مستقبل الوظائف في المنطقة نحو نقلة نوعية

اقرأ بهذه اللغة

يظهر الصراع ما بين القديم والجديد جليّاً في حياتنا اليومية، فأينما نخطو نصطدم به: هل نستخدم "أوبر" و "كريم" أم التاكسي الأصفر؟ "فايبر" و"سكايب" أم المكالمات التقليدية؟ "يوتيوب" أم التلفاز؟ صراع حاد ولكن يبدو أن المُستقبل يُخبّئ صراعاً أكثر حدّة.    

المركبات من دون سائق، والواقع الافتراضي والهولوغرام لم تعد مُجرّد خيال علميّ بل تشكّل واقعنا اليوم فإما تأخذنا إلى الهاوية أو تفتح لنا آفاقاً لا نتوقعها.

وبهدف تقييم هذين الاختيارين أصدر المنتدى الاقتصادي العالمي الأسبوع الماضي تقريراً يعرض تفاصيل الثورة التكنولوجية التي تغزو عصرنا، بعنوان "مُستقبل المهن والمهارات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: تهيئة المنطقة للثورة الصناعية الرابعة".

يقيس التقرير استعداد الدول العربية لتقبّل التغيير التكنولوجي الناتج عن الثورة الصناعية الرابعة من خلال التركيز على عاملين رئيسيين: أولاً مدى اعتماد أسواق هذه الدول الأتمتة وثانياً قيمة الموارد المُتاحة التي يمكن استخدامها للتصدي لهذا التغيير.

(المصدر: المنتدى الاقتصادي العالمي)

وفي هذا الصدد، يُمكننا تقسيم المنطقة إلى أربع مجموعات. المجموعة الأولى تضم الدول المُعرضة للتغيّر بشكل كبير، والتي تتمتع بقدرة استيعاب عالية مثل الأردن وتونس. والمجموعة الثانية تتألف من البلدان المُعرضة للتغيّر بشكل كبير ولكن قدرة استيعابها ضعيفة مثل تركيا. أما الخليج العربي فيقع ضمن المجموعة الثالثة لعدم تعرضه للتغير بشكل كبير ولامتلاكه موارد تساعده على التأقلم. وأخيراً لدينا الدول غير المُعرضة للتغير بشكل مُباشر ولا تملك موارد تساهم في تأهيلها.

أما مصطلح الثورة الصناعية الرابعة فيشير إلى التغيّرات التكنولوجية التي تدعو إلى دمج المساحات الحسيّة والرقمية والبيولوجية مع بعضها البعض لتنتج عالماً يختلف كليّاً عن الذي عهدناه، عالم يعتمد كلّياً على علم البيانات، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والذكاء الاصطناعي، ومجالات أخرى مُشابهة.

مستقبل المنطقة العربية بالأرقام

نتيجة للتغيّر التكنولوجي الذي نشهده، من المتوقع أن يتأثر قطاع التوظيف كثيراً بحيث ستختفي قرابة خمسة ملايين وظيفة بحلول العام 2020 بسبب التقنيات التي ستحل مكان البشر. لهذا السبب يبقى احتمال تفاقم البطالة بسبب التطور التكنولوجي هاجساً مُلحّاً يثير القلق، لا سيّما أنّ البطالة في المنطقة تبلغ 31% وهي من أعلى النسب التي بلغتها.

ولكن لا يبدو المُستقبل محبطاً، بالنسبة إلى سعدية زهيدي التي شاركت في إعداد التقرير. تعي زهيدي رئيسة مبادرات التوظيف والمساواة بين الجنسين وعضو الهيئة التنفيذية في المنتدى الاقتصادي العالمي أن الكثير من المهن ستنقرض بسبب الأتمتة، ولكن في الوقت نفسه تؤكد أن مهناً أخرى ستنبثق مكان المهن المنقرضة لتحل مكان الأولى.

يوضح التقرير أنّه عبر التنسيق الأدق للمنصات الإلكترونية التي تساهم في تشبيك المُوظّف مع صاحب العمل، من المتوقع أن ينتج 945 ألف وظيفة إضافية في مصر وأن يزداد الناتج المحلي للدولة بـ21 مليار دولار بحلول 2025 وكذلك الأمر في تركيا حيث يتوقّع ذلك أن يؤدي إلى إتاحة 799 ألف فرصة عمل جديدة وزيادة الناتج المحلي بـ41 مليار دولار. أما في السعودية فيتوقّع التقرير أن يؤدي ذلك إلى ظهور 276 ألف وظيفة وزيادة الناتج بـ32 مليار.

صقل مهارات المستقبل

لضمان نقلة سلسة من سوق الوظائف المُنقرضة إلى سوق الوظائف الجديدة لا بد من صقل مهارات تحتاجها السوق الجديدة. فبحلول 2021 من المتوقع أن تكون 21% من المهارات المطلوبة في الخليج مُختلفة عن تلك التي كانت مطلوبة في العام 2015، وتبدو النسبة قليلة مُقارنة بتركيا حيث تصل إلى 41%.

الاستفادة من المواهب إلى أقصى حد (المصدر: المنتدى الاقتصادي العالمي)

تشير زهيدي خلال مقابلة مع "ومضة" إلى أن "احتياجات السوق المُستقبلية لا تنحصر بزيادة نسبة استخدام الأدوات التقنية بل تتعداها إلى المعرفة المُتخصصة في مجالات التكنولوجيا المعلوماتية والعلوم والرياضيات والهندسة STEM".

وتوضح أنه "بينما تُستخدم هذه المجالات بكثرة في وقتنا الحالي، فإنها محصورة ضمن إطار التصنيع والبناء. في المستقبل ستتعدد أطر استخداماتها من ضمنها العلاج الطبي والتعليم".

ولكي نستطيع تحديد المهارات المطلوبة بشكل أدق، يجب النظر إلى العوامل الرئيسية التي تقود الجيل الرابع من الثورة الصناعية وهي بحسب التقرير: الطاقة الجديدة، والتقنية السحابية، وعلم البيانات والذكاء الاصطناعي.  

وكذلك قد توضح لنا بيانات "لينكد إن" المتعلقة بالمهن الحديثة، توجُّهات سوق العمل في المنطقة. فتُظهر البيانات أنّ المهنة الأكثر نموّاً (بنسبة 37%) خلال 2011 و2016 هي ريادة الأعمال يليها تحليل البرامج ومن ثم اختبار ضمان الجودة.

ثورة على الأبواب

يبدو أن التغيير لن يباغت المنطقة العربية كما سيباغت أوروبا والولايات المُتحدة، بل سيأتي مُتاخراً قليلاً وذلك لأن أجور العُمّال في المنطقة مُتدنيّة وبالتالي لا تُحفّز أصحاب الأعمال للتوجّه نحو الأتمتة. ولكن لن يطول التغيير كثيراً، لأن الشركات ستلجأ إلى الأتمتة عاجلاً أم آجلاً إذا ما أرادت أن تبقى قادرة على المُنافسة.

ولكن زهيدي ترى إيجابية ما في تأخّرالتغيّر التكنولوجي، لأن المنطقة تُعاني من البطالة وسوء مستوى التعليم "لذلك إذا طرأ التغير التكنولوجي في الوقت نفسه سيكون من الصعب التأقلم معه بخاصة إذا غابت الإصلاحات".

وتنقل المسؤولة في المنتدى عن بعض الاقتصاديين أن الجيل الرابع من الثورة ينطوي على تحدّيات أكبر من الثورات التي سبقتها لأنه يدمج مجالات عديدة. ولكن في المقابل، يعتقد آخرون أنه للسبب ذاته لا تُشكل هذه الثورة تحديات كثيرة مُعتقدين أن الحلول كالمشاكل، ستأتي من اتجاهات عدة.  

على أية حال تُشدّد زهيدي على أهمية التعامل مع هذه المرحلة بحذر شديد لأن "التغيّر المقبل يتطلب الكثير من الاستراتيجيات والتطبيق العملي والشراكات، ولا يُمكننا الاعتماد على الحظ لتحقيق تأقلم طبيعي".  

الصورة الرئيسية من "بكسيلز" Pexels.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة