول مدير "تكستارز" Techstars الإقليمي، أحمد سفيان بيرم، إنّ "الاقتصاد التشاركي بشكل عام، أو الاقتصاد من الند للند P2P في إطار مبادرات محددة، ليس جديداً على العالم العربي. فالناس على مرّ التاريخ كانوا يتشاركون ويتعاونون في حياتهم اليومية، سواء كجزء من ثقافتهم أو معتقداتهم الدينية".

ويضيف بيرم أنّ "بعض المبادرات التعاونية والتشاركية لا تزال قائمة حتى اليوم، مثل ’الجمعية‘ التي تعتبر نموذجاً قديماً من الإقراض الجماعي الذي لا يبغي الربح، وموائد الإفطار الرمضانية".

من جهتها، تشير نيلي باز، الاستشارية ورئيسة دائرة البرامج في "جمعية الإنترنت" Internet Society في لبنان، إلى أنّه في لبنان على سبيل المثال، "تمكّن الناس والمجتمعات بعض الشيء من تشارك مولدات الكهرباء في أحياء مختلفة من أنحاء البلاد".

نشوء الاقتصاد التشاركي

يحدّد تقرير "ذا كولابوراتيف إيكونومي" The Collaborative Economy من "ألتيميتر" Altimeter، ثلاثة دوافع أوصلتنا إلى الاقتصاد التشاركي، وهي: العلاقات الاجتماعية، الأوضاع الاقتصادية، والأدوات التكنولوجية.

يقول التقرير إنّ الاقتصاد التشاركي في الغرب ظهر في مجتمعات أصبحت أكثر فردية، ومن ثمّ شهدت رغبة متنامية في تعزيز الروابط الاجتماعية إضافة إلى تنامي حس الجماعة. وظهر الاقتصاد التشاركي أيضاً في فترة أزمة اقتصادية أثرت على الأداء الاقتصادي، مدفوعاً بتكنولوجيات وخدمات جديدة مثل شبكات التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية والمدفوعات عبر الإنترنت.

الوضع في العالم العربي مختلف، فالروابط الاجتماعية لا تزال قوية، والأزمات الاقتصادية موجودة قبل أزمة العام 2007 المالية، وبعض التكنولوجيات لا تزال غير منتشرة بشكل واسع بعد.

المضيّ قدُماً

يقوم أي اقتصاد تشاركي على شبكات من الأشخاص، ويحتاج توسيع هذه الشبكات وجعلها فعالة إلى أمرين: التكنولوجيا، والثقة.

تشتمل التطورات التكنولوجية على أمور مثل الانتشار الواسع للهواتف الذكية والتكنولوجيا المالية و"سلسلة البلوكات" blockchain؛ هذه الأمور تعزز الروابط بين الأفراد، فيما الثقة تعزز التعاون.

وقد وجدت دراسة من "هارفرد" Harvard أنّ الثقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تغيب بين المجتمعات لأسباب جغرافية أو دينية، ما يمنع المبادرات الفردية من أن تصبح منظّمة، وبالتالي يمكن أن يعرقل تشارك الخبرات والمعرفة ويبطئ عملية النمو.

تعزيز الثقة ونشر التكنولوجيا الجديدة يمكن أن يدعما هذه الأفكار التشاركية الشاملة لكي تنشأ حيث يتوقع لها ذلك على الأقل، مثل مخيمات اللجوء ومناطق النزاع.

وبحسب بيرم، فإنّ "الناس في مناطق النزاع في العالم العربي يميلون لتشارك المزيد من الموارد، لأنّ التعاون والتشارك ليسا خياراً للناس بل ضرورة لهم لزيادة الموارد وتوفير فرص أكبر".

الصورة الرئيسية من "ستوك فولت".

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة